العنوان معركة الإسلام والاستعمار في ساحل إفريقيا الشرقي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1976
مشاهدات 41
نشر في العدد 311
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 03-أغسطس-1976
المعركة الصامتة التي كانت تدور في شرق القارة الإفريقية منذ أن وطئت أقدام الغزاة ساحلها الهادئ.. خرجت الدول، ومن العبث حتما حصر العوامل الديناميكية التي فجرت الأوضاع هناك في ردود الفعل اللاحقة لحادثة مطار عنتيبي.
فالخريطة الدينية للإقليم تحمل في أحشائها أسباب الصراع، والتوزيع الجغرافي الذي صممه الاستعمار-كالعادة- قنبلة موقوتة تستفز في الوقت المناسب كلما كانت مصلحة الغرب مواتية.
والإسلام- هاجس الاستعمار المرعب- له حظ الأسد في القضية- والعنصر الإسلامي المشكلة موجود في أربعة محاور أساسية:
- حاجز جنوب السودان:
في وثائق اللورد كرومر ورد ذكر جنوب السودان حينما أعلن أن سياسته بالنسبة لهذا الإقليم تقوم على جملة حاجزا يعزل شمال إفريقيا المسلم عن السواحليين والصوماليين في شرق إفريقيا، من هنا يمكننا أن نفهم معنى الحرب الأهلية الطويلة «١٧ عاما» التي شنتها الكنائس العالمية في جنوب السودان، التشويش على التأثير العربي والإسلامي في الإقليم ومعنى اتفاقية أديس أبابا التي تمت فيها المصالحة بين نظام الحكم في الخرطوم حاليا وبين المتمرد «جوزيف لاغو» تحت إشراف مجلس الكنائس العالمي والإمبراطور الصليبي هيلاسلاسي.
ويمكننا أيضا أن نفهم المديح الذي لا ينقطع لهذا الإنجاز الكبير الذي حققه حكام الخرطوم العسكريين من جانب الصحافة الغربية والدوائر السياسية في الغرب.
فبعد إغلاق الإدارة السودانية ١٧ عاما حتى لا تزيل آثار قانون المناطق المقفولة، الذي طبقته الإدارة البريطانية في جنوب السودان لعزله عن التأثير الإسلامي القادم من الشمال، ثم قيام حكومة مسيحية 100% في جنوب السودان لتكرس الحاجز الحضاري الجبار الذي أنشأه الاستعمار في ذلك الإقليم حتى يمنع زحف الإسلام من شمال وادي النيل إلى داخل القارة والتقاء هذا الزحف مع مسلمي شرق إفريقيا.
فالخطة التي أقرتها الكنائس في مؤتمر أدنبرة في أوائل هذا القرن تقضي بعزل مسلمي شرق إفريقيا وحصرهم تمهيدا لاجتثات الدين الإسلامي نهائيا من هناك، وقد تولى الاستعمار تنفيذ هذه الخطة كما سيأتي.
- ظاهرة عيدي أمين:
مهما اختلفت الأقوال في شخصية عيدي أمين فإن العقدة الأساسية في كل هذا الجدل عن شخصيته هو أنه مسلم وأنه أصبح رئيسا- يمتلك السلطة ويتصرف بوحي من عواطف دينية دفينة تفرض نفسها من وقت لآخر على كل آثار الاستعمار على شخصيته.
لقد أحدث مجيئه إلى السلطة آثارا بعيدة داخل يوغندا وفي مجموعة شرق إفريقيا وعلى مستوى القارة وعلى الصعيد الدولي أيضا، فقد أوشكت يوغندا أن تصبح بلدا إسلاميا كاملا حينما اعتنق أحد ملوكها القبليين الدين الإسلامي على يد الوافدين العرب الذين قدموا عن طريق الساحل، ولكن وصول الزحف الاستعماري في تلك الآونة قضى على هذا الأمل تماما.
فبقيت الغالبية على وثنيتها ثم تنصيرها بعد ذلك خلال الوجود البريطاني، إلا أن من أسلموا قبلا صمدوا على دينهم ودفعوا الثمن قرونا من التخلف والاضطهاد والحرمان.
لكن الشيء الذي لم يحدث في جميع أقطار إفريقيا السوداء حصل في يوغندا.
فبينما نجد أن الاستعمار قد حرم المسلمين «وهم الأغلبية» من الانتساب للقوات المسلحة وسلم مقاليدها إلى الفئة التي تم تنصيرها وتربيتها في الإرساليات التبشيرية.
كما حدث في نيجيريا وتشاد وغانا وتنزانيا وكينيا وغيرها- نجد بعض المسلمين اليوغنديين وجدوا طريقهم إلى صفوف القوات المسلحة اليوغندية.. ومن بين هؤلاء الرئيس عيدي أمين- ولعله قبل أن يتسلم الرئيس أمين السلطة لم يكن العالم يعرف عن وجود مسلمين في يوغندا على الإطلاق- ربما حتى العالم الإسلامي..
إن ظهور حاكم مسلم كعيدي أمين في هذا الجزء من القارة قد أحدث دويا هائلا وقلب الأوضاع تماما، فقد ارتفعت معنويات المسلمين المسحوقين على طول الساحل الشرقي الإسلامي للقارة- وبرزت الأقلية الإسلامية في يوغندا كثقل سياسي لا يمكن تجاهله، واقتربت أعناق التنزانيين تتنسم عبير العزة والكرامة وقتل عبيد كرومي سفاح زنجبار وتحركت الأقاليم الإسلامية في كينيا الشمالية التابعة أصلا للقومية الصومالية تطالب برفع الاحتلال الكيني عن أراضيها ثم كان طرد الإسرائيليين من يوغندا ومن القارة كلها من بعد، ثم برز التضامن الإفريقي العربي تحت راية التضامن الإسلامي ومبادئ عدم الانحياز.
هكذا فقد الغرب صوابه وامتلأ الصليبيون بالحقد على الرئيس عيدي أمين الذي أحدث هذه الهزة العنيفة وكاد أن يعصف بجميع مخططاتهم ويهدم ما بنوه منذ قرون، وعليه يمكن ببساطة فهم الحملة المسعورة التي تشن على نظام حكمه وعلى شخصه- ثم المواقف غير المتزنة التي رافقت عملية مطار عنتيبي «عين طيبة» والحصار الكيني والمساعدات غير المحدودة لكينيا وتنزانيا وزامبيا للقضاء على عيدي أمين.
- الصومال الكيني «انفدى»
الصومال هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي بقيت مستقلة في ساحل إفريقيا الشرقي على الرغم من اقتطاع جيبوتي وأوقادين وإقليم «انفدى».
ولو وجدت أقلية غير إسلامية داخل الأمة الصومالية لسقطت هي الأخرى في أيدي غير المسلمين بمساعدة الاستعمار ولكن كل ما تمكن الاستعمار من عمله هنا هو اغتصاب الجزء الأكبر منها وتوزيعه على فرنسا والحبشة وكينيا، فإقليم أنفدى- اختصار لمقاطعة الحدود الشمالية الذي تحتله كينيا، هو إقليم إسلامي ١٠٠% تابع للصومال، هذا بالإضافة للساحل الكيني حيث تقع المواني الكينية وأهمها ميناء ممباسة الذي أغلقه كنياتا في وجه يوغندا.
وعلى الرغم من الوجود الإسلامي الراسخ في كينيا فإن الفئة الحاكمة وهي فئة مسيحية عميلة لبريطانيا تتسلط على المسلمين في الداخل وتتتخذ مواقف مناوئة للإسلام والعروبة في الخارج، وقد وقعت كينيا حلف عسكري مشترك مع إثيوبيا ضد الصومال ومع الولايات المتحدة وبريطانيا ضد يوغندا ومع تنزانيا وزامبيا أيضا ضد يوغندا وكانت تتآمر مع المتمردين في جنوب السودان وتتخذ مواقف معادية للعرب في كل مجال، وقد كانت آخر الدول الإفريقية التي قطعت علاقاتها بإسرائيل «شكليا»، وعملية مطار عنتيبي الأخيرة كشفت تعاونها مع إسرائيل وضد العرب.
- تنزانيا وزنجبار
تنزانيا هي اتحاد بين تنجانيقا وزنجبار.
الأولى وعاصمتها دار السلام كانت بلدا إسلاميا ضمن الساحل الإفريقي الذي كان يحكمه سلطان مسقط وعمان وبعد خروج الإنجليز سلموه إلى القس جوليوس نايريري رئيس تنزانيا الحالي وأحد أعداء العرب الألداء في إفريقيا.
والثانية سلطنة عربية إسلامية ظلت كذلك حتى بعد خروج الاستعمار لأن جميع السكان مسلمين فتآمر النصارى مع الشيوعيين مع الاستعمار وتم ضمها لتنجانيقا لتكون جمهورية تنزانيا بعد ذبح ٤٠ ألف عربي في ليلة واحدة وطرد جميع العرب منها وهربوا من المذبحة بالقوارب إلى جنوب الجزيرة العربية كما هرب السلطان العربي إلى لندن، ولا تزال الأغلبية الساحقة في تنزانيا من المسلمين
يحكمها القس جوليوس نايريري وأعوانه من المتنصرين ويتآمرون على عيدي أمين حتى يكون مصيره كمصير السلطان العربي في زنجبار.
بالإضافة إلى ذلك يوجد المسلمون في جزر القمر وموريشيوس وملاجاسي وموزمبيق وأوضاعهم جميعا معروفة.
ماذا يدبر الاستعمار حاليًا؟
1- بناء الدولة المسيحية في جنوب السودان لعزل المسلمين في شمال القارة ووادي النيل عن مسلمي شرق إفريقيا- تقرر ربط جنوب السودان بميناء ممباسة بخط سكة حديد «ولم تعترض حكومة الخرطوم الغافلة».
2 - إسقاط عيدي أمين بأسرع فرصة عن طريق التآمر عليه داخليا وتشجيع كينيا على محاصرته اقتصاديا وتسليحها لغزوه من الخارج بالتآمر مع تنزانيا ورواندا.
3 - تسليح كينيا لتثبيت احتلال إقليم انفدی الصومالي وشغل الصومال بقضية جيبوتي لشله عن فتح جبهة مع كينيا أو محاولة إنقاذ عيدي أمين.
4- التآمر على جزر القمر باحتلال جزيرة «مايوت» أغنى الجزر ووضع حاكم مسيحي عليها على الرغم من كونها جزء لا يتجزأ عن الأرخبيل.
5 - إعداد الأسقف مازاريوا في روديسيا ليتولى السلطة إذا نجحت الأغلبية السوداء في الوصول إلى الحكم هناك حتى يضمنوا وضعا مسيحيا قويا في روديسيا يكون متعاونا مع نايريري وكينياتا وجنوب إفريقيا، لتشكيل جبهة قوية معادية للإسلام في المنطقة.
لذلك فقد حظيت المنطقة باهتمام كبير من جانب الاستعمار وزارها جيمس كالاهان في العام الماضي وزارها هنري كيسنجر وعقد فيها لأول مرة مؤتمر المجلس العالمي للكنائس «نيروبي» كما أنشئت فيها قاعدة دييجو غارسيا في المحيط الهندي وتعزز الوجود العسكري البريطاني والفرنسي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل