; كوسوفا: وتتوالى فصول المأساة | مجلة المجتمع

العنوان كوسوفا: وتتوالى فصول المأساة

الكاتب أيمن علي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 87

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 27-أبريل-1999

فصول جديدة ومتجددة تشهدها مأساة مسلمي إقليم كوسوفا كل يوم، فقد تواصل نزيف اللجوء والتشرد إلى ألبانيا.. في منطقة شاف مورينا، حيث وصل أكثر من ثلاثين ألفًا.. وإلى مقدونيا في نقطة «بلانزا» حيث وصل نحو عشرة آلاف... فيما تتحدث أنباء عن تواجد نحو خمسين ألفًا في انتظار الخروج. 

القاسم المشترك بين هؤلاء جميعًا هو حالة الإعياء الشديدة والروايات المشتركة عن معسكرات الاغتصاب والمقابر الجماعية وعن التمثيل بالجثث.. فضلًا عن الوفيات بالعشرات للأطفال وكبار السن من عناء الرحلة.

شهود عيان تحدثوا عن مناظر مروعة.. عن السيارة التي انفجر فيها لغم صربي قرب الحدود وخلّف الدماء والأشلاء، وفيما أعلنت المنظمات الدولية أن الوضع الإنساني في شمال ألبانيا مقبل على كارثة مروعة حيث لا يتوافر الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية، فحتى الآن ما زال أكثر من ستين ألفًا في العراء.. مع سوء الأحوال الجوية وعدم توافر الطعام والفرش والغطاء والدواء، إلا أن هؤلاء اللاجئين يصرون على البقاء قريبًا من بلادهم ويراودهم حلم العودة مرة أخرى.

شهود عيان تحدثوا بصعوبة لـ«المجتمع» من قلب المأساة:

في مدينة كوكس «شمالي ألبانيا» وتحت الأمطار الغزيرة وعلى الأرض الموحلة تمالكت «بكورية» الكوسوفية ذات الخمسة والعشرين ربيعًا نفسها وهي تحكي مأساتها للمجتمع:

«قتل الصرب زوجي أمام عيني.. أطلقوا عليه نحو عشرين رصاصة.. انفجرت نوافير الدم من رأسه وباقي جسده- توقفت عن الكلمات لحظات أجهشت فيها بالبكاء- جمعت بعض قريباتي وبدأنا طريق الهجرة إلى ألبانيا... في طريق طويل استغرق أسبوعًا مشيًا على الأقدام.

قابلنا جنود الصرب في بدايتها واقتادوني مع فتاة ألبانية أخرى إلى مكان مهجور، حيث قامت الذئاب البشرية بتمزيق ثيابنا واغتصابنا عدة مرات، وقالوا لنا والزهو يملؤهم: الآن انتهى شرفكم.... فالصرب في أحشائكم.. والصرب من حولكم!!

صرختُ وصرخت زميلتي وقلنا.. كفي... كفي.. فلم يستجب أحد منهم واستمروا في تناوب اغتصابنا وفي النهاية تركوني واقتادوا الأخرى إلى مكان مجهول».

هذه رواية واحدة ممن تكلمن- وهن قليل- أما من صمتن لهول ما وقع لهن أو لمداراة «الفضيحة» فهن الأغلب الأعم... خصوصًا مع ما تواتر عن معسكرات جماعية للاغتصاب تقوم بها جماعة التشنيك والشرطة الصربية. 

أما «الفضيحة» الحقيقية فليست تلك التي تخافها المغتصبات وإنما هي فضيحة المجتمع الدولي بأسره والنظام العالمي الجديد... الذي أعطى ميلوسوفيتش الغطاء والمبرر لكل ما يقوم به.

- «سلامي» شاب من إحدى قرى كوسوفا.. وصل إلى المستشفى العسكري بتيرانا محترقة بعض أعضاء جسمه ومصابًا برصاص الصرب. حكى قصته وأربعة عشر شابًا ألبانيًا آخرين.. قامت القوات الصربية بإحراق جثثهم بعد أن قتلتهم.. روى قصته قائلًا:
 اقتحم الصرب قريتنا وأخرجوا خمسة عشر شابًا كنت أحدهم وصفونا صفًا واحدًا لتنفيذ إعدام جماعي فينا.. ومع أول طلقة انبطحت على الأرض كأنما قتلت.. كوموا الجثث جميعًا في كومة واحدة جعلتني أتنفس بصعوبة شديدة.

بعدها أحضروا عيدان الحطب الجافة ورموها فوق الجثث وسمعت أحدهم يقول: اسكبوا البنزين فوقهم ثم أشعلوا النيران في الجثث وهذا ما فعلوه تمامًا.

تحملت النار والدخان لحوالي دقيقة ونصف ثم أزحت زملائي الشهداء بصعوبة وبحذر شديد واستطعت الخروج بعد أن انصرفوا عنا... زحفت بحثًا عن الماء لأطفئ ما احترق من وجهي ويدي ثم انطلقت إلى البيت مرة أخرى كنت أدوس أثناءها على جثث كثيرة ممثل بها وحين دخلت على أهلي «أنكروني» فلم يعرفني أحد منهم بسبب التشويه الذي أصابني.. بقيت بالبيت أسبوعًا دون علاج بعدها هاجرنا إلى كوكس في ألبانيا ومنها إلى تيرانا للعلاج». وأثناء هجرته وقبل بلوغه حدود ألبانيا حكى عن مائتي رجل صفتهم القوات الصربية... وقبل أن يقتلوهم جميعًا قالوا لهم بسخرية: «الناتو جاء لحمايتكم فليأت الآن لإنقاذكم منا.. ليأت كلينتون للدفاع عنكم»، فهل جاء الناتو حقًا لحمايتهم؟!! بالقول نعم.. أما بالفعل.. اللهم لا!! 

أما على الجانب العسكري.. فقد توافد على ألبانيا مئات من كوسوفا- المقيمون بالخارج- للانضمام إلى جيش تحرير كوسوفا.. الذي أعلن في وسائل الإعلام الألبانية حالة من الاستنفار العام وإلزام الشباب من سن ١٨ سنة إلى ٥٠ بالالتحاق بمعسكرات تدريبية في المناطق الحدودية داخل ألبانيا.

 وكانت تلك المعسكرات قد تعرضت طوال الأسبوع الماضي للقصف من المدفعية الصربية الثقيلة.. إلا أن الحكومة الألبانية التزمت الصمت ولم ترد على انتهاكات سيادتها من قبل القوات الصربية.

وقد تواترت أنباء عن نجاح جيش تحرير كوسوفا في الاستيلاء على بعض المناطق التي كان الصرب قد سيطروا عليها مثل مدينة بيا.. حيث رفعوا العلم الألباني عليها.. كما شدد جيش التحرير قبضته على منطقة بوداييفو شمال إقليم كوسوفا.

أما في مقدونيا فقد بدت الحكومة المقدونية متحفزة ضد جيش تحرير كوسوفا ومحذرة من استخدام أراضيها كقاعدة لتحركه، حيث أعلنت عن ضبط مخزن للسلاح والذخيرة قرب حدود مقدونيا مع كوسوفا.. وهددت بعمل منطقة عازلة على الحدود بعرض عشرة كيلو مترات لمنع جيش التحرير من الإعداد لأي عمل مسلح من أراضيها.

ويتخوف كثير من ألبان كوسوفا من غدر الحكومة المقدونية بهم أو تضييقها عليهم.. وهو ما يهدد في وقت لاحق بانفجار أزمة إنسانية جديدة حين يضطر جميع اللاجئين في مقدونيا إلى النزوح مرة أخرى إلى ألبانيا المجاورة.

تخضع قضية البلقان لمتغيرات كثيرة.. وفق المصالح الدولية وتوازن القوى العالمية أو الإقليمية.. قد تشير إلى استمرار الضربات أو تطورها إلى حرب برية أو توقفها.. أو.. أو..

أما الثابت الوحيد.. والحقيقة الواقعة على الأرض فهي أن إقليمًا- ذا أغلبية مسلمة- له مقومات الدولة واسمه «كوسوفا» يوشك أن يمحى تمامًا من خريطة العالم وسيبكيه العالم «الحر» فترة ثم ينساه... وهذا قدر المسلمين.

الرابط المختصر :