; الافتتاحية: ما الذي بقـي للعرب؟! | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: ما الذي بقـي للعرب؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 71

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 16-يوليو-1996

التصفيق الحار الذي حظي به «بنيامين نتنياهو» -رئيس الوزراء الإسرائيلي- خلال خطابه الذي ألقاه في الكونجرس الأمريكي يوم الأربعاء الماضي، لم يترك أية فرصة لدعاة الاستسلام أن يراهنوا على أي أمل باستمرار مسيرتهم في ظل برنامج حكومة «نتنياهو» الذي يأخذ من العرب كل شيء، ولا يبقي لهم شيئًا إلا الذل والهوان والرضوخ والاستسلام للهيمنة الإسرائيلية، ليس على مقدرات العرب وأرضهم ومقدساتهم فحسب، وإنما على إرادتهموقرارهم.

فالبرنامج الانتخابي الذي أعلنه «نتنياهو» والذي قرر فيه عدم التخلي عن الجولان وعدم تقسيم القدس، وأنها العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل، وعدم إيقاف الاستيطان، وعدم إيقاف العمليات الإرهابية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي ضد العرب، وعدم منح السلطة الفلسطينية أية سلطة سوى ما يعود بالنفع على إسرائيل وأمنها هو نفسه البرنامج الحكومي الذي أعلنه «نتنياهو» في الكنيست، وهو نفسه الذي أعلنه وزير الخارجية الأمريكي «وارن كريستوفر» أثناء زيارته لإسرائيل في الشهر الماضي، وهو نفسه الذي حمله معه إلى واشنطن في الأسبوع الماضي، حيث أعلن قبل سفره للولايات المتحدة أنه لن يغير ذرة من معتقداته وأضاف: «سأبلغ كلينتون بنفس الأشياء الأساسية التي وعدت بها الناخب الإسرائيلي»... فزيارتي لأكبر صديقة لإسرائيل لن تغير مقدار ذرة من معتقداتي العميقة أو من تعهداتي الأساسية التي قطعتها على نفسي أمام الناخب الإسرائيلي، ولن أحاول تملق أحد بهذه العبارات، حسم «نتنياهو» الأمور وطبق ما قاله بالفعل بعد وصوله إلى واشنطن، فلم يتملق «كلينتون» ولم يتنازل عن عبارة واحدة من برنامجه الحكومي، ووقف يوم الثلاثاء الماضي مع «كلينتون» في البيت الأبيض أمام الصحفيين ليكرر على مسامع الجميع أن الكل يجب أن يتكيف مع إسرائيل ومصالحها، وأن أمن إسرائيل فوق الجميع، ولم يملك «كلينتون» الذي سبق وخدع العرب بشعار «الأرض مقابل السلام»، إلا أن يكرر نفس عبارات «نتنياهو» تمامًا كما رددها وزير خارجيته «كريستوفر» في القدس الشهر الماضي، وقال «كلينتون»: إن السلام والأمن لا يمكن فصلهما، لأن السلام من دون أمن مستحيل، والأمن الحقيقي من دون سلام لا يمكن تحقيقه وكرر «كلينتون» التزام الولايات المتحدة أمن إسرائيل وتفوقها العسكري النوعي، وأعلن أنه لن ينجح أولئك الذين يسعون إلى التفريق بين الدولتين وخرج الناطق باسم البيت الأبيض ليرد على أولئك الذين زعموا بأن «كلينتون» قد أخفق أمام تشدد «نتنياهو»، وأعلن أن الرئيس الأمريكي قد حقق أهدافه من الزيارة، وأن «نتنياهو» رجل جاد للغاية» هذا هو موقف السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، أما السلطة التشريعية المتمثلة في الكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب فحينما ضرب «نتنياهو» بيده على الطاولة أثناء إلقاء خطابه في الكونجرس، وقال: «إن القدس لا يمكن أن يتم تقسيمها أبدًا.. أبدًا.. وستظل يهودية وموحدة للأبد».

قام أعضاء الكونجرس بمجلسيه والحضور منالدبلوماسيين والضيوف، وظلوا يصفقون بحرارة وقوفًا لمدة طويلة في إقرار واضح لبرنامج نتنياهو الذي لا يحمل سوى لغة واحدة، إما الحرب أو الاستسلام لشروط إسرائيل وضغوط أمريكا، وكان «نتنياهو» قد عبر عن ذلك قبيل سفره لواشنطن، حيث قال: «ما يجري الآن هو أن العرب سوف يتكيفون.. الفلسطينيون والسوريون وغيرهم يتكيفون مع الواقع الجديد، ويضطرون إلى البدء في التساهل من أجل التغيير».

ومن المؤكد أنه لم يدفع «نتنياهو» إلى ذلك سوى التخاذل العربي إزاء حقوق العرب والمسلمين في فلسطين، والقدس والجولان، وجنوب لبنان، فالمسيرة الانهزامية الاستسلامية التي بدأها السادات في عام ١٩٧٧م في التي جعلت اليهود يصلون إلى تلك المرحلة من الصنف والعنجهية والسخرية بالعرب ومقدراتهم وحتى قرارهم، وإذا كنا لا تتعجب من السلوك الإسرائيلي والتواطؤ الأمريكي، فإننا في عجب من التخاذل العربي والتعليقات المتهافتة والضعيفة، على ما صرح به «نتنياهو» وما أقرته الولايات المتحدة، ولا ندري ما الذي يمنع العرب من إعادة ترتيب صفوفهم لمواجهة القرارات التي أعلنها «نتنياهو» عليهم، لاسيما وأن الصهاينة لم يتجرؤوا على العرب إلا بسبب ضعف العرب وتشرذمهم وتلهفهم على استرضاء الصهاينة، وإقامة العلاقات معهم على حساب دينهم وشعوبهم وتاريخ أمتهم العريق.

إن جذوة الإيمان وحب الجهاد في سبيل الله والشهادة لم تخب في نفوس أبناء الأمة المسلمة، وإنها السلاح الذي يرهب الصهاينة ويرعبهم، كما أن العرب يملكون كافة المقومات التي تجعل اليهود وحلفاءهم يرضخون للحق العربي السليب، فمن حيث عدد السكان يزيد العرب على ۲۳۰ مليون نسمة، علاوة على بعد استراتيجي إسلامي يبلغ 1,3 مليار نسمة، فيما لا يزيد الصهاينة عن أربعة ملايين وتبلغ مساحة العالم العربي ١٤ مليون كيلو مترًا مربعًا، يدعمها مساحات شاسعة لدول العالم الإسلامي فيما لا تزيد الرقعة التي يسيطر عليها الصهاينة، وهي أرض فلسطين عن ٢٧ ألف كيلو مترًا مربعًا، كما أن العرب يملكون ثروة تدور في البنوك العالمية تزيد على ٧٠٠ مليار دولار، وكذلك يملكون 55% من الاحتياطي العالمي للنفط الذي أثبت جدواه كسلاح في حرب عام ١٩٧٣م، وعلاوة على كل ذلك يملكون دينًا قويمًا، وقرآنا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار يحذرهم من اليهود وشرورهم ويربي فيهم حب الجهاد والشهادة في سبيل الله.

إنه لم يعد للعرب بعد الآن سوى أن يفيقوا من سُباتهمويعودوا إلى ربهم ويعملوا لمصلحة أمتهم تمامًا كما يعمل نتنياهو لمصلحة اليهود عند ذلك فقط سوف يستعيدون العزة ويرهبون عدو الله وعدوهم، أما إن تخاذلوا واستمروا في استجداء أمريكا واستعطاف اليهود فإن وعد الله لا يتغير وسننه لا تتبدل:﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِهِۦ فَسَوفَ يَأتِي ٱللَّهُ بِقَوم يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلمُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَائِم ذَٰلِكَ فَضلُ ٱللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المَائـِدَة: 54) 

الرابط المختصر :