العنوان على أبواب العام الثاني للانتفاضة: أين أصبحت القضية الفلسطينية؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1988
مشاهدات 66
نشر في العدد 895
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 13-ديسمبر-1988
ها هي انتفاضة الشعب الفلسطيني المباركة تدخل سنتها الثانية في عزيمة وثبات، تطور أساليبها في مواجهة قوات الاحتلال الغاشمة، وتبني أطرها التنظيمية، وتبلور رؤيتها الفكرية على أساس أنها ماضية في الطريق إلى أن يأذن الله بالنصر المبين.
قدم الشعب الفلسطيني حتى الآن أكثر من خمسمائة شهيد، وسبعة عشر ألف جريح، وحوالي ثلاثين ألف معتقل، غير حالات التسمم والإغماء وإجهاض النساء الحوامل، تحمل الشعب الفلسطيني ما يخطر، وما لا يخطر على البال من أصناف الظلم والعسف والقهر والمضايقات النفسية والمعيشية، على أيدي قوات الاحتلال الغاشمة.
تحمل الشعب الفلسطيني كل ذلك، وما زال يبرهن على استعداده لأن يتحمل أكثر من ذلك، متمتعًا بروح معنوية عالية، يستمدها من عقيدته الإسلامية وتاريخه الجهادي، وخبرته بعدوه الجبان المتمرس بآلات القمع والوحشية.
والانتفاضة بهذا الاعتبار تعتبر في ذاتها إنجازًا سياسيًا كبيرًا، لم يعرف التاريخ الحديث حالة مشابهة لها، فعلى الرغم من حالة الحصار التي يعيشها الشعب الفلسطيني الأعزل... وعلى الرغم من سيادة منطق الهزيمة والاستسلام لمطالب العدو في أعقاب كامب ديفيد، إلا أن الشعب الفلسطيني المسلم رفع راية الجهاد بكل ما لديه من إمكانات، لينبه العالم بشكل عام والعالم العربي والإسلامي بشكل خاص، أن صاحب الحق لا يتنازل عنه مهما كانت الظروف، وأن المحتل مهما أوتي من قوة يظل محتلًا ظالمًا غاشمًا، لا بد من مواجهته ودحره.
ويستطيع الراصد للانتفاضة من هذا المنطلق- وإن لم يتحقق الهدف النهائي وهو زوال الاحتلال- أن يضع يده على الإنجازات السياسية التالية:
أولًا: على المستوى الفلسطيني والعربي:
1- أعادت الانتفاضة المباركة للصراع مع اليهود حقيقته وطبيعته وأبعاده، باعتباره صراع هوية ثقافية ووجود ومصير؛ فلقد سقطت مقولة التعايش بين اليهود والعرب المسلمين إلى غير رجعة.
2- وأوضحت الانتفاضة كذلك أن الجهاد هو السبيل الوحيد لخلق وقائع جديدة تؤثر في العدو، وأن طريق الاستجداء والتسويات السياسية لا يؤدي إلا إلى المزيد من ضياع الحقوق.
3- أيقن الشعب الفلسطيني بشكل خاص والعرب المسلمون بشكل عام، إلى أن راية الدين والقيادة الإسلامية هما الجديران بثقة الشعب الفلسطيني وقيادته وتوجيهه نحو الحرية والاستقلال، وقد تكرست هذه الحقيقة من خلال التجاوب الشعبي الشامل مع نداءات وبيانات حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وتوجيهات العلماء والوعاظ والمشايخ عبر المساجد التي أصبحت مراكز قيادة وتوجيه أنشطة الانتفاضة، سواء على صعيد مواجهات قوات الاحتلال أو على صعيد الخدمات الاجتماعية.
4- استعادت القضية الفلسطينية أهميتها كقضية أولى للعرب والمسلمين سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، مع فارق في الموقف والرؤية.
5- أحيت الآمال في النفوس بإمكانية تحقيق النصر على اليهود، وتغيير المعادلة التي تحكم علاقات الشعوب العربية بحكامها، وهو أمر توجست منه الأنظمة وعالجته بتبني الانتفاضة لفظيًا، ومنع حالات التعبير عن الالتحام الشعبي معها بشكل جدي.
ثانيًا: على المستوى اليهودي:
1- أعادت طرح التساؤل حول إمكانية واستمرارية وجود الكيان اليهودي لأول مرة منذ عام 1948 على مختلف المستويات المدنية والعسكرية، الفكرية أو العامة.
2- عمقت الانقسام في الرأي بين القوى السياسية اليهودية، وأسهمت في زيادة نفوذ القوى القومية والدينية المتعصبة، كما تبين من نتائج انتخابات الكنيست في الشهر الماضي.
3- سقوط نظرية الأمن اليهودية لأنها تتجاهل البعد التاريخي وإرادة الشعب الفلسطيني المسلم، ووضع حد لحلم «إسرائيل الكبرى».
4- سقوط نظرية أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وظهور قوى سياسية تعترف بالشعب الفلسطيني وحقه في وطنه وأرضه.
5- انكشاف زيف القناع الديمقراطي للكيان اليهودي أمام الغرب بشكل خاص، والعالم بشكل عام.
6- إحداث حالة من الإنقسام في الرأي بين اليهود في العالم خاصة في أمريكا، واليهود في فلسطين المحتلة.
ثالثًا: على المستوى العالمي:
1- فرضت القضية الفلسطينية نفسها على اهتمامات العالم والرأي العام العالمي، ولقيت تعاطفًا دوليًا أثار الكيان اليهودي، في حين كان العالم لا يأبه لهذه القضية قبل الانتفاضة.
2- تفهم الرأي العام العالمي الرسمي والشعبي لحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وإدانة القمع اليهودي وأساليبه الوحشية.
3- احترام العالم لجهاد الشعب الفلسطيني، وإعجابه ببطولاته في مواجهة قوات الاحتلال الغاشم.
ولعل سؤالًا يثار هنا، وهو: أليس تبني المجلس الوطني الفلسطيني لقرار إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة إنجازًا سياسيًا للانتفاضة المباركة إن لم يكن أهم الإنجازات؟
ونسارع إلى القول: إن العبرة في الأعمال بخواتيمها، فإذا ترجم الإعلان إلى استقلال سياسي تام، فلا شك أنه إنجاز ضخم، أما إذا ترجم إلى سيادة مفتوحة واعتراف بالكيان اليهودي، فإنه يعتبر إجهاضًا لكل إنجازات الانتفاضة التي تحدثنا عنها.
والمراقب السياسي الموضوعي- في ضوء موازين القوى على الساحة الإقليمية والدولية- لا يسعه إلا القول بأن ما يثار من حديث عن تسوية سياسية في الوقت الحاضر- سواء عن طريق مؤتمر دولي، أو مفاوضات ثنائية- ليس إلا استدراجًا للقيادة الفلسطينية، يهدف إلى تكريس الاعتراف بالكيان اليهودي، وإجهاض الانتفاضة المباركة.
وإنطلاقًا من هذا الفهم فإن شعار استثمار الانتفاضة للتوصل إلى تسوية سياسية- بغض النظر عمن يرفعه- هو شعار زائف يقصد منه وأد إنجازات الانتفاضة السياسية، خاصة نزع فتيل المواجهة مع العدو اليهودي، وعدم تحول الانتفاضة المباركة إلى حالة عامة، تكون مقدمة لمشروع نهضوي حضاري شامل على مستوى العالم العربي والإسلامي.
وإذا كان مفهومًا أن يعمد العدو اليهودي بكل ما لديه من أساليب القمع والتنكيل محاولة إجهاض الانتفاضة بالقوة، أو من خلال عروض الانسحاب من بعض المناطق من طرف واحد كغزة مثلًا، فإنه من العجيب أن يتجاوب العرب مع مخاوف أمريكية تقول باحتمال انتقال حالة الانتفاضة إلى الدول العربية المجاورة لفلسطين، فيعملون على اتخاذ تدابير من شأنها منع أو ردع الجماهير من الإعراب عن تضامنها مع الانتفاضة المباركة.
استثمار الانتفاضة
لقد استسلم الرسميون العرب لحالة اليأس التي يعيشونها؛ فأخذوا يطرحون شعار استثمار الانتفاضة من أجل التوصل لتسوية سياسية، وفي هذا السياق يمكن ذكر مشروع شولتز سيء الذكر، ونداء مبارك لوقف الانتفاضة وإجراء مفاوضات، ووثيقة أبو شريف، وتصريحات قيادات فلسطينية متتالية بالاعتراف المتبادل والمفاوضات المباشرة وقبول قرارات الأمم المتحدة.
واستنادًا لقرار الأردن بفك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية، والانفراج الدولي اتخذت القيادة الفلسطينية قرارًا بإعلان الاستقلال، وتشكيل حكومة مؤقتة، وبيان سياسي يعترف بقراري 242، 338 ويدعو لكونفدرالية أردنية- فلسطينية، ونبذ الإرهاب، ونتيجة لجهود عربية ودولية تم التوصل إلى ذلك بالأغلبية في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، وأخذت الأنظار تتمحور فيما بعد حول من يعترف ومن لا يعترف بالدولة، وهل يلقي عرفات خطابًا في الأمم المتحدة في نيويورك، ولماذا حرم شولتز عرفات من تأشيرة دخول لأمريكا؟
وهكذا، ومهما كانت الدوافع، فإن الاهتمام أخذ يتحول من متابعة الانتفاضة وتدارسها وتطويرها، إلى مواجهة الموقف الدبلوماسي، وهو أمر لا يمكن حسابه إلا في خانة تعويق إنجازات الانتفاضة المباركة.
ومن باب الموضوعية والمنطق، نريد أن نقول بأن الانتفاضة المباركة التي أحدثت انعطافًا نوعيًا في جهاد الشعب الفلسطيني في الداخل، ليس متوقعًا منها- ولا مطلوبًا منها- أن تطرد الاحتلال الصهيوني من فلسطين بمفردها، لأن ذلك فوق طاقتها وخارج قدرتها، ولا يعني هذا - بحال من الأحوال- أن الانتفاضة تمارس الانتحار كما يقول بعض البائسين أو المتخاذلين، بل يعني ضرورة الوعي التام لأحد أهم إنجازات الانتفاضة، وهي أن الصراع مع اليهود هو صراع حضاري مصيري بين العرب والمسلمين أجمعين من جهة، واليهود والقوى الرأسمالية من جهة أخرى.
دعم الانتفاضة
ولذلك فإن المطلوب هو دعم الانتفاضة المباركة ليس فقط بالمال والإعلام، وهو لا يزال عند أضعف المستويات، وإنما بالانتفاض على كل أوضاعنا البائسة، وتصحيحها باتجاه بناء الذات الحضارية المستقلة، في نفس الوقت الذي نوجه شبابنا لحمل راية الجهاد في سبيل الله، والوقوف صفًا مرصوصًا في الميدان السياسي إلى أن تتغير المعادلة لصالحنا، وتقترب ساعة النصر بإذن الله.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمد: 7)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: 126)، فإلى الأمام- أيها المسلمون- وليكن شعارنا المرحلي: لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة... ولا طريق للتحرر إلا بالجهاد.