العنوان الصومال بين الغطرسة الأمريكية وإعادة الأمل
الكاتب حسن حاج محمود
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
مشاهدات 100
نشر في العدد 1065
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
تتلاحق الأحداث في الصومال بسرعة مذهلة يصعب على المرء ملاحقتها؛ فتحول عملية "إعادة الأمل" المزعومة إلى عملية القمع والقصف الصاروخي وتلقيم أفواه الجائعين بالقنابل وترجيح كفة أحد أطراف الحرب الأهلية على حساب آخر، جعل الصومال مقبلة على حرب أخرى أشرس من السابق؛ فالقوات الأمريكية تملك قوة عسكرية متطورة جوًا وبحرًا وبرًا، بينما يملك خصمها العنيد اللواء محمد فرح عيديد مجموعات مسلحة تجيد حرب العصابات ولا تعرف إلى الخوف سبيلًا، فضلًا عن التجربة التي تجاوزت سنتين ونيف في الحرب الأهلية.
ومما لا
شك فيه أن القوات الأمريكية -رغم تفوقها العسكري وتمتعها بتأييد بعض القبائل
والأطراف كعلي مهدي محمد- فإنها ستتكبد خسائر فادحة في مواجهتها مع الصوماليين،
وليس معنى هذا أن اللواء عيديد يتمتع بشعبية داخل الصومال، بل ينبع التأييد الذي
يلقاه من كراهية الصوماليين للأمريكيين والغطرسة التي تمارسها على العالم
الإسلامي، بينما لا يحرك ساكنًا أمام المجازر البشعة التي يرتكبها الصرب ضد
المسلمين العزل.
وقد عرف
الصوماليون أن الأمريكيين لم يأتوا يومًا لمصلحتهم، وإلا فكيف يفسر الصمت الأمريكي
الذي استمر أكثر من سنتين تجاه الأزمة الصومالية؟ وكيف يفسر الصمت الأمريكي تجاه
المسلمين في البوسنة؟ انطلاقًا من هذه التساؤلات بالإضافة إلى المحاولات الأمريكية
لإفشال برنامج المصالحة الوطنية؛ كل هذه الأمور أوصلت الشعب الصومالي إلى قناعة
واحدة وهي أن الأمريكيين جاءوا لأغراض أخرى جلها المصلحة الأمريكية.
ويتساءل
كثير من المهتمين بالقضية الصومالية عن طبيعة الصراع الذي نشب بين القوات
الأمريكية واللواء عيديد، وعند الحديث عن هذه المشكلة لابد أن نتعامل مع الأسباب
لا مع النتائج؛ فاللواء عيديد رحب بالقوات الأمريكية خاصة بينما كان حجر العثرة
أمام قوات الأمم المتحدة، وقد علقت صورة اللواء عيديد مع الرئيس الأمريكي السابق
جورج بوش على جدران جنوب العاصمة عشية زيارته للصومال وكان الود متبادلًا بينهم
أمام الصوماليين الجياع، ولكن الأمريكيين تعاملوا مع اللواء عيديد على أنه أحد
قادة الحرب وبدأوا يوجهون اهتمامهم نحو شيوخ القبائل، وشرعت الأمم المتحدة ببناء
الحكومات المحلية في الأقاليم دون استشارة قادة الحرب بل استشارة شيوخ القبائل،
مما أزعج القادة العسكريين وجعل مستقبلهم السياسي مهددًا.
وأظهرت
الأمم المتحدة تعاطفها مع الجانب الآخر المنافس للواء لا لأنهم سياسيون بارعون بل
لأنهم لا يعرفون كلمة "لا"، وليس في ذاكرتهم إلا التخلص من عيديد، أما
مصلحة البلاد فهذا في يد "جون هاوا"؛ ووصلت الخلافات ذروتها يوم مقتل
القوات الباكستانية والعمليات الانتقامية التي أعقبتها وإطلاق النار على
المتظاهرين وقصف المستشفى العام في العاصمة مما أدى إلى تدمير غرفة العمليات
تمامًا.
وواصل
اللواء عيديد تحديه أمام الأمريكيين وما استطاعوا حتى الآن أن يعثروا عليه، بل إن
القوات الأمريكية تتعرض كل ليلة لقصف المدافع من قبل المسلمين الصوماليين، بل تطور
الأمر إلى الهجوم نهارًا على المواقع الأمريكية، بينما لا تتعرض القوات العربية
والإسلامية لأي هجوم من قبل الصوماليين، وتوزع المواد الغذائية في وسط الأحياء دون
خوف من أي اعتداء.
لقد حاول
كل من عيديد والولايات المتحدة تصعيد الموقف وإشراك الإسلاميين في سياسة المد
والجزر؛ فأعلن اللواء الجهاد ضد الولايات المتحدة وأصدر بيانات باسم الإسلاميين،
بينما الولايات المتحدة اتهمت السودان بمساعدة اللواء عيديد وأن إذاعته تبث من
السودان؛ فاللواء عيديد يريد أن يخيف الأمريكيين بشبح الأصولية الذي ترتجف
الولايات المتحدة من سماعه، وإلا فكيف يقود اللواء عيديد الجهاد وهو المسؤول الأول
عن عمليات الإبادة الجماعية التي حدثت في الصومال واستمرار الحروب الأهلية أكثر من
سنتين؟
إن على
الإسلاميين ألّا تعمي أبصارهم العداوة الأمريكية ويجب التخلص من سياسة ركوب
الموجات دون معرفة حقيقة الموجة وطبيعتها؛ فالشعب الصومالي محير بما فيهم
الإسلاميون والمثقفون، فمن المستحيل أن يتحول اللواء عيديد مجاهدًا بين عشية
وضحاها والشعب يعاني من الحروب التي سببها ولا ينتظر الخير من الأمريكيين. أما
الولايات المتحدة فقد وجهت اللوم إلى السودان مدعية أنها تساعد عيديد، وهذه ذريعة
تعهدها الولايات المتحدة للتدخل مستقبلًا في السودان وهي من باب سياسة ضرب عصفورين
بحجر واحد؛ فالسودان لديها ما يكفي من المشاكل ولكنها تشم رائحة الإسلام.
هذا ومن
جانب آخر بدأت الولايات بمضايقة اللواء عيديد اقتصاديًا من خلال إغلاق مطار الكيلو
متر (50) الذي كان ينزل منه القات، وبدأت تصنف الصوماليين حسب القبائل حيث يتم طرد
كل من ينتمي إلى قبيلة اللواء عيديد من وظائف الأمم المتحدة، وهذا إجحاف في حق
هؤلاء الأبرياء الذين يفصلون بسبب عرقهم وانتمائهم إلى قبيلة اللواء؛ وكل هذه
التصرفات لا تجدي لأن الأمريكيين يعرفون تمامًا أنهم لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا
في ظل هذه المواجهة.
وبعد
استشارات من قبل الصوماليين وجدوا الآن طرف الخيط الذي يمكن أن ينفذوا مؤامراتهم
من خلاله حيث بدأوا بجمع القوات المسلحة الصومالية السابقة بأعداد كبيرة ووعدوهم
برواتب مغرية وتسليحهم جيدًا ليتولوا مهمة قمع شعبهم وتأمين حماية الأمريكيين؛
وهذه القضية هي في منتهى الخطورة وقد ينجحون في تنفيذ مؤامرتهم على أيدي
الصوماليين.
وفي زحمة
هذه الأحداث في الصومال الحبيب ما موقف الإسلاميين الواعين؟ فالأحداث التي تحدث في
الصومال لا يمكن السكوت عنه.. لقد كان من بين أهداف التدخل الأمريكي للصومال إسكات
صوت الإسلاميين ومراقبتهم عن كثب بالإضافة إلى أهداف أخرى تنصب كلها في قالب واحد
وهو المصلحة الأمريكية؛ لقد بثت الأمم المتحدة شبكة واسعة من الجواسيس ينحصر
نشاطها في متابعة المساجد وأنشطتها وتتلقى يوميًا معلومات عن الإسلاميين من خلال
هذه الشبكة وتشمل الشبكة صوماليين وغيرهم، والاهتمام الذي يبذلونه للبحث عن تحركات
الإسلاميين لا يبذلون ثلثه للقبض على اللواء عيديد، ورغم هذا فإن الإسلاميين رفضوا
التدخل الأمريكي والوجود الأمريكي على تراب الصومال، وأوضحوا المخاطر التي تترتب
على هذا التواجد في ظل غياب حكومة صومالية، ووصل الأمر إلى أن يوزع في الصومال
«الآيات الشيطانية» وهو مترجم باللغة الصومالية، فضلًا عن توزيع لحوم الخنازير
عمدًا وما إلى ذلك.
إن
اللواء عيديد لا يمكن أن يكون قائدًا إسلاميًا، أو كما يصوره بعض السذج بطلًا
إسلاميًا بسبب تحرشاته مع الأمريكيين، وهذه حقيقة يعرفها كل من يتابع أحداث
الصومال خلال السنتين الماضيتين، كما لا يمكن أن تسعى الولايات المتحدة لمصلحة
الشعب الصومالي؛ ولذا يعيش الإسلاميون وسط بحر متلاطم الأمواج والغريق هو الشعب
الصومالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل