العنوان لماذا فقدت الماركسية العربية دواعي البقاء؟
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
مشاهدات 110
نشر في العدد 890
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
في البدء كان العالم العربي مستليًا تجاه هموم التحرير والانعتاق من ربقة الاستعمار، ومن الطبيعي أن يكون العداء مستفحلًا ضد الغرب وضد كل ما يمت إليه بصلة، فكانت أصابع الاتهام تمتد إلى الرأسمالية كنظام اقتصادي وإلى الديمقراطية والتعددية الحزبية كنهج سياسي إداري، في وقت عزت فيه البدائل أو أنها ما زالت صورًا غائمة لم تتضح معالمها بعد.. في ظل هذه الأجواء المناسبة لزرع وتفريخ الأفكار المناوئة للغرب تسللت الضلالات الماركسية لتشكل مشروعًا سياسيًّا واقتصاديًّا ينزع بالمثقفين العرب من عقلية الفكرة الغربية إلى دائرة رد الفعل والتلاحم مع الفكر المضاد، وتمثلت الماركسية كإطار تجييري للأقليات اليهودية والنصرانية وغير العرب المسلمين، لتجد خلاصها المجتمعي داخل أطروحاتها الأممية والنافية لمرتكزات المجتمع العربي المسلم في أصوله العقائدية والاجتماعية والسياسية.. وهذا ما يفسر حرص تلك الأقليات في ريادة العمل الماركسي والاستماتة في ترسيخ أسسه في البلاد العربية.
النشأة:
في مطلع العشرينات شهدت بعض دول الأطراف في المنظومة العربية ظاهرة تكوين الأحزاب الشيوعية ففي عام 1920 عقد الاجتماع التأسيسي للحزب الشيوعي اللبناني في بكفيا، وإذا تجاوزنا العلاقة المريبة التي ربطت الأحزاب الشيوعية باليهود، فإن الملاحظة الظاهرية تدلل على أن الأقليات القومية والدينية لعبت فيه الدور الأساسي، فالمؤسسون كانوا جميعًا من النصارى والأرمن واليهود، وقاد نضاله الابتدائي كل من أرتين مادويان وفرج الله الحلو ونقولا الشاوي وغيرهم، وفي ذات الفترة تكون الحزب الشيوعي السوري، ثم اندمج معه الحزب الشيوعي اللبناني، وقد قاد الحزب المدمج جاكوب تيبر، وهو يهودي فلسطيني، وما ينطبق على الحزب الشيوعي السوري اللبناني ينسحب تمامًا على نشأة الحزب الشيوعي العراقي والحلقات الماركسية في مصر والحزب الشيوعي السوداني الذي أطل بتنظيمه من تحت المعطف الروحي لليهودي المصري هنري كورييل في مطلع الأربعينات، وهنري كورييل يجسد الرعاية الأبوية والروحية لكل التشكيلات الماركسية التي نشأت في مصر والسودان، وباستثناء الحزب الشيوعي السوداني -الذي سحقه الرئيس المخلوع جعفر النميري عقب محاولته الانقلابية الفاشلة في 19 يوليو 1971- ليس هناك حزب شيوعي عربي التزم في تشكيلاته القاعدية والقيادية بنظرية حاكمية البروليتاريا، كما أن الحزب الشيوعي السوداني كان متفردًا عما سواه من الأحزاب الشيوعية العربية في تكوينه؛ حيث إنه خلي من الأقليات القومية والدينية، ولعل هذه الخاصية الأخيرة هي التي أكسبته فيما بعد القدرة -نسبيًّا- على توجيه الخطاب الماركسي في أطر قومية قريبة المفردات إلى قوميته وبيئته الثقافية.. ومن البدهي أن تثمر النشأة غير السوية بنتائج أعقم حضورًا ووارثت تلك النشأة الوضع الهامشي الذي كانت تحتله الأقليات القومية والدينية في المجتمع العربي.
وجاءت الاشتراكية:
على الرغم من أن الاشتراكية العلمية تعد الجذر القاعدي في النظرية الماركسية إلا أن المشروع الاشتراكي في البلدان العربية ظل باستمرار خارج الأطروحة الماركسية، فالاشتراكية أدخلت إلى دائرة الخيارات السياسية من خلال حركة القوميين العرب والتي رأت فيها مرتكزًا مرجعيًّا لمشروعها الاقتصادي والسياسي، هذا في الوقت الذي تناقضت الماركسية والتنظيمات الشيوعية في العالم العربي تناقضًا جذريًّا مع كل بنود الأطروحة القومية التي روجت في الأساس للاشتراكية. وكانت القضية في حسابات الأحزاب الشيوعية محسومة بالنصوص القطعية التي شملتها صفحات كتابهم المقدس «الماركسية والمسألة القومية» لستالين حين قال ما معناه: «لا تعتبر الأمة كيانًا وحدويًّا ما لم يتوفر شرط السوق القومية في مقوماتها»، ومن هنا نشأت عقد الخلاف المبدئي بين القوميين والأحزاب الشيوعية وفي الحالات النادرة التي تحالفت فيها القوى القومية مع التيارات الماركسية كانت غالبًا ما تنتهي لانسحاق الفكرة الماركسية بصفة شبه كاملة لحساب التيار القومي كما هو الحال في سوريا؛ إذ انضم الحزب الشيوعي «خالد بكداش» إلى حزب البعث الحاكم ضمن إطار الجبهة الوطنية التقدمية.. غير أن تجربة الاشتراكية وانحسارها في الوطن العربي كانت منفصلة تمامًا عن التيارات الماركسية إن لم تكن في حالة عداء مستحكم معها.
فقد شهدت كل من مصر الناصرية والجزائر بومدين والسودان نميري والعراق وسوريا البعث وليبيا فترات ازدهار للاشتراكية والتي كانت في بعض الأحيان يطلق عليها الاشتراكية العربية، إلا أن هذه التجارب ضعفت تمامًا في الوطن العربي وفي أواسط السبعينات، لم تبق في اشتراكية مصر وتونس والسودان وليبيا إلا بقايا القطاع العام وتحولت أجهزة الدولة عن فكرة التوجيه المركزي للاقتصاد والحاكمية المطلقة للتنظيم السياسي الواحد. وبالرغم من أن سوريا والعراق ومصر الناصرية وليبيا كانت دولًا اشتراكية إلا أن الأحزاب الماركسية لم تتوافق مع أنظمتها الحاكمة.. ولم تستطع التيارات الماركسية من خلق أجواء داعمة لوجودها، بل على العكس من ذلك فقد تعرض الحزب الشيوعي في كل من مصر والسودان وليبيا والعراق وسوريا «جزئيًّا» إلى التصفية، وكان وراء ذلك المواقف غير القومية التي التزمت بها التيارات الشيوعية في كثير من قضايا العروبة، دلالة ذلك تبرهن أن فن الممكن الماركسي كان أضيق من أن يستوعب قضايا البيئة الثقافية ومشاريع التطلع القومي، وبالتالي إحداث القناعة لإنسان العالم العربي بأن الماركسية تحمل بعض تطلعاته في التنمية والتقدم.. ولذا سقطت تجربة تحالف الماركسية مع فرصتها الوحيدة المتمثلة في الفكرة الاشتراكية.
رجعية الماركسية:
من أبسط الأخطاء التي حالت دون تقدم الخطاب الماركسي في المجتمع العربي هو خطأ البسط العقائدي للنظرية الماركسية، فالأحزاب الشيوعية العربية لم تعتمد على نفسها في تقديم مشروعها الماركسي وإنما كانت عالة في ترجمة الفكر الماركسي على المثقفين العرب والأكاديميين، وأكثر من ذلك كانت هذه الترجمات تطرح بذاتها أو بقواعدها الأساسية على المجتمع العربي المسلم سعيًا لإقناعه بمحتوياتها المناقضة لعقيدة الإسلام وما تفرضه من تفسير كوني للحياة.. والأحزاب الشيوعية في ذلك تنزع نزوع من لم يدرك أرض المعركة، ومع ذلك يطلق لقواته حرية التنقل والترحال، ويضاف إلى ذلك أن السعي في تعريب وأسلمة الماركسية كان سعيًا منعدمًا فقد تمسكت الأحزاب الشيوعية بالنصوص الماركسية في تفسيراتها اللينينية الستالينية دونما أدنى نظر أو فكر، وتعلقت عاطفيًّا بالحزب الشيوعي في موسكو باعتباره مركز الانطلاق الأممي، وهو تمسك سلفي التوجه حتى بالنسبة للماركسية وحزبها الحاكم في البلد المؤسس، فقد ظهرت في موسكو عدة تطورات بعد مجيء خورتشوف إلى السلطة، كما أن البيروتسوريكا التي دعا إليها مؤخرًا غورباتشوف تعد تطورًا نوعيًّا لم تشهده موسكو من قبل. هذا بغض النظر عن التطورات التي أحدثتها الأحزاب الشيوعية في كل من الصين ماو والأحزاب الشيوعية الأوربية التي تخلت تمامًا عن الحتمية الدموية في الصراع الطبقي وتخلت عن دكتاتورية البروليتاريا وآمنت بالشيوعية الأوربية طبعة القرن العشرين الأكثر تقدمية والأقرب لمفردات الثقافة الغربية في تمسكها بالصراع السلمي والتعدد الحزبي. وبعد كل تلك التجارب لم تكلف الأحزاب الشيوعية العربية خاطرها بأن تحاول أسلمة وتعريب مشروعها الاقتصادي السياسي؛ مما أسلمهما للعجز والجمود والرجعية والتفسير الاسترجاعي للحياة.
الانحلال:
في أواخر الستينات بدأت الماركسية تفقد بريقها اللامع بعد أن تكشفت سوءتها بصورة عجز قادتها «الهواة» عن سترها بإضفاء «المكياج» اللازم، فبالإضافة إلى افتقاد الماركسية وأحزابها الشيوعية للحركية الفكرية والنضالية فقد عجزت الأحزاب الشيوعية عن استيعاب القضايا المهمة في الواقع العربي.. فالذهنية العربية كانت وما زالت تشغلها إشكالات التأصيل العقائدي والفكري والعلاقة اللازمة بين التكليف العربي والوحدة القومية وتطلع الجماهير إلى استئناف الرسالة الإسلامية للأمة العربية المسلمة باعتبار أن الله كتب لها رفعة الذكر وجعل الإسلام فيها الأستاذية على العالمين: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143) والأحزاب الشيوعية تغاضت عن التطلع القومي في التوحد.
كما أنها تغاضت عن قضية احتلال فلسطين أو قل: إنها آمنت بوجود الكيان الصهيوني كأمر واقع. واتباعًا لأول الأمر في موسكو فالماركسية لم تبرق في ذهن المسلم العربي يومًا باعتبار أنها تملك الحل لما يعانيه من هموم.. كما أنها ظلت قاصرة في مخاطبتها للعقل المسلم قاصرة عن الإحاطة بقضاياه واهتماماته، ويرجع هذا إلى أن الماركسيين العرب لم يكونوا سوى نقلة، ونقلة حرفيين ومقلدين لم يستوعبوا قضايا وحقائق مجتمعهم، فانحلت الأحزاب الشيوعية في مصر ولم يبق فيها بعد السبعينات إلا قلة وبعض العواجيز الذين ما زالت أحلامهم العاطفية تصور لهم أن «بابا ستالين سوف يأتي، وإن تأخر إلا أنه سوف يأتي». وانقرضت الحركة الشيوعية في السودان بعد أن شهد أكبر حزب شيوعي في العالم العربي وهلك قادته في محرقة أفكار الصبية التي دفعت بهم للسباحة عكس التيار، والبقية القابعة اليوم منهم لا تملك سوى اجترار الذكريات والتخبط في المواقف، وانحسر الحزب الشيوعي السوري وانقسم على نفسه وعلى غيره، واختفى الحزب الشيوعي العراقي عندما اعتمد التناقض القومي وركب دراجة الأكراد القومية وقاد «دواليبها» المهترئة الرجعية ليصل لهاوية العرقية الضيقة ويتناقض مع الأكثرية الغالبة في عراق العرب- وانسحقت الأحزاب الشيوعية في المغرب العربي.
المستقبل:
لقد كان انحسار الأحزاب الشيوعية العربية دليل إفلاس للنظرية الماركسية وأطروحات أحزابها؛ فالماركسية فكرة ضلت طريقها يوم أن حاولت أن تحتفظ بموضع قدم في العالم العربي، فالنظرية لا تملك أن تقدم قدرًا مقنعًا من أسباب البقاء بعد أن افتقدت رصيدها الجدلي في تفسير الواقع العربي وفقًا لمبررات المنطق الموضوعي، ولولا العناصر اليسارية المتجيرة في أجهزة الإعلام العربي لما كان العالم العربي يسمع أو يحس بالحركة الماركسية، وإن كان الواقع القائم للحركة الشيوعية قد تقزم إلى هذا الكم فإن المستقبل بالحتم العلمي لن يشكل مساحة أكبر من واقعه، بل سيشهد مزيدًا من الانحسار في رقعته الحضورية.. واستقراء الواقع يدل على أن الحركة النقابية قد انعتقت عن الوهم الشيوعي ولم تعد تردد في تقليدية ببغاوية لشعارات وحدة الطبقة أو: يا عمال العالم اتحدوا، وعلى الدرب ذاته سارت الحركة الطلابية، وآخر الأنباء فوز الاتجاه الإسلامي في الجامعات على امتداد الوطن العربي. ولعل انتخابات جامعة الكويت وجامعة الخرطوم قد أفقدت اليسار بعدها كل أمل له في أن يحوز على مجرد الوجود الفاعل، ناهيك عن التطلع في إثبات الذات داخل الاتحاد الطلابي.. وأما في الجانب السياسي فإن الأحزاب الشيوعية لا تملك أكثر من أطروحاتها التقليدية وهي شديدة التخلف في التعامل مع أحداث المنطقة لدرجة أن الحزب الشيوعي السوداني أدان حركة المتمرد جون قرنق في جنوب السودان بعد 4 سنوات من إدانة كل الفعاليات السودانية لها، والغريب أن إدانة الحزب الشيوعي جاءت عقب إدانة الولايات المتحدة لحركة التمرد، فهل هي مجرد صدفة؟!... الله أعلم.
والأحزاب الشيوعية العربية شديدة الحساسية تجاه قيادتها؛ فمنذ 30 سنة وخالد بكداش يقود الحزب الشيوعي ومثله في ذلك القيادات التقليدية في جميع الأحزاب الشيوعية، كما أن هذه الأحزاب بالرغم من ادعائها بالتمسك بالنقد الذاتي إلا أنها في ذلك أكثر تخلفًا من الأحزاب اليمينية في الوطن العربي، وصراع الأشقاء الأعداء في عدن دليل حي على عدم الديمقراطية بعد سيادة البندقية، وبناء عليه فإن الماركسية العربية لا تملك دواعي البقاء لا سيما وأن الصحوة الإسلامية والتأصيل الذاتي للعقل المسلم العربي قد تقدم نحو أهدافه في رسوخ وعلمية دقيقة نحو أسلمة كثيرة من نظم الاقتصاد وتطوير الوعي الإسلامي وانتشار التنويرية التنموية في خطوطها الإسلامية، وهنا تجد الماركسية أنها دعوة متخلفة علميًّا وموضوعيًّا فلا تملك إلا الانزواء في زوايا مظلمة أو العودة إلى أضابيرها اليهودية الهالكة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل