العنوان الحركة الطلابية ودورها في بناء المجتمع
الكاتب مصطفى الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
اضطلعت الشرائح الشبابية الطلابية بأدوار قيادية رائدة في حركات التغيير والنهضة في كل المجتمعات والشعوب، كما لعبت دورًا رئيسيًّا في المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية لكل الأمم، وفي العالم الإسلامي كان الطلبة النواة الفعالة للحركات الإسلامية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وخرجت اتحاداتهم قادة متميزين تركوا بصمات واضحة على تاريخ ومسيرة بلدانهم.
وإدراكًا من مجلة المجتمع لأهمية هذا الدور وتقييمه وتنميته وتفعيله تفتح هذا الملف..
تعتبر الحركة الطلابية من أهم الركائز التي يقوم عليها المجتمع.. ينطبق هذا على الغرب كما ينطبق على الشرق.. وعلى العالم الغربي كما في العالم الإسلامي.
ولقد أدرك المستعمرون هذه الحقيقة فغيروا استراتيجياتهم التي كانت تقوم على المدافع والطائرات، فإذا بهم يستبدلونها بالتبشير والكتاب والجامعة، وإذا كانت الوسيلة الأولى تكلف المستعمرين أموالًا ودماء، فإن الوسيلة الثانية لا تكلفهم أكثر من الدهاء في التعامل والعناء في التكلف، وفريق من الكتاب يحسنون ويزينون أهداف وأفكار المستعمر، والتسلل عن طريق التربية والتعليم لإعادة تشكيل العقل المسلم الغض عند الطلبة والطالبات.
استطاعوا من هذا الطريق أن ينشئوا في بلادنا جيلًا أطلقوا عليه «جيل النهضة»، لهم من الإسلام الاسم، ومن العروبة اللغة، ولهم من التفرنج الفكر والهدف والوسيلة، ولقد حرصت الدول الأوربية أن تفتتح لها جامعات ومدارس في معظم بلاد المسلمين، وما زالت هذه المدارس والجامعات مطابخ لإعداد السياسات الغربية؛ ففي جامعة «روبرت كولبيج» الأمريكية في إسطنبول كانت تطبخ المؤامرة على الدولة العثمانية، ومن الجامعات الأمريكية في بيروت والقاهرة وأنقرة كانت تدار السياسات الأمريكية في المنطقة.
أما الجامعات الوطنية في معظم الأقطار الإسلامية، فقد قامت على أيدي أساتذة غربيين خططوا لكل شيء فيها: الكتب التي تدرس، والمناهج التي تطبق، والأفكار التي تنشر، والدين الذي يهمش، والسلوك الذي يبعد عن تعاليم الإسلام، وإذا بهذه الجامعات التي بناها الشعب بعرقه وماله، إذا بها محاضن لتربية جنود يحاربون الإسلام، وينشرون الفكر الغربي.
أمام هذا المد الفكري الخطير والمؤامرة التعليمية على تراث الأمة وأبنائها بدأت قوى الأمة المخلصة تستعد لإفشال المخطط الرهيب الذي يستهدف الأجيال والمستقبل، ولقد أدركت الحركات الإسلامية في العالم هذا الخلل وبدأت من يومها وبالوسائل القليلة المتواضعة التي تملكها في مكافحة هذا التيار؛ فحركة الإخوان المسلمين -التي نشأت في أواخر العشرينيات من هذا القرن- اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالحركة الطلابية، وما زالت الكتب التي أرخت لهذه الفترة تذكر المؤسس حسن البنا -رحمه الله- وأسماء الطلبة الذين اتصل بهم من أمثال: حسن السيد عثمان من كلية الحقوق، ومحمد عبد الحميد أحمد من كلية الآداب، وإبراهيم أبو النجا من كلية الطب، وجمال العاصي من كلية العلوم، وطاهر عبد المحسن من كلية التجارة، ومحمود عبد الحليم من كلية الزراعة، وحدد الأستاذ الإمام لهذا التجمع الطلابي المبكر أهدافًا أساسية مثل:
- نشر الدعوة داخل الجامعات.
- مقاومة الأخطار المنحرفة التي يبشر بها الكتاب المترجم، والأستاذ المستورد.
- توعية الطلبة بقضايا الأمة مثل قضية فلسطين وتحرر العالم الإسلامي من هيمنة الأعداء.
- إعادة ثقة الطالب بدينه، بعد أن حاول الفكر الغربي تقزيم الفكر الديني وتصويره كفكر غيبي غير علمي.
ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى أصبحت الحركة الإسلامية في الجامعات ذات كيان حقيقي وصوت مسموع، وقاد هؤلاء بعد ذلك الحركة الوطنية، وتصدوا للتيار المعادي.
ولن ينسى جيلنا كتائب الإخوان المسلمين التي أبلت بلاء حسنًا في فلسطين، أو كتائب التحرير في قناة السويس في مصر، وكان الطلبة هم عمادها وقوادها ووقودها، وانتقلت الشعلة من مصر إلى كافة أقطار العالم الإسلامي عن طريق الطلبة الذين كانوا يدرسون في مصر في الأزهر أو في الجامعات الأخرى.
الحركة الطلابية في العالم
وهكذا وجدت الحركة الطلابية نفسها مسئولة عن نشر الدعوة الإسلامية في أقطارها، والقيام بواجباتها تجاه أمتها، ونشر الفكر الطلابي الإسلامي في العالم، وتحملت الحركات الطلابية جميع الظروف القاسية التي عاشتها بلادنا، فكيف يسمح حكم متسلط لحركة شعبية طلابية سلمية بممارسة حرياتها؟
وبالرغم من كل القهر، وكل التسلط فقد استمرت الحركات الطلابية الإسلامية في أداء دورها، ونقلت هذا الدور من الإطار الإقليمي إلى الطور العالمي الواسع.
لقد كانت مشاعر الطلبة في أوج تألقها في الخمسينيات والستينيات يغذيها تاريخ الحركات الإسلامية ومعاناة أبطالها وقياداتها، ويزيد من تألقها الفكر الإسلامي الرصين الذي بدأ يأخذ أبعاده على المستويات المحلية والعالمية، وقد عززت هذه المشاعر الفياضة والروح العالية جمعيات طلابية صغيرة بدأت في الستينيات في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأمريكا، يقودها الطلبة أبناء الحركة الإسلامية، وانتشرت بعد ذلك في بقية البلدان الأخرى، وكان الرعيل الأول الذي أنشأ هذه الاتحادات جيلًا عمليًّا أصم أذنه عن السلبيات، وانشغل بالإيجابيات، فتطلع من فوره إلى إنشاء اتحاد إسلامي عالمي يضم هذه الجهود الطلابية ويوجهها لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين.
وبعد مرحلة تمهيد امتدت من أوائل الستينيات واستمرت حتى نهايتها.. عقدت خلالها اجتماعات تمهيدية في نيجيريا والسودان، ومكة المكرمة، انتهت بعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية في يونيو ١٩٦٩م في مركز آخن في ألمانيا الغربية.
الحركة الإسلامية العالمية
ومع بدء الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، والذي كان ثمرة لجهود المنظمات الطلابية والشبابية أبناء الحركات الإسلامية في العالم، برزت إلى الوجود الحركة الإسلامية العالمية في طورها الجديد، ولا تزال الملفات تضم بين أوراقها رسائل الإمام المودودي -رحمه الله- وعلال الفاسي -رحمه الله- والمجاهد محمد ناصر -رحمه الله- والأستاذ خورشيد أحمد ود. توفيق الشاوي والمستشار عبد الله العقيل، وغالب همت، يباركون هذه الظاهرة الجديدة من مظاهر العمل الإسلامي العالمي المشترك.
سياسات الاتحاد وإنجازاته
أما السياسات التي أقرها الاتحاد في مؤتمره التأسيسي الأول فهي: تعاون المنظمات الطلابية المختلفة على قاعدة: «يعاون بعضنا بعضًا فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، والأمر الآخر هو أن المحضن الحقيقي لنمو الشباب وإعدادهم هو الحركات الإسلامية في العالم.
لقد أنجز العمل الطلابي العالمي عددًا من الإنجازات نذكر منها:
- إعادة صياغة أفكار الشباب المسلم في العالم حسب المفاهيم الإسلامية الصحيحة، ولتحقيق ذلك أصدر قرابة ٥٠٠ كتاب بحوالي مائة لغة أصبحت المصدر الرئيسي للفكر الإسلامي في أنحاء العالم.
- إعادة صياغة مواقف الشباب المسلم في العالم، بحيث تتحول إلى مواقف إيجابية للبناء، والابتعاد عن السلبية والتطرف الذي يؤدي للتخريب، ولتحقيق ذلك أصدر مجلة «الأخبار» باللغتين العربية والإنجليزية.
- إقامة اتحادات ومنظمات طلابية في مختلف أنحاء العالم.
- وهكذا تسير قافلة الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية كإطار عالمي مستقل ومعه جميع المنظمات الطلابية الإسلامية في العالم.. رائدها الحق.. وهدفها الأمن.. وغايتها الله، ودستورها القرآن.. وشعارها: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).