العنوان المجتمع الأسري (1555)
الكاتب عمرو شنن
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 52
نشر في العدد 1555
نشر في الصفحة 60
السبت 14-يونيو-2003
أسرة مفككة = أحداث منحرفون!
نسبة انحراف الأحداث في تصاعد.. والأسباب تتركز في ضعف التماسك الأسري
الأحداث.. أطفال وشباب تعرضوا لظروف قاسية افتقدوا رعاية الأسرة، تاهت طفولتهم وشبابهم مارسوا الانحراف، ودخلوا عالم تعاطي المخدرات، والسرقة والتسول حتى تحولوا إلى مشكلة؛ كل منهم قد يتحول إلى مجرم في المستقبل، ويصبح متهمًا رغم أنه مجني عليه في المجتمع والأسرة على حدٍ سواء. المشكلة خطيرة وتحتاج إلى تضافر الجهود كافة لعلاجها.
في البداية يؤكد تقرير لإدارة رعاية الأحداث في مصر بعد دراسة أجريت على عدد من أطفال الأحداث لقياس ودراسة الواقع الاجتماعي لهم –أنهم اعتادوا استخدام بعض المواد الإدمانية المتاحة مثل البنزين والحشيش، وأن ١١.٥٪ من العينة موضوع البحث يعانون من وجود توتر وشجار دائم يصل إلى حد الضرب العنيف بين الوالدين أمام الأطفال، وأن ٣٤,٦٪ يعيشون في أسر مفككة بعد انفصال الأب والأم وزواج أحدهما أو كليهما، بينما٢, ۱۹٪يفتقدون الرعاية بعد وفاة أحد الوالدين أو كليهما، أما نسبة ٥,١١ ٪ فيعانون من وجود الأب في السجن.
مصير سيئ!
وتحدد الدكتورة أسماء عبد المنعم إبراهيم أستاذة علم النفس بجامعة عين شمس عدة أسباب تؤدي إلى زيادة ظاهرة انحراف الأحداث يأتي في مقدمتها التفكك الأسري وارتفاع نسبة حالات الطلاق وأمية الوالدين وإجبار الأطفال على العمل، فالطفل يهرب من منزله بسبب فقدان الحب والحنان. والرعاية والأمان ليواجه مصيرًا سيئًا، وبسبب الفقر تفشل الأسرة في توفير احتياجاتها، وبالتالي احتياجات أطفالها الأساسية، مما يضطر الأسرة إلى الدفع بالأطفال إلى سوق العمل مبكرا، وهذا أمر يفقد الطفل الإحساس الطبيعي بطفولته، ويشعره بالحرمان فيسعى للعيش حياة الحرية بلا قيود، مما يدفعه إلى الانحراف.
أما التفكك الأسري وضعف الروابط الأسرية بين أفراد الأسرة على مرأىٰ ومسمع الطفل فإنه يخلق لديه إحساسًا بالتوتر والقلق النفسي، مما يدفعه إلى سلوكيات غير سويَّة قد تعرضه للاختلاط بأصدقاء السوء وممارسة أفعال غير مشروعة.
أما الجهل والأمية كسببين للانحراف فليس المقصود بهما الأمية الأبجدية، وإنما غياب المفاهيم والاتجاهات السلوكية التي تحكم تصرفات وردود أفعال الناس في المواقف، بالإضافة إلى الإهمال ونقص التوعية الدينية التي تساعد الآباء على تربية الأبناء التربية السليمة واحتضانهم وإرشادهم وتوجيههم.
وتعزو الدكتورة سامية الجندي –عميدة كلية الدراسات الإنسانية السابقة بجامعة الأزهر، وأستاذة علم النفس– انحراف الأحداث، خاصًّة في الوطن العربي إلى الأسرة، مؤكدة أن هذه الأسرة بنية اجتماعية تخلخلت في أساسها وفي أسلوب حياتها، نتيجة لتأثير التغيرات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة، والتي ارتبطت بالتطور الصناعي الهائل ضمن مفاهيم عصر السرعة، والبقاء للأقوى، ولم تتمكن الأسرة العربية من ملاحقة التطور التكنولوجي والمعرفي، وبالتالي فقدت السيطرة لا على أفرادها فحسب، بل حتى على بنيتها التقليدية، مما جعل قيم الانفلات والتملص هي أساسها القيمي والهيكلي، والانحراف والجنوح هما مسار أبنائها السلوكي.
وتطالب د. سامية الدول العربية – بمؤسساتها الرسمية والأهلية– بتسخير الإمكانات والطاقات للحفاظ على المجتمع وثرواته الشبابية تحصينا وإعدادا وتوجيهًا إلى جانب الاهتمام بتوعية المواطنين إعلاميًا بأهمية بناء الإنسان منذ طفولته وحتى شبابه إلى رجولته، لحمل المسؤولية والسير به إلى بر الأمان، كما تطالب المفكرين والعلماء والدعاة بالعمل في بوتقة واحدة الدراسة، ومعالجة مثل هذا الانحراف الاجتماعي.
وتقول الدكتورة نادية رضوان أستاذة علم الاجتماع بجامعة قناة السويس: «إن التعليم الإلزامي يُعد أفضل السبل لعلاج الظاهرة ومنع الأطفال من ارتكاب جرائم في حق أنفسهم وحق المجتمع، مطالبة بضرورة وجود برامج توعية مستمرة ودائمة من خلال وسائل الإعلام، مهمتها ترغيب الأطفال في الذهاب إلى المدارس والإقبال على الحياة السوية، مع ضرورة تلاحم دور الأسرة والمدرسة في وحدة واحدة، لأن كلًا منهما مكمل للآخر حتى لا يضطر الطفل إلى الانحراف».
وتشير إلى إمكانية مواجهة الظاهرة أيضًا عن طريق حماية الأسرة المسلمة بإنشاء لجان متخصصة على درجة عالية من الثقافة الدينية والاجتماعية والنفسية لحل مشكلات الأسر والاهتمام بالتربية الدينية، وتولي وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية تأمين حياة الأسر التي فقدت عائلها، ولأن المجتمع المسلم مجتمع يدعو إلى التكافل الاجتماعي، والتعاون على البر والتقوى، فإن على الأغنياء مد يد العون إلى أولـٰئك الأحداث ومساعدتهم على مواجهة الظروف التي قد تؤدي إلى انحرافهم.
وعن حل هذه المشكلة يقول الدكتور أحمد المجدوب –الخبير الاجتماعي: إن تفاقم هذه المشكلة أمر وثيق الصلة بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع، بالإضافة إلى إهمال الأسرة لدورها في بث التقاليد والعادات الأصيلة، خاصة بعد أن اقتصرت التربية لدى الآباء على توفير الملبس والمأكل دون الاهتمام بالالتزام بالقيم الدينية. ويؤكد أن العلاج ممكن إذا تضافرت جهود المؤسسات الاجتماعية، وقامت الأسرة بدورها في غرس العادات والقيم الأصيلة في الأطفال والشباب. ويطالب الأجهزة الإعلامية بضرورة تحري الدقة في اختيار ما يعرض، نظرًا لتأثيره الشديد على سلوكيات الشباب، مما يدفعهم إلى الانحراف، ولا ننسى أن فيلم «إحنا التلامذة» ناقش قضية ارتكاب مجموعة من الطلبة جريمة سرقة بنك بعد أن قرأوا تفاصيل جريمة مماثلة في الصحف.
عفوًا سيدتي.. إنه منظار البراءة!
ربما من أكثر الأخطاء التي تقع فيها الأم عملية إسقاط تصوراتها على أطفالها، وغالبًا ما تكون هذه الإسقاطات بعيدة عن الواقع من جهة وغير عملية من جهة أخرى، ناهيك عن مجافاتها للحقائق العلمية وأصول التربية السليمة.
خلال النصف الثاني من العام الأول والعام الثاني من حق الطفل أن يتدرب على عملية تغذية نفسه بشكل يتناسب مع كل مرحلة من مراحل تطوره، حيث يتدرج الأمر من مسك الأشياء إلى توجيهها نحو الفم إلى ضبطها بشكل أفضل، ويترافق ذلك مع عملية تلويث الملابس والطاولة والأرض، وكذلك الوجه والفم واليدين، وهنا نجد الكثير من الأمهات يستشطن غضبًا من ذلك، وينهون الأطفال، وقد يمنعنهم من تكرار التجربة ويتولين بأنفسهن عملية الإطعام من بدايتها إلى نهايتها، وقد يرافق ذلك عملية تثبيت لليدين.
أيضًا من المعروف أنه في السنة الثانية من العمر يظهر الطفل الكثير من العناد وخصوصًا أثناء الإطعام، ونجد الكثير من الأمهات لا يتفهمن هذه الحقيقة الفيسيولوجية فيقمن بتلقيم الطفل الطعام بالعنف والإكراه والصراخ، مما يفاقم القضية، ويزيد في عناد وغضب الطفل، ويستخدم ذلك كأسلوب للتحدي بشكل لا شعوري، وتتكون حلقة مفرغة لن تكسر إلا بتوافر الحكمة من طرف ما في العائلة.
القضية يكون ضررها أوسع في حال القيام بالزيارات، وهذه تكثر في العالم النسائي، وكثيرًا ما يرافق الأم أطفالها في زياراتها، حيث تبدأ مشكلاتهم من بداية التخطيط للزيارة وحتى نهايتها أو بعد نهايتها بفترة قد تطول، فعملية التجهيز للزيارة قد تتعب الأطفال لأن الأم تريدهم أن يظهروا بالشكل الذي تتصوره لهم وفق ما تشعر أنه يناسب الجيران والأقارب أكثر، ومن ثم تبدأ عملية تلقين التعليمات والمبادئ إذا جاز التعبير، ومن أمثلة ذلك: اعمل كذا. لا تعمل كذا، تصرف على هذا الشكل، لا تقبل إذا أعطوك قطعة فاكهة، وافق على ذلك، قم بالسلام على الشكل التالي، وهكذا قائمة طويلة من الإتيكيت، المسقط على طفل غير مؤهل له فيسيولوجيًّا، أما اللباس فحدث ولا حرج.
ولا تنتهي المطالبات المرهقة لا على الطريق ولا أثناء الزيارة، وخلال الزيارة تبدأ الغمزات والتأشيرات ليعيش الطفل في جو مرعب ومكهرب لو صح التعبير، وهذا ما يزيد من حدوث ما يدعونه به أخطاء من قبل الطفل، فقد تنكسر الكأس، وقد يسقط الطعام على الأرض، وقد.. وقد، وبعد الانتهاء من الزيارة قد ينال الطفل صفعة أو إهانة جارحة وهكذا تسير الأمور بشكل مخالف لطبيعة أو فطرة الطفل البريئة لسبب بسيط هو أننا نتجاهل طفولة الطفل، ونريده رجلًا كبيرًا أو امرأة مماثلة لنا نحن الكبار عمرًا، إننا نريده أن ينظر للحياة بمنظارنا نحن بينما المفترض أن ننظر نحن للأمر بمنظار الطفولة.
فهلا سمحنا لأنفسنا بالتنازل ولو قليلًا عن منظارنا من أجل هؤلاء الذين هم أمل المستقبل وفلذات الأكباد؟ وبالتأكيد لو حصل ذلك لكانت السعادة أكبر والبسمة أجمل والثمار أينع بإذن الله..
لم يعد بوسعي متابعة أولادي
أولادي الصغار، لا أكاد أجد وقتًا للجلوس معهم ومتابعة أحوالهم، وتوجيه سلوكياتهم وضبط تصرفاتهم، فالحياة شاقة والوقت قليل، والأعمال طاغية فالله يتولاهم.
بارك الله لك في أولادك ورزقك برهم وجعلهم ذرية طيبة، وقرة عين لوالديهم، آمين لكن ألا ترى أيها الأب الفاضل– أنك تقف على ثغر عظيم من ثغور الإسلام لقد حباك الله نعمًا وفيرة، ورزقك الصحة والعافية، والزوجة والسكن والولد والمال والوظيفة والأمان والاستقرار، وقبل كل ذلك رزقك الإسلام الذي هو أعظم نعمة وأكبر منة؛ ألا يستحق كل ذلك منك القيام بشكر المنعم، ومهام الاستخلاف في هذا الكون على الوجه الذي يريده الله منا؟ هل تظن– أيها الأب الفاضل– أن النبتة التي تترك للحشائش الدخيلة والحشرات الفتاكة وعوادي الطبيعة، ستصبح يومًا ما مثمرة يانعة فمهما كانت مشاغل صاحب الأرض، فإن عليه أن يتابع ويراعي، يقوي الزرع بالسماد يتعهده بالسقي يرشه بالمبيدات الحشرية، يهيئ له كل الأسباب التي تضمن نموه واشتداد عوده حتى يؤتي ثماره على أحسن ما يكون.
ولو تشاغل الزارع عن زرعه فالنتيجة معروفة، سينهشه البعوض، وستطغى عليه الحشائش، وسيكبر إن كبر بطريقة معوجة وثمار فاسدة، وسيكون هذا الزرع خسارة على صاحبه لأنه فوت على نفسه موسمًا كاملًا من مواسم الزراعة أقول لك: "استعن بالله ولا تعجز"، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة: 5) ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ﴾(غافر: ٦٠).
هل جربت الدعاء، لا على سبيل التجربة فحاش لله أن يختبر إنما على سبيل التذلل والتضرع إلى الله تعالى أن يعطيك القوة حتى تؤدي ما يجب عليك أن تؤديه، قائلًا: اللهم أعطني القوة التي تمكنني من القيام بما يجب علي القيام به؟
ثم بعد ذلك هل قدمت ما تطوله يدك، وما يتيحه وقتك؟
ليس المطلوب منك أكثر من ذلك أيها الأب الحبيب.
«إنما عليك الجهد إنما السيل اجتماع النقط».
«فمن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»
قدم شبرًا، أو ذراعًا، أو أكثر أو أقل المهم افعل ما تستطيعه، ابذل جهدك والله يوفقك ويعينك.
عبد العظيم بدران