العنوان وقائع حية لما يقع في أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1981
مشاهدات 75
نشر في العدد 518
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 03-مارس-1981
ما الطريق الذي يتصوره الروس لبناء الاشتراكية في أفغانستان؟
سياسة القصف والتهجير وزرع الألغام لم تفل من عزيمة المجاهدين الأفغان.
صور حية يرويها شاهد عيان عن جهاد الثوار الأفغان، وصبرهم في المعركة ضد الغزاة الروس.
تقرير عن صمود إقليم نورستان وتكتيك المجاهدين الأفغان فيه.
المجاهدون يكملون مسيرتهم بينما جنود الروس يعيشون بين اللصوصية والمخدرات.
الروس وبناء الاشتراكية:
لن نترك أكثر من مليون أفغاني فهذا كافٍ لبناء الاشتراكية. هذا ما قاله في صيف ۱۹۷۹ قبل أشهر عديدة من الغزو السوفييتي أحد ضباط الجيش الأفغاني قائد معتقل بول الشرخي قرب كابول، وقد ذكرت الصحافة السوفييتية ذلك لإبراز تحول الاستراتيجية السوفييتية في مواجهة الثورة الأفغانية.
ولا شك أن المذابح والقصف الجوي مستمران، ولكن بصفة متقطعة تفصلها محاولات للحصول على ولاء بعض القوميات الثائرة، وهذا ما يحدث خاصة في نورستان على الحدود الباكستانية، ومع ذلك فإن الروس وضعوا سياسة القتل في رأس قائمة استراتيجيتهم في أفغانستان.
القتل بالألغام
أحد الصحافيين قضى عدة أسابيع في أفغانستان في نوفمبر الماضي، واستطاع الاتصال بزعماء الثورة ومتابعة قافلة من الثوار والتقاط بعض الألغام المضادة للأفراد، والتي ألقتها الطائرات العمودية السوفييتية، كما شاهد محاولات توحيد حركات الثوار. وقد ذكر هذا الصحافي أن السوفييت بدأوا في الصيف الماضي استراتيجية جديدة في حربهم الاستعمارية في أفغانستان فقد ألقت الطائرات العمودية المدرعة على طول الحدود الأفغانية الشرقية وخاصة في نورستان ألغامًا صغيرة في حجم يد الطفل، مجهزة بأجنحة صغيرة تمنع انفجارها عند ارتطامها بالأرض، وهذه الألغام تتماشى مع ألوان الطبيعة ويصعب تمييزها وقوتها ضعيفة مجهولة لبتر الساق التي تطؤها.
تهدف هذه الألغام إلى منع عودة الثوار إلى ديارهم بينما يحاول أنصار الثورة تموين الثوار في الأقاليم المجاورة لباكستان، والتي توقفت الزراعة فيها بسبب القصف، منذ أن أخلت القوات السوفييتية إقليم خونار من السكان وضاعفت ضغوطها على إقليم «بكتيا» لدفع سكانه إلى اللجوء. بدأت حدود أفغانستان تنغلق وتزداد عزلة وسط البلاد، إلا أن إقليم نورستان المتاخم لباكستان ظل يقاوم هذا الاختناق بفضل طبيعته الجبلية وظل ثواره ينقلون الإمدادات إلى الداخل.
القصف والتهجير
ومنذ أن أفرغ الروس منطقة كونار من سكانها وفق سياسة التهجير التي يقومون بها ركزوا قصفهم الجوي بشكل وحشي على سكان منطقة «باكتيا» إلحاقًا بها مع مقاطعة كونار ضمن سياسة تهجير الأهالي والسكان لإفراغها من أهلها نهائيًّا، ومع ذلك- وعلى الرغم من هذه الاستراتيجية التي تحمل ما تحمل من صعوبات بالغة- فإن سكان منطقة نورستان الجبلية يقاومون حتى الآن بضراوة تحت القصف الجوي.. وفوق الألغام الكثيرة المزروعة في المنطقة، وخلال كل هذا فإنهم ينجحون في التسلل إلى داخل مناطقهم محملين بالمواد الغذائية من دقيق وملح وغير ذلك.
شاهد عيان يصف جهاد الشعب
أحد الصحافيين زار أفغانستان والتقى بالإخوة المجاهدين، ورافق بعض قوافل المؤن هناك.. يقول هذا الصحافي:
«لقد صاحبت قافلة من قوافل الثوار محملة بالمواد الغذائية إلى منطقة نورستان لتوزيعها على أهليهم هنالك، وقد رأيت ما يعانيه هؤلاء الثوار من مشقات لإيصال هذه المواد إلى أهدافها النهائية قاطعين الغابات وطالعين الجبال المغطاة بالجليد. وفي الحقيقة إن الحركات الأفغانية التي تعمل في منطقة نورستان هي التي يعقد عليها الأمل الكبير».
فمنطقة «نورستان» هي الأولى التي قاومت حكم الديكتاتوري نور محمد تراقي، كما أن هذه المنطقة بدأت تقاوم قوات كابول منذ خريف ۱۹۷۸ وينظم المقاومة في هذه المنطقة مجلس أعلى بقيادة أمير تانغ وهو زعيم ديني، يقوم بجولات بين القرى محاطًا بحاشيته ولا يذهب أبدًا إلى باكستان، وهو الذي يجسد التمسك لدى سكان المنطقة بالبقاء في منطقتهم التي فشل فيها النظام الموالي للسوفييت في قتل عدد كبير من نبلائها، كما أنه فشل في تغيير التقاليد القروية والتجمعات القبلية هناك.
في هذه المنطقة أنشأ الثوار صندوقًا أطلقوا عليه «صندوق المال»، حيث إن المجلس الأعلى فرض رسومات على المباني التابعة لرجال الدين وفرض ضرائب على المواشي والأغنام لتمويل الصندوق المذكور، وأموال هذا الصندوق تُوجه إلى الجهاد ضد السوفييت، وكذلك يمول الصندوق بمجوهرات نساء الثوار التي تباع في باكستان.
بين الألغام:
منذ الفجر الباكر تجد حركة نشطة على الممر الجبلي الصعب بين أشجار الصنوبر والغابات الكثيفة الأشجار، وقد كان أفراد القافلة مثقلين بأكياس الحبوب التي اشتروها من باكستان.
كانت عملية إزالة الألغام صعبة جدًّا وخاصة في المناطق الخضراء، وقد قضت على الكثير من قطعان الماعز، كما أصابت العديد من الرعاة والأطفال الذين شاهدت اثنين منهم في أحد المستشفيات.. تجاوزنا منطقة الألغام بعد ساعات طويلة من المشي عبر الغابة حيث الأشجار التي حطمتها القنابل، ووصلنا إلى أول قرية حيث وجدنا عائلتين تقيمان بين الأنقاض واستقبلنا رجال شاحبوالوجوه.
هنا تعود القنابل الحارقة إلى سنة ۱۹۷۸- ۱۹۷۹ في عهد الرئيس تراقي، ويحرس الباقون في القرية ملكية الذين فروا منها إلى باكستان، لكن حدود المزارع بدأت تضمحل وتغطيها الأعشاب في حين تتهدم المنازل.
ثورة إقليم نورستان وصمود المجاهدين
كان إقليم نورستان أقل الأقاليم ثورة ضد نظام نور محمد تراقي قبيل الغزو الشيوعي، فقد تمكن رجاله منذ البدء من طرد قوات الحكومة العميلة، على الرغم من أن هذه القوات كانت من أقوى قوات السلطة في أفغانستان، فقد التحق العديد من المجندين بالثوار مع أسلحتهم بعد أن أرسلتهم كابول، فإذا بهم يجدون أفغانًا مثلهم يهتفون الله أكبر، كما أن الباشتون- القبيلة المتخاصمة دائمًا مع النورستانيين- انضموا إلى هؤلاء الذين كلفتهم كابول بمقاومتهم، وأمدتهم بالسلاح لهذا الغرض.
اضطرت القوات الحكومية إلى اتخاذ موقف دفاعي لكن رد فعلهم كان دمويًّا، فقد كان هنالك ستة مستشارين سوفييت عندما قام الطيران بقصف معاقل الثوار في الجبال بالنابالم، كما كانت السلطات تعتقل الناس دون تمييز وتنقلهم إلى معسكر جلال آباد، وفيهم بعض الرعاة عذبوا بالصدمة الكهربائية بحضور مستشارين سوفييت، وكانوا يريدون من أحدهم أن يعترف بانتمائه إلى المخابرات الأميركية، وأخيرًا تم إخلاء كمداش وألقيت عليها القنابل المحرقة، وانسحبت القوات الأفغانية إلى قلعة بريكوت في جنوب الإقليم، وتشبثت بها حتىالآن يدعمها الطيران السوفييتي.
هكذا تحرر إقليم نورستان ونظم خطوطه الدفاعية منذ سنة ۱۹۷۸ وأقام الحواجز على الطرقات، ولم تدخل دبابة بعد ذلك في حين ظلت قلعة بريكوت صامدة.. إلا أنه منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان بدأت الطائرات العمودية المدرعة تقوم بغارات قاتلة في الأودية، وهذه الطائرات تقف على ارتفاع بضعة أمتار عن الأرض وتطلق النار على السكان، وهذه الطائرات لا يمكن إسقاطها إلا بالصواريخ التي لا يملكها الثوار، وهي التي ترهق الثوار وتدفعهم إلى اليأس وتشككهم في قدرتهم على الصمود.
باكستان بين اللاجئين ومنظمات الثوار
وبعد مرور سنة ونيف على الغزو السوفييتي لأفغانستان تجد قادة الثورة في مواجهة الواقع السياسي بمعطياته التالية:
اللاجئون في باكستان مجبرون على الخضوع إلى اختيارات الحكومة التي تضيفهم، ونحن نعلم أن باكستان غير مرتبطة بأي حلف عسكري يضمن الدفاع عنها إذا واجهت خطرًا خارجيًّا.. والطيران السوفييتي يقوم بخرق أجوائها بصفة مستمرة، بينما تظل الهند تهدد حدودها الشرقية، ولا تتجرأ باكستان على تقديم صواريخ مضادة للطائرات العمودية للثوار، كما تظل رافضة رسميًّا أن تكون أرضهاممرًّا للأسلحة الموجهة إلى الثوار في داخل أفغانستان.
اعترفت باکستان رسميًّا بست منظمات تحررية في بشاور، وسمحت لها بفتح مكاتب وحسابات جارية وصناديق مالية خاصة، ولا تستطيع أية منظمة ثورية أفغانية في الداخل فتح مكاتب لها في بشاور دون موافقة حكوم إسلام آباد، وهذه الأحزاب الستة تجلب الإعانات الخارجية وتحتوي طموحات اللاجئين، وهي ضرورية بالنسبة للحكومة الباكستانية لكنها تثير انقسام حركة المقاومة، ولم تنجح حكومة إسلام آباد حتى الآن في دفع هذه الأحزاب إلى الوحدة والتحالف الذي تكون في مارس الماضي وانحل في ديسمبر، وهذا ما يجعل حكومة إسلام آباد مترددة في الاعتراف بمنظمة سابعة حتى لو كانت نشيطة ومقبولة لدى قسم كبير من اللاجئين.
المجاهدون منتصرون إن شاء الله
وسط كل هذه المصاعب والعوائق التي قد تبدو صعبة التغيير في أفغانستان، فإن الشعب الأفغاني المسلم مصمم على تحرير نفسه وبلاده من العدو الشيوعي اللدود، ومن الحكومة الشيوعية العميلة.
فالمجاهدون الذين يعبرون المخاطر التي وضعها أمامهم الروس يملكون الصبر والعقيدة، بينما جنود الروس يلتفون حول تجار الحشيش ومهربي الأفيون.
والمجاهدون الصابرون المؤمنون يجتازون أشق المصاعب للحصول على السلاح لقتل عدوهم، بينما الجندي الروسي يبيع سلاحه أحيانًا للحصولعلى الحشيش.
والشعب الأفغاني المجاهد لا يجد نفسه مشغولًا بأمر سوى قضيته وجهاده وحربه، بينما جنرالات وجنود الروس مشغولون بالتهريب والسرقات واللصوصية التي بدأت وكالات الأنباء تتحدث عنها، وفي عدد قادم سوف نتحدث عن الدوامة التي يعيشها الجنود الروس في أفغانستان بين صلابة المسلم الأفغاني والبحث عن النزوات المادية الأرضية التي يحاولون الحصول عليها من أرض أفغانستان.