; عن التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية (٢من٢) التحدي «الصهيوني» وتحالفاته | مجلة المجتمع

العنوان عن التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية (٢من٢) التحدي «الصهيوني» وتحالفاته

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر السبت 25-سبتمبر-2010

مشاهدات 88

نشر في العدد 1920

نشر في الصفحة 66

السبت 25-سبتمبر-2010

من التحديات الداخلية التي تواجه الحركة الإسلامية ضحالة الرؤيا الإستراتيجية العلمية في تحليل الأحداث والصراعات، بما يفسح مجالًا واسعًا لدى بعض الأوساط للتفسير التآمري للأحداث؛ فالعلماني أو الأمريكي أو اليهودي.. دائمًا متآمر ووراء ما يحدث، حتى عندما تكون أسباب الحدث ظاهرة ولا علاقة لأحدهم بها، بما يضعف أو يعدم من النظر العلمي الموضوعي ومن وظيفة العقل في النقد والتمحيص ودور السنن، ويجعل الفاعل المسلم دائما ضحية الغير، هذا إذا لم يكن الأمر أفدح بما يفسح أمام الرؤى من مجال لتفسير ما يحدث وفي التخطيط للتعامل معه.

وعلى صعيد التحديات السياسية الإستراتيجية، يمكن اعتبار التحدي «الإسرائيلي» وتحالفاته أخطرها على المشروع الإسلامي وعلى مصير الأمة جملة، فكل محاولة لتسويغ التعايش معه بدل مقاومته حتى إنهائه وتخليص الجسم الإسلامي من سمومه هو التهلكة بعينها، باعتبارها تعايشا مع كيان شرعية وجوده قامت ولا تزال على تفسيخ كيان الأمة، فهو عمى إستراتيجي وخطيئة شرعية كبرى.

بينما مقاومة هذا العدو الإستراتيجي المهدد لكيان الأمة بالتفسخ تمثل وظيفة أساسية من وظائف إحيائها على نحو أنه لو لم يكن هذا التحدي قائمًا لوجب استحداثه من أجل أداء تلك الوظيفة بما يستفز قواها ويوحد صفها على اختلاف توجهاتها.

ويبقى التحدي الخلقي الروحي المتصل بجوهر الكيان الإنساني، والمقوم الأساسي لشخصية المسلم وعليه مدار سعادته في العاجل والأجل، فعلى قدر تحقق المسلم بقيمة التقوى، بمعنى الحضور الإلهي الحي الفاعل في فكره وشعوره وسلوكه وعلاقاته يكون حظه من الإسلام وتكون منزلته عند الله سبحانه ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ التي نُورثُ منْ عِبَادِنَا مَن كانَ تَقيَّا (مريم:63).

وأخيرًا، وبالتبعة لكل ما تقدم من تحديات؛ يمكن اعتبار الشورى من أهم التحديات التي تواجه الجماعات الإسلامية والأمة الإسلامية عامة، هذا التحدي الذي كان أول الفشل والخلل في حياتها، ومنه دخل الوهن والتفتت والضعف كل جوانب حياتها، فكانت «صفين» البداية؛ حيث كان الحسم فيها للخلاف حول السلطة للسيف وليس للسياسة وشورى المسلمين، مذ ذاك وحتى يومنا هذا لم تنجح أمتنا في إدارة اختلافها راشديًا، أي من طريق الشورى والسياسة وليس عن طريق القوة والغلبة، حتى أفضت خشية الفقهاء من تبدد كيان الأمة جراء ما تفجر فيها من فتن بسبب غلبة منطق القوة على منطق السياسة وتعطل قيمة الشورى، إلى الإقرار بالتغلب أساسًا لشرعية الحكم كما سجلته المقالة الشنيعة المأثورة على الفقهاء: «من ظهرت شوكته وجبت طاعته»، وهو ما ظل يعمل ضعفًا في الاجتماع الإسلامي، فساد التقليد في الفقه والجبر في الاعتقاد، والصوفية الأساس لسلطة الشيخ في التربية وكان الاستبداد في الحكم تاج كل ذلك ومغذي استمراريته، بينما أمكن لأهل الجهة الأخرى الغربية أن يعالجوا فكريًا وسياسيًا أنظمة الإطلاق عندهم، بما نقل شرعية الحكم إلى شعوبهم عبر آليات متفق عليها تنص عليها دساتير ديمقراطية، ظل المسلمون متجهمين لها إلى حين، بحكم مصدرها الأجنبي، غافلين على شوراهم التي ظلت كسيحة بلا رجلين تمشي عليهما؛ بما أفرغ معناها حتى حصرت في موعظة يلقيها شيخ جريء على سلطان غشوم حبّذوها في السر، وكان حرياً بهم إلى اعتبار الديمقراطية حكمة نحن أولى بها ما دام ليس في آلياتها ما يصادم تعاليم ديننا بل ينقلها من النظر إلى التطبيق.

ومع ما حصل من تطور عام في الفكر السياسي للتيار العريض؛ تيار الوسطية الإسلامية في اتجاه القبول بالنموذج الديمقراطي باعتباره بضاعتنا التي ردت إلينا، والدواء الناجع القاطع لدابر علة المسلمين الكبرى «الاستبداد»؛ فلا تزال قيم الشورى الديمقراطية في الوسط الإسلامي لم تترسخ بالقدر الكافي في الثقافة الإسلامية نظراً وممارسة، وهو ما يفسر تعسّر الإدارة الحضارية لما ينجم من اختلافات هي من طبيعة البشر، سواء على صعيد الدول الإسلامية أو على صعيد الجماعات الإسلامية بسبب عدم التمييز الدقيق بين ثوابت الدين التي لا يجوز الاختلاف حولها وهي محدودة وواضحة وبين مواطن الاجتهاد والسياسة مما يجوز حوله الاختلاف، الخلط بين المجالين كثيرا ما كان مبررًا وسندًا؛ إما للتحجر والضيق بالخلاف ومصادرة الرأي، أو دافعًا إلى التمزق والانشقاق، وما حصل في التجربة السودانية والأفغانية والإيرانية والصومالية والجزائرية والمصرية وغيرها من تمزق للصفوف لدرجة تصارع الإخوة، هو نتيجة من نتائج الفشل في مواجهة تحدي الاختلاف الذي ابتلانا الله سبحانه به ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكم لبعض فتنةً أتَصْبِرُونَ﴾ (الفرقان:۲۰)، وأمرنا أن نصبر على إدارته شوريًا ﴿وأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ۳۸) .

الرابط المختصر :