; حربُ الناقلات- من القصف الجوي إلى الألغام من الفاعل؟ ولماذا...؟ | مجلة المجتمع

العنوان حربُ الناقلات- من القصف الجوي إلى الألغام من الفاعل؟ ولماذا...؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984

مشاهدات 90

نشر في العدد 681

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-أغسطس-1984

* همس الروس لأصدقائهم بأن الولايات المتحدة وراء العملية وهمس الأمريكان لأصدقائهم بأن الروس وراء العملية.

* الدول الكبرى تتنافس على السيطرة على المنطقة والتنسيق بينها قائم.

* تدمير المنطقة هدف مشترك «للكبار» والمخفي أعظم.

كلما ران في الأفق ما يوحي بقرب انتهاء حرب الخليج تحركت الأطراف ذات المصلحة في استمرارها فأججتها مرة أخرى. وكان الأسلوب الأول هو تزويد هذا الطرف أو ذاك من أطراف الحرب بقدر معين من السلاح يكفي لخوض معركة مواجهة شرسة على الأرض يذهب ضحيتها الآلاف من كلا الطرفين المتحاربين ثم تنتهي المعركة بالتقدم أو التراجع بضعة كيلومترات دون حسم نهائي لصالح أي من الطرفين.

ولما بدأ الكلل يدب في أوصال المتحاربين تحركت الأطراف ذات المصلحة في استمرار هذه الحرب لإشعال الحرب من جديد وبأسلوب جديد فكانت حرب القذائف الصاروخية والمدفعية الثقيلة تنصب على المدنيين في المدن حممًا لاهبة مدمرة.

وحين توقف هذا النوع من الحرب أو كاد بدأت حرب الناقلات البحرية عن طريق القصف الجوي وامتد هذا القصف ليشمل ناقلات لا علاقة لها بهذه الحرب ولكنها تقع ضمن دائرتها الخليجية.

وتوقف القصف الجوي على الناقلات البحرية في الخليج لتظهر بعد ذلك حرب جديدة ضد الناقلات التجارية البحرية المارة من باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس بعيدًا عن منطقة الخليج وباستخدام الألغام البحرية هذه المرة أو هكذا قيل...!!

وحين بدأت الانفجارات في الناقلات الثلاث الأولى في قناة السويس أواخر شهر يوليو الماضي نفت مصر أن تكون الألغام البحرية هي سبب هذه الانفجارات ولعلها سارعت إلى هذا النفي لتبعد الخوف عن السفن الأخرى التي كانت متجهة إلى القناة ولم تكن تتصور مصر أن انفجار الألغام سيتوالى بمعدل سفينة كل يوم تقريبًا، وأنها ستضطر إلى طلب العون من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لإزالة هذه الألغام.

وكانت الولايات المتحدة ذات النفوذ البارز في منطقة الشرق الأوسط والتي تريد لهذا النفوذ أن يترسخ ولا يتزعزع قد أعلنت منذ الانفجارات الأولى أنها جهزت عددًا من كاسحات الألغام وطائرات الهليكوبتر الخاصة باكتشاف الألغام وتعطيلها في قاعدة تسمى «نورفولك» وهي في انتظار طلب رسمي من مصر، والطلب الرسمي من مصر لم يتأخر كثيرًا.

وسرعان ما توجهت كاسحات الألغام الأمريكية والفرنسية والبريطانية لتقوم بعمل مشترك لإزالة هذه الألغام التي أصابت حتى كتابة هذا المقال 17 باخرة تجارية لم تكن من بينها فيما نعلم باخرة واحدة تابعة لدولة كبرى.

وتشير أصابع الاتهام منذ البداية إلى إيران ثم إلى ليبيا. ويعلن المسئولون المصريون أنهم سيمنعون السفن التابعة لأي دولة تثبت علاقتها بهذه الألغام من المرور في قناة السويس.

ومع المسح المبدئي لقناة السويس لم يعثر حتى الآن على لغم واحد رغم الخبراء من جنسيات مختلفة الذين توفدوا إلى المنطقة. وكان اتهام إيران المتسرع قد صدر عن الولايات المتحدة ولم يلبث المحللون الغربيون أن حذوا حذو الولايات المتحدة في اتهام إيران التي أزعجها قصف الطائرات العراقية للناقلات المتوجة إلى جزيرة خرج فأرادت بذلك أن تنتقم من أولئك الذين يساعدون العراق دون أن تتضرر هي بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي هددت بإغلاقه أكثر من مرة، على أمل أن يجبر تصرفها هذا المتضررين على الضغط على العراق لإيقاف قصف الناقلات المتجهة إليها.

أما الإسرائيليون فقد وجهوا اتهامهم إلى ليبيا بالإضافة إلى إيران وذلك من أجل الضغط على مصر، ولكن كلًا من ليبيا وإيران أنكرتا أن يكون لهما علاقة بهذه الألغام.

وبالطبع لم تعلن أية دولة من الدول مسئوليتها عن ذلك ولكن «منظمة الجهاد الإسلامي» التي سبق أن أعلنت مسئوليتها عن تدمير مقر قيادة القوات الأمريكية «المارينز» ومقر قيادة القوات الفرنسية في بيروت في 23 أكتوبر 1983. منظمة الجهاد الإسلامي هذه أعلنت مسئوليتها عن زرع هذه الألغام التي قالت إن عددها 190 لغمًا.

وتتضارب الأنباء حول حقيقة منظمة الجهاد الإسلامي هذه، فمن قائل إنها تابعة لإيران التي تزودها بالمال والسلاح، ومن قائل إنها منظمة إسلامية مستقلة وإنها تضم في صفوفها مسلمين من مذاهب مختلفة وإنها تتغلغل في طول البلاد العربية وعرضها بل حيثما وجد مسلمون وإنها تتمول ذاتيًا ويناصرها عدد من أثرياء المسلمين.

وأغرب ما في الأمر أن تقول رواية أمريكية إن هذه المنظمة لا وجود لها وإنها من اختراع المخابرات السوفيتية، وقد نشأت هذه الرواية على أثر توجيه قذيفة صاروخية إلى أحد مكاتب الحكومة السوفيتية في بيروت في الشهر الماضي والتنديد الذي صدر عن السوفيت ضد هذه المنظمة بالاسم اعتبر تغطية لحقيقتها وإشهارًا لها في نفس الوقت.

ومع أن هذه الرواية لا يمكن تصديقها فإننا نتساءل: إذا كان الروس وراء هذه الألغام فما هي أهدافهم؟ تقول المصادر الأمريكية إن الروس يستهدفون الوجود الأمريكي في المنطقة وإغلاقها في وجه الغرب وأنهم قد أنشأوا لهذا الغرض شبكة إرهابية يديرها ضباط كبار من جهاز المخابرات السوفيتي «ك. جي. بي» وأن العاملين في هذه الشبكة هم من أبناء المنطقة. 

ومثلما سربت الولايات المتحدة هذه «المعلومات» إلى أصدقائها في المنطقة فإن الاتحاد السوفيتي سرب معلومات مضادة إلى «أصدقائه» في المنطقة بأن الإسرائيليين بالتعاون مع الأمريكيين هم الذين زرعوا هذه الألغام وأنها تمهيد لعمل إسرائيلي أمريكي مشترك، وأن الجنرال «موشى ليفي» رئيس الأركان الإسرائيلي شارك منذ أسابيع في مناورات أمريكية بمنطقة تشبه من حيث التضاريس منطقة الخليج.

وحين يحاول «الكبار» أن يلقوا بالتهم بعضهم على بعض وأن يهمسوا في آذان «الأصدقاء» الصغار بهذه التهم فمعنى ذلك أن هنالك أطماعًا لهؤلاء «الكبار» للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وأن هنالك من يستمع إليهم ومن يصدقهم بأنهم حريصون على أمن المنطقة واستقرارها وبالتالي فلا غنى عنهم إذا أرادت المنطقة أن تعيش في هدوء!

ومثل هؤلاء «الكبار» كمثل من يقتل القتيل ثم يتباكى عليه ويمشي في جنازته ويلعن قاتله ويوزع الاتهامات ويحرض على القتل ويعرض المساعدات للانتقام حتى إذا ما تم الانتقام ينتقل للطرف الآخر يتباكى ويولول ويعرض الخدمات..!

ولا شك أن «الكبار» ينسقون فيما بينهم لتوزيع الأسلاب، ومن لا يستسيغ مثل هذا الكلام من عملاء الشرق أو الغرب –ونحن في عرفنا سيان- فليرجع إلى التاريخ القريب والبعيد لعله يصحو ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. (القصص: ٥٦)

إن حرب الخليج من بدايتها كانت نبتًا شيطانيًا استعماريًا استهلكت من الأرواح والموارد ما لم تستهلكه حرب بين دولتين صغيرتين منذ أن عرفت الحروب. وحرب الناقلات سواء بالقصف الجوي أو بالألغام هي امتداد لهذه الحرب ومن له مصلحة  في تفجيرها فهو صاحب المصلحة المشمولة بالحرب قد أخذ ينهار فإن اقتصاد الدول الكبرى التي تزود هذه الحرب بإمكانيات البقاء هو الذي أخذ ينتعش والسوق هو الفيصل في هذا الأمر. تسأل عن سعر سلعة معينة فتندهش لارتفاع سعرها وعندما تسأل عن السبب يقال إن شركات التأمين البحري قد رفعت قيمة التأمين بسبب المخارط التي تتعرض لها السفن وبالتالي ارتفعت أسعار السلع التي يدفع قيمتها المستهلك من البلدان المشمولة بالحرب لتصب في جيوب تجار الحروب.

وما المعونات التي تقدمها الدول الكبرى لإزالة الألغام ومن قبلها لحماية الأجواء إلا بعض النتائج التي كانوا يسعون إليها من إشعال هذه الحرب واستمرارها.

إن الألغام تنفجر هنا وهناك في البحر الأحمر ولا تستطيع الدول الكبرى مجتمعة بإمكانياتها الهائلة والمتطورة العثور على لغم واحد منها. كما أن هذه الألغام لا تصيب باخرة واحدة من بواخر هذه الدول، فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن هذه الدول لا يمكن أن تكون بعيدة عن الاتهام حتى ولو كان المنفذون من الصغار.

وليس في إمكان منظمة صغيرة أن تقوم بعمل كهذا حتى وإن قيل إن عدد أفرادها ألفان أو أربعة آلاف وإنهم مدربون جيدًا و«انتحاريون».

إذا كانت هذه الألغام تنتشر على شكل شبكة واسعة ضمن دائرة مائية محددة وأنها تتفجر لا سلكيا ففي الإمكان العثور على الذبذبة اللا سلكية أثناء التفجير، وإذا كانت تتفجر بالارتطام ففي الإمكان اكتشافها قبل الارتطام بها، وإذا كانت منظمة الجهاد الإسلامي تستهدف ضرب مصالح الدول الكبرى في المنطقة فهل في غرس هذه الألغام ضرب لهذه المصالح؟ إن ضرب مقر «المارينز» أو مقر القيادة الفرنسية في بيروت أو مقر القيادة الإسرائيلية في صور أمر مفهوم ولا نستبعد أن تقوم به منظمة الجهاد الإسلامي أو غيرها من المنظمات.

أما تفجير الألغام في البحر الأحمر وقناة السويس فلا شك أنه امتداد لحرب الخليج، ومن له علاقة بهذه الحرب أو استمرارها أو حتى إن كان يرغب في إنهائها فلا بد أن يقع تحت طائلة المساءلة.

ولقد قلنا مرارًا إن المنطقة كلها مستهدفة بالتآمر، وما لم يتدارك العرب والمسلمون أنفسهم فيتصالحوا مع الله قبل أن يتصالحوا مع أنفسهم فسوف تستمر عملية التردي وسوف تظل الدول الكبرى وصنيعتها دولة العدوان اليهودي في فلسطين تنهش في جسد هذه الأمة بعد أن فصلته عن روحه الإسلامية، ولن يقف هذا الجسد على قدميه مرة أخرى ويطرد عنه الأذى والعدوان إلا بعودة روحه الإسلامية إليه ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: 48).

الرابط المختصر :