العنوان المجتمع الأسري (1166)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 54
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
إلى الأخت الداعية:
القدوة..هي المفتاح السحري للعمل الدعوي
بقلم: زينب الغزالي الجبيلي
تروي كتب التاريخ أنه في زمن «الحسن البصري» -رضي الله عنه- تعرض العبيد لضغوط متزايدة ممن يخدمونهم واجتمع بعضهم للبحث عن حل لما يعانونه وما يكابدونه من مشاق، وخلصوا إلى رأي مفاده أن يطلبوا من الإمام «الحسن البصري»، وكان عالمًا جليلًا، وخطيبًا مفوهًا مؤثرًا، أن يتحدث عنهم في خطبة الجمعة، فيستحث مالكيهم على ضرورة الرفق بهم، وعدم تكليفهم بما لا يطيقون، فتتحسن أحوالهم، وتخف الضغوط عليهم، وذهبوا إلى الإمام البصري، وشرحوا له الموضوع، ووعدهم خيرًا، وانتظر العبيد صلاة الجمعة بفارغ الصبر، لكن الإمام لم يتناول الموضوع من قريب أو بعيد، وانتظروا أسبوعًا بعد أسبوع، حتى فاجأهم الحسن البصري بخطبة قوية مؤثرة، دعا فيها إلى الرفق بالعبيد وإلى تحريرهم، وتروي كتب التاريخ أن كل من حضر هذه الخطبة خرج منها، وقام بإطلاق سراح من لديه من العبيد، وسرت حالة من الارتياح والسعادة في نفوس الأحرار الجدد، وذهب بعضهم إلى الإمام الحسن البصري ليسأل عن سر تأخره في تناول موضوعهم، فقال لهم: إنه لم يكن لديه عبد حين عرضوا عليه مشكلتهم، فانتظر حتى رزقه الله المال واشترى عبدًا، ثم أطلق سراحه قبل خطبة الجمعة. ليكون هو أول من ينفذ ما يدعو إليه، ولذلك جاءت خطبته مؤثرة أدت الغرض منها، وحققت المطلوب.
والدرس الكبير الذي نستخلصه من هذه القصة أن الداعية يجب أن يكون قدوة عملية أمام الناس، وأن يكون هو أول الفاعلين، وفي مقدمة الصفوف، وفي طليعة الركب الذي يتحرك عمليًا بالدعوة، فلا يليق أن يدعو الناس مثلا إلى الحرص على قيام الليل، بينما هو مقصر فيه، ولا يستحث الناس على البذل، بينما هو مقتر حريص على المال، بل يجب أن يذوق طعم السعادة في قيام الليل، ثم يدعو الناس إلى هذه النعمة التي عرفها وتذوق حلاوتها، وسعد بها، وكذلك يجب أن ينفق على قدر استطاعته سرًا وعلانية، حتى يكون قدوة عملية للناس، فيكون كلامه وحديثه أكثر تأثيرًا وقبولًا، وأقدر على التفاعل الإيجابي بين الناس، وصولًا إلى التغيير المنشود.
تفضيل العمل على الكلام
إننا ابتلينا بزمان كثر فيه الكلام، وقل فيه العمل الجاد المثمر الهادف إلى الخير، والأخت الداعية الواعية لرسالتها وأمانتها، عليها عب كبير في تحويل هذا الكلام إلى عمل وتعديل هذه الصفات عند الناس إلى تفضيل العمل الجاد وتقليل الكلام الذي لا ينبني عليه عمل، ولنتأمل قول الله عز وجل ﴿َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف 2-3).
ولنتأمل «مقتًا» ووقعها على النفوس والقلوب والعقول لننظر أهميتها وخطورتها، فلا نقع فيها، وندعو غيرنا للانتباه إليها وعدم الوقوع فيها.
إن بعض الناس ينظرون إلى الدعاة نظرة إعزاز وتقدير وتوقير، ويرفعونهم فوق طبيعتهم البشرية، فلا يقبلون منهم سلوكًا معيبًا، ولا تصرفًا غير لائق، ولا يقبلون رؤيتهم في أماكن مشبوهة، وهو ما يحمل الدعاة جهدًا كبيرًا في الحفاظ على سيرتهم وسمعتهم، والأخت الداعية يجب أن تحرص على سلوكها وتصرفاتها من كل ما يؤدي إلى إساءة الظن بها، فهي القدوة التي يقتدي بها الناس.
إن الإمام الشهيد «حسن البنا»، داعية القرن العشرين ومؤسس حركة الإخوان المسلمون كانت له عبارة شهيرة تصلح قاعدة من قواعد العمل الإسلامي والدعوي، حيث يقول: «نحن قوم عمليون» أي أن الأخت الداعية يجب أن تكون مشغولة بالجانب العملي والقدوة العملية وتقديم الحلول العملية للناس في حياتهم، حتى تسهل استجابتهم لطاعة الله، والأخت الداعية يجب أن تتعامل مع الناس من باب حب الخير لهم والحرص على هدايتهم، واتخاذ كافة الوسائل المساعدة لها على تحقيق هذه الغاية، وهذا الهدف وليس من باب إقامة الحجة الجامدة أو الأعذار إلى الله فقط، دون أن توضح أيسر السبل وأفضلها، لكي يدخل الناس في دين الله أفواجا، ولكي يسير الناس باطمئنان وثقة في طريق الهداية والرشاد.
إن القدوة العملية هي المفتاح السحري للتأثير الدعوي في حياة الناس، وهي السلوك الذي نحتاجه ونبحث عن تدعيمه في أوساط العاملين والعاملات في ميدان الدعوة إلى الله.
القصة.. وأسلوب تربية الأطفال
بقلم: د. ليلى عبد الرشيد عطار (*)
يعتبر أسلوب القصة من الأساليب التربوية المؤثرة والفعالة في تربية الأطفال وتوجيههم بما لها من قوة تأثير على سامعيها سلبًا أو إيجابًا على حسب نوعية القصة والهدف منها، ويتساوى الكبار والصغار في ميلهم الفطري لحب القصة والتأثر بها.
وللقصة دور تربوي عظيم في توجيه السلوك، وغرس الخلق، وتعلم الآداب، وزرع الفضائل، وتنمية اللغة، وتهذيب الوجدان وتقوية الخيال، وإثارة الانتباه، وإدخال البهجة والسرور في قلوب الأطفال من خلال أحداثها المتتابعة المثيرة.
وبما أن للقصة هذه الآثار العظيمة في بناء شخصية الطفل النفسية والاجتماعية والخلقية والفكرية والروحية واللغوية والعاطفية، لا بد من حسن اختيارها من جميع الجوانب حتى تؤدي الغرض منها، لذلك ينبغي مراعاة الآتي:
1- أن يكون للقصة هدف تربوي واضح ومحدد في ذهن المربي (أم، أب، معلم)، والهدف من القصة يرمي إلى تنمية جانب من جوانب شخصية الطفل الجسمية، أو الروحية، أو العقلية، أو النفسية، أو الإرادية، أو الأخلاقية، أو الاجتماعية، أو يهدف إلى تعديل السلوك غير المرغوب فيه أو تعزيز وتثبيت السلوك المرغوب فيه، أو يهدف إلى تنبيهه إلى بعض الأمور التي تمس دينه أو خلقه، أو يهدف إلى تشجيعه على الابتكار والاختراع... إلى غير ذلك.
2- أن تكون أحداث القصة متتابعة منطقية، وشخصياتها واضحة قوية، حتى تشد الطفل، وتوقظ انتباهه دون توان أو تراخ، فتجعله دائم التأمل في معانيها، والتتبع لمواقفها، والتأثر بشخصياتها وموضوعها حتى آخر كلمة فيها.
3- أن تكون القصة مناسبة للعمر الزمني والعقلي للطفل، فالطفل في كل مرحلة من مراحل عمره الزمني يحتاج إلى نوع معين من القصص يتناسب مع درجة نموه في جميع جوانب شخصيته، فالطفل -غالبًا- يبدأ من سن الثانية من عمره في الاستمتاع بالقصة والتأثر بها، ويغلب على القصة في هذه السن أن تكون وصفًا لأحداث يومية في حياته من خلالها يعدل الطفل سلوكه، أو يعلم بعض الآداب الاجتماعية، أو يعزز السلوك المرغوب فيه.. وهكذا.
في سن الرابعة يميل الطفل إلى قصص الحيوانات والأشخاص والأشياء المتصلة بهم اتصالًا مباشرًا، كما يميلون إلى قصص المغامرات التي تشبع خيالهم في مشاركة البطل مواقفه المختلفة.
أما طفل الخامسة، فيميل إلى القصص التي تزودهم بالمعلومات والمعرفة المختلفة في شتى الميادين، كما يميل إلى تقمص وتمثيل دور البطل.
أما طفل السادسة والسابعة، فيستمتعون بالقصص الشعبية القصيرة، والقصص الخيالية التي تتناسب مع درجة نموهم، ويميل الطفل إلى بعض الألفاظ المجردة كالحق والعدل والفضيلة.
أما طفل الثامنة والتاسعة، فيميل إلى القصص التي تتحدث عن الماضي وعن قصص السيرة الذاتية للأشخاص، وسير أبطال الحروب، وقد أدرك صحابة رسول الله ﷺ ذلك، فكانوا يحرصون على تعليم أبنائهم مغازي الرسول ﷺ كما يعلمونهم السور من القرآن الكريم.
أما طفل العاشرة والحادية عشرة فيميلون إلى القصص التي تتكلم عن الشخصيات ليكونوا قدوة ومثلًا أعلى لديهم، لذلك هم في حاجة إلى قصص الزعماء من الرسل والأنبياء والصحابة والتابعين، حتى يتشبعوا بشخصياتهم، ويقتدوا بمواقفهم وتتربى نفوسهم على حبهم وتقديرهم واحترامهم، ومن ثم الاقتداء بهم.
4- اختيار الوقت المناسب لقص القصة فمثلًا لا أحكي للطفل القصة في وقت اندماجه في اللعب، أو مشاهدته للتلفاز، أو وقت طعامه، أو وقت انشغاله بأي أمر من الأمور.
5- اختيار الحالة النفسية للطفل عند قص القصة، فلا أحكي للطفل القصة وقت بكائه، أو غضبه، أو نعاسه للنوم، وإنما اختار الوقت المناسب لحالته النفسية المتقبلة والمستقرة لسماع القصة.
٦ - أن تحكي القصة بأسلوب عربي واضح بسيط، وبكلمات راقية، وألفاظ مهذبة.
7- الثناء على أصحاب الأخلاقيات الفاضلة والمواقف الشجاعة، وذم أصحاب المواقف المشينة والتقليل من شأنهم وذم أخلاقياتهم السيئة.
8- أن تحكي القصة بإظهار انفعالاتها المختلفة من فرح وحزن وغضب واستياء وإعجاب بأبطال القصة حسب مواقفهم، حتى يتأثر الطفل بهم، ويغير من سلوكياته.
9- أن نتجنب القصص الخرافية أو قصص الجن والعفاريت؛ لأنها تضر الطفل نفسيًا، فتغرس فيه الخوف والجبن، ولا تفيده علميًا ولا تربويًا، ولا أخلاقيًا.
١٠ - أن نتجنب المبالغة في القصص الخيالية، وإنما سردها يكون معقولًا حتى لا يبتعد الطفل عن واقعه الذي يعيش فيه، ولا يستطيع التكيف معه.
۱۱ - عدم إشغال الطفل بأمور سطحية أو جانبية في القصة لا تربي في نفسه معاني فاضلة أو خلقًا حميدًا، أو علمًا مفيدًا، كأن نبحث عن أسماء أصحاب الكهف أو اسم أم يوسف وهل تزوج امرأة العزيز أم لا؟ إلى غير ذلك.
۱۲ - أن تسرد القصة بأسلوب مشوق يشد انتباه الطفل، ويدفعه لطلب المزيد من القصص.
۱۳ - أن يكون في القصة جانب فكاهي مضحك، حتى ندخل البهجة والسرور إلى قلب الطفل، والقصة إذا راعت هذه الأمور، فإنها لابد أن تساعد المربي في عملية التربية والتوجيه، لأنها أسلوب من الأساليب التربوية الفعالة في التوجيه.
(*) أستاذ مساعد التربية الإسلامية بكلية التربية للبنات بجدة.
وقفة طبية
في بيتنا مراهق
لن أخوض هنا في الحديث عن التغييرات الهرمونية والفسيولوجية والجسمانية التي تحدث عند المراهقين، فأنا لا أشك أن الغالبية العظمى من الأمهات والآباء هم على دراية بهذه الأمور من خلال قراءاتهم المختلفة، وليس لهذا السبب فقط، بل لأن هذه التغيرات هي تغيرات طبيعية وغير مرضية إطلاقًا، ولذا فنحن لسنا بحاجة إلى عمل أي شيء حيالها.
ولكننا هنا سنتناول سويًا التأثيرات النفسية والحركية الناتجة عن هذه التغيرات، والتي لا بد أن يلاحظها الآباء، وأن يتدخلوا بالشكل السليم من أجل ألا تترك هذه التأثيرات أثارا سلبية.
من أهم الملاحظات التي يمكن ملاحظتها على المراهق من الجنسين هي أنه يميل إلى الخمول، فهو يحب أن ينام لساعات طويلة، بل إنه حتى في ساعات استيقاظه يفضل الاستلقاء على ظهره على الأريكة، أو على الأرض المشاهدة التليفزيون، ولا شك أن هذا الاستلقاء يستدعي شرب العصير، وأكل المكسرات وغيرها من المواد التي تحمل كميات كبيرة من الدهون والكوليسترول فهل سنتركهم على هذه الحال طويلا؟!
لا شك أن هذا الأمر سيؤدي إلى زيادة في الوزن مع إصابة المراهق بالخمول الذي يمكن أن يكون مضرًا حتى على المستوى العقلي، ولا شك أن المراهق من كلا الجنسين يرفض الأمر المباشر بالتحرك أو ممارسة الرياضة أو للمساعدة في أعمال المنزل بالنسبة للفتاة، فطبيعة المراهق النفسية تجعله يكره التوجيه المباشر، ولذا كان من الضروري أن نُغلف هذا الطلب بأسلوب مرح وجذاب، وأن يتم هذا الأمر في جو عائلي وظريف، وبالتالي لا يشعر بأن هذا الأمر إنما هو بديل للتوجيه المباشر.
من جانب آخر قد يظهر البعض من المراهقين خصوصًا الفتيان منهم طاقة فائقة تجعلهم غير قادرين على التحكم العام في تصرفاتهم، مما يجعلهم يظهرون هذه الطاقة في صورة تحدٍ أو عنف أحيانًا، ولذا كان من الضروري تشجيع هؤلاء الشباب على أداء الرياضة التي يمكن من خلالها تفريغ شحنة كبيرة من هذه الطاقة.
ولا ننسى هنا ضرورة تشجيع هؤلاء الفتيان على الثقافة والقراءة، والبحث العلمي الذي لا شك أنه سيطور مهاراتهم الذهنية وقدراتهم العقلية بحيث يحدث توازن في النمو الجسدي والعقلي لدى هؤلاء الشباب.
د. عادل الزايد
سلة الأخبار
تأكيد جديد لمفهوم قديم
البصل عرفه الفراعنة والإغريق منذ آلاف السنين، وورد ذكره في كتبهم، ووجدت رسوماته على جدران معابدهم، فهو النبتة التي استعملها أطباؤهم في علاج الكثير من الأمراض، وخصوصًا أمراض الجهاز الهضمي، وجاء الطب الحديث ليؤكد أن خلاصة البصل تحتوي على مواد فعالة ضد جراثيم الفم والأمعاء، بل إن مادة الجلوكونين «Glukonin» التي يحويها البصل تساهم في تقليل نسبة السكر في دم الإنسان.
الطب في خدمة المجرمين
الطب الذي طالما حاول إنقاذ البشرية من الأمراض الفتاكة التي تنتاب الناس - بفضل من الله - يبدو أنه هذه الأيام اقتحم إلى عالم جديد غريب، فأطباء الوراثة عاكفون، وعلى مدى السنوات الماضية على التجارب التي من خلالها يودون الوصول إلى أن كل أفعال الإنسان الإجرامية من إدمان وشذوذ وانحراف سيكوبائي، إنما هو ناجم عن عوامل وراثية وجينية لا دخل للإنسان فيها.
الطب في خدمة العدالة
في التحقيقات التي كانت تجريها المحاكم الأمريكية حول جريمة القتل المتهم فيها اللاعب الأمريكي لكرة القدم «ج. سمبسون»، أدخل أسلوب جديد في اكتشاف الفاعل، وذلك من خلال عينة الدم التي وجدت في ساحة الجريمة، حيث تبين أن التركيب الجيني لهذه العينة مطابقًا للتركيب الجيني للمتهم في هذه القضية.
صحة الأسرة
صداقة مع الذات
بقلم: د. «عادل أحمد الزايد»
هل تعلم لماذا دمر اليونان قدرًا كبيرًا من الآثار الفرعونية عند احتلالهم المصر؟ وهل تعلم لماذا يمارس الآلاف هواية الصيد؟ فيقتل نمرًا، أو وعلًا ليعلق رأسه على جدار المكتب، أو يدبغ جلده فيدوس عليه!!، فاليونانيون عندما أحسوا بعجزهم أمام هذه الصروح الفرعونية أرادوا تحطيمها وكأنهم يقولون: «لم نتمكن من بنائها، ولكن كنا من القوة فحطمناها...»
وأراد الصيادون أن يقولوا: «هذه الحيوانات المفترسة والبرية لا تملك القدرة على مقاومتنا، فها هي رؤوس على الجدران، وجلود تداس على الأرض».
فهكذا مشاعر التحدي أولدت هذا الدمار، وذلك القتل، وأخطر ما تكون هذه المشاعر مشاعر التحدي عندما تكون ضد ذاتك أنت أيها الإنسان، أي عندما يتحدى الشخص نفسه؛ لأنه سيدمر نفسه، وهنا يكمن الخطر، لذا كنا بحاجة أن نتعرف على الذات، نتعرف على أنفسنا حتى تصادق أنفسنا، ولا نتحداها......
من أين نبع التحدي؟
في أواخر الأربعينيات ومع بداية تطور علم النفس Psychology»» أخذ علماء النفس في النظر إلى الذات البشرية رغبة منهم لفهم هذه النفس وسلوكياتها، وفي ذلك الوقت أخذ هؤلاء العلماء يتكلمون عما يعرف اليوم باسم العقل الباطن «Unconscious»
تكلموا عنه وكأنه إرادة منفصلة تعيش داخل جسد الإنسان وبالذات داخل مخ الإنسان، وأن الإنسان يشعر بالضعف أمام هذه الإرادة، وأنه غير قادر على مقاومتها، وأنها في لحظات ضعفه تفضح مكنون ذاته، وتكلموا عن العقل الباطن بعبارات وألفاظ غير واضحة المعالم وغير مفهومة، وانعكس ذلك - بلا شك - على إدراك الناس المعنى العقل الباطن، حتى ظن البعض أنه إرادة الشر الموجودة داخل الإنسان، وأنها كيان منفصل عن كيان الإنسان، وهذا أدى إلى أن تنبعث مشاعر التحدي ضد هذا الكيان.
ويمكننا أن نفهم بذلك لماذا انحرفت الفلسفات البشرية التي أخذت صور أديان يتعبد بها بعض الناس، لماذا انحرفت في مجال التوبة والاستغفار، حتى وصل الأمر إلى دق المسامير في الجسد أو المشي حافيا لشهور وسنوات، أو إشعال النار في نفسه، وغير ذلك من الانحراف التفكيري، إنما جاء لأن التحدي بين الإنسان ونفسه قد وصل إلى درجة الدمار.
ما هو العقل الباطن؟
لا نريد أن نتحدى الذات بهذه الطريقة المدمرة، ولكن نريد أن نفهم أنفسنا أكثر حتى تتصادق معها أكثر، ولكي نصل إلى صيغة تعاون مع كافة قدراتنا الجسمية والعقلية والنفسية لإحداث تغيير مرغوب في حياتنا.
فالعقل الباطن ليس كيانًا منفصلًا، ولا إرادة مخالفة لإرادتنا، ولكن الله -سبحانه وتعالى- قد حبا الإنسان بعقل قادر على الإدراك، ثم تخزين التجارب والأحداث، وهذه التجارب والأحداث المختزنة عبر حياة الإنسان منذ نعومة أظافره، إلى ما شاء الله هي التي تمثل رصيد الإنسان الذي من خلاله يتصرف ويتحرك ويحكم على الأمور، ويضاف إلى هذا الرصيد رصيد آخر من الثقافة والتعليم.
وهذه الأرصدة مجتمعة تمثل الأساس الذي يعتمد عليه عقل الإنسان من خلال هبة فريدة حبا الله فيها الإنسان، وهي قدرة العقل على التصرف السريع من خلال هذا الكم من التجارب والمعرفة المختزنة، دون أن تصل لدرجة الشعور لدى الإنسان؛ ولهذا جاء مفهوم «اللاشعور عند وصف هذه المقدرة»، وهكذا فعندما يتعرض الإنسان الموقف معين أو انفعال معين، فإن تجاربه الحياتية، ومستواه الثقافي والمعرفي، وخبراته كلها سوف تتداخل في سرعة فائقة لتحديد انفعاله أو تصرفه، ولاختلاف تجارب الناس ومعارفهم تختلف تصرفاتهم وانفعالاتهم.
والتجارب هي مجموع الأحداث التي مر بها الإنسان في حياته، سواء كانت في الأسرة، أو المدرسة، أو في تعامله مع الناس في كافة المجالات.
فإذًا كيف يكون التغيير؟
والآن يكون السؤال كيف يمكن أن يحدث الإنسان تغييرًا في مسار معين في حياته؟
لا شك أن الإجابة الرئيسية على هذا السؤال سوف تكون بلا تحد، ولكن وبعد أن عرفنا أن تصرفات الإنسان وانفعالاته ما هي إلا نتيجة مخزون كبير من التجارب والأحداث، فإذًا كل ما على الإنسان أن يفعله هو أن يدخل تجارب جديدة أو معرفة جديدة من خلال القراءة والاستماع إلى نصح الغير، فتأخذ هذه المعرفة الجديدة درجة الأولوية في عقل الإنسان، فيبدأ تصرفه وانفعاله يأخذ مسارًا جديدًا، كما أراده الإنسان، فهذا يتطلب قدرًا من الوقت للتأقلم والتعود على هذه المعرفة الجديدة.
ومن هنا نستطيع أن نفهم كذلك لماذا كانت المعرفة والثقافة الدينية مهمة في حياة الإنسان المسلم، لأنه لا بد أن يرشد تصرفاته وانفعالاته من خلال القيم الإسلامية، ولهذا كان لابد من التفقه في الدين كي تكون انفعالات المسلم نابعة من هذه القيم، ليس هذا فحسب، بل إن الرسول ﷺ يحدد الخيرية فيقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»
ختامًا: وهكذا فأنت لست بحاجة لتدمير نفسك باللوم والوسوسة والتأنيب العنيف المرضي، كي تدخل تغييرًا في حياتك، ولكن كل ما هو مطلوب منك هو أن تفهم نفسك لكي تحدث التغيير. وهذا حقيقة ما يعلمنا إياها الرسول ﷺ وهو يقول: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل