العنوان أبعاد الحملة الصهيونية في أمريكا ضد حركة «حماس» «1 من 2»
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
مشاهدات 58
نشر في العدد 1123
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
- عضوان في الكونجرس الأمريكي يقومان بحملة لفرض حظر على دخول أعضاء حماس إلى أمريكا
- الولايات المتحدة تخضع للضغوط الصهيونية فتقطع علاقتها بحماس وتضع اسمها ضمن قائمة الإرهاب
في الوقت الذي بدأ فيه الجانب السياسي الإسلامي المعاصر نهضته منذ مطلع القرن العشرين، نجد أن المراقبين في الدوائر الغربية لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط يميلون إلى فهم الصحوة الإسلامية من خلال منظور الثورة الإيرانية في عام 1979م، أما أولئك الذين لهم إلمام أوسع بحقائق الاتجاه الإسلامي والذين يقفون ضده بوضوح، فقد نجحوا في تهميش الطروحات الإصلاحية للحركة الإسلامية وصاروا يركزون الضوء على نشاطاتها في الرفض والمقاومة، ابتداءً من المعارضة السلمية لحركة الإخوان المسلمين إلى العصيان المسلح لحركة الجهاد الإسلامي.
وهذا التركيز الإعلامي يتعزز بالتحليلات غير الصحيحة، مما يؤدي إلى خلق غول خرافي «chimera» وتصوير الأصولية وكأنها تسعى إلى الهيمنة على العالم، ومثل هذا التضخيم لخطر غير موجود يتجاهل أسباب ازدياد السخط المدني، ويصاحبه تصوير مخل ومخجل واتهامات غير مؤسسة، وفي الوقت الذي يمكن أن يكون فيه إطلاق الاتهامات المضادة بوجود مؤامرة سياسية - إعلامية مشتركة ضد الإسلام نوعًا من التبسيط والتخلف، فإن هناك اتجاهات في تلك المجالات مبنية على العاطفة أكثر من الحقائق، ولذلك فإن الغرب تهيمن عليه الثقافة اليهودية -المسيحية «Judeo-Christian» ويقيس طبيعته التقدمية بالمعيار الليبرالي والعلماني للتطور الثقافي والاجتماعي.
إن مناطق شمال إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى هي في الواقع نتاج للتاريخ الإسلامي، وتصوغ نظرتها للعالم من تلك الشخصية. ومثل ذلك الاختلاف والافتراق الظاهر يجعل من السهل تطوير روح العداء أكثر من بناء جسور الاتصال والتعاون والتعايش.
ومن الخطورة المبسطة بمكان اختلاق قصص عن وجود خلايا «إسلامية» سرية توجهها قيادة مركزية ذات أيديولوجية أصولية متطرفة، وإن محاولات التأثير والتوجيه من هذه الشاكلة منتشرة في الأوساط الإعلامية والأكاديمية الأمريكية التي تهتم بالتعليق على الشئون الخارجية، وتعتبر هذه الأوساط من الخطورة بمكان عندما تكون مؤثرة على مواقع صنع القرار السياسي.
إن هناك أطرافًا لا تبحث بالضرورة أين تقع المصالح الضرورية للولايات المتحدة الأمريكية، وتلحق بالتالي أضرارًا لا داعي لها بالعلاقات بين الولايات المتحدة وشعوب العالم الإسلامي، ومن الأمثلة على النوايا المشكوك فيها تلك الوثائق والتقارير المشبوهة التي صدرت منذ عام عن اليهودي يوسف بودانسكي وفوجن فوريست من لجنة المهمات الخاصة بالإرهاب - والتي تعمل تحت مظلة لجنة البحوث التابعة للحزب الجمهوري في مجلس النواب - تلك التقارير التي قام بودانسكي فيما بعد بنشرها في كتابين بعنوان «استهداف أمريكا: الإرهاب في الولايات المتحدة اليوم» و«الرعب: قصة التآمر الإرهابي في أمريكا».
"إسرائيل" والإسلاميون
في الوقت الذي يكون فيه لأي مجموعة إرهابية دافع، رغم عدم وضوحه، في الهجوم على الولايات المتحدة، فإن "لإسرائيل" دوافع مماثلة للانتقاص من دور الإسلاميين، بدءًا بالمعتدلين وانتهاءً بالمتشددين، لذلك، فإن المراقبين العرب والمسلمين - الخبراء منهم والعاديون - لا يستبعدون وجود أهداف ونوايا "إسرائيلية" مبنية للإيقاع بين الغرب والمسلمين، "فالإسرائيليون" من جانبهم لم يكونوا مدركين للخطر الإسلامي إلى أن حدث الانفجار وخرج المسلمون في فلسطين من شرانقهم بقوة، لتحدي عسكر الاحتلال وآلته مع موجة الانتفاضة الجهادية المباركة في عام 1987.
ومع تنامي الحركة الإسلامية داخل الأرض المحتلة وازدياد شعبيتها وتنظيمها، غيرت "إسرائيل" سياستها من التسامح والتعامل مع هذه الحركات كندٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية وفروعها المختلفة، وكسبت حركة حماس ومنظمة الجهاد الإسلامي شهرة عالمية منذ أحداث الإبعاد الجماعي للفلسطينيين في ديسمبر 1992 بتهمة علاقتهم بقيادة التنظيمات المذكورة. إن محاولات "إسرائيل" تصوير هؤلاء الإسلاميين - ومعظمهم من صفوة المتعلمين «التكنوقراط» - بأنهم إرهابيون، قد قوبل بالشك أو على الأقل بالانتقاد، وإن مبالغة "إسرائيل" في وصف الإسلاميين بالعدوانية كانت تهدف إلى تبرير تجاوزاتها غير المبررة.
إن الحكومة "الإسرائيلية" لم تعتمد فقط على أسلوبها المحلي في مقاومة الحركة الإسلامية، فقد ركزت على حملة تشويه ضخمة إما بمبادرة منها أو بواسطة مؤيديها، ووصف حاييم هيرتزوغ رئيس دولة "إسرائيل" السابق، المد الإسلامي بأنه «مرض» ينتشر ويستفحل بسرعة ويشكل خطرًا «إنترناشيونال هيرالد - تريبيون - 29 مارس 1992».
وعندما تحدث إسحق رابين رئيس وزراء "إسرائيل"، أمام اللجنة الأمريكية - "الإسرائيلية" للعلاقات العامة (إيباك) في مارس 1993 قال: «شكرًا جزيلًا لكم على قراركم بالذهاب إلى الكونجرس لإقناع أعضاء مجلس الشيوخ والنواب بحاجة "إسرائيل" في هذا الوقت لضمان تأييد الولايات المتحدة الأمريكية لجهود "إسرائيل"، كما ذكر الرئيس بالتقليل من المخاطر التي تتهددنا ودعمنا عسكريًا واقتصاديًا، وفهم تهديدات الإرهابيين من المتطرفين الإسلاميين ليس فقط "لإسرائيل" بل لكل الأنظمة المعتدلة.. إن على الولايات المتحدة أن تستمر في تأييدها، وأن تؤكد للمنطقة ودول المنطقة أنها على استعداد لدعم أولئك الذين يبحثون عن السلام، ويبدون استعدادهم لإجراء الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تحاول احتواء ذلك الاتجاه الخطير الذي تسير فيه الأنظمة الأصولية الإسلامية الإرهابية والدول التي تساعدها».
إن ملاحظات رابين تتسق مع سياسة الدولة اليهودية التي تحاول تقديم نفسها على أساس أنها القلعة الحصينة التي تقف أمام خطر داهم يتهدد الأمن الدولي.
إن تناول رابين لمفهوم خطر المتشددين الإسلاميين ليس على اليهود وحدهم بل على العالم بأسره قد اصطدم بحقيقة إدراك الأسرة الدولية للمذابح التي يتعرض لها الإسلاميون، ومع ذلك فإن رابين يتمادى بالقول: «إن نضالنا للإرهاب الإسلامي الشرس يعتبر أيضًا تنبيهًا للعالم الذي ينام في حالة استرخاء تام.. إن هذا خطر حقيقي وداهم يهدد السلام الدولي خلال السنوات القادمة، واليوم نقف في خط المواجهة ضد خطر الأصولية الإسلامية»، ولذلك فإن استراتيجية إسحق رابين لم تخف على مراقبي شئون المنطقة. يقول محررو مجلة «ميدل إيست ريبورت - مارس - أبريل 1993»: «بالنسبة لرابين ورفاقه، فإن الجناح العسكري لحركة حماس له فائدة عظيمة، لأنها تخرج منظمة التحرير الفلسطينية عن الموازنة، وإن كل المخاوف الإرهابية، والتجاوزات التي كانت تُعزى لمنظمة التحرير الفلسطينية أو الفلسطينيين، يمكن أن تُنسب إلى حماس والأصوليين الإسلاميين».
إن السبب في مثل هذا التحليل يمكن تلمسه مثلًا من منشور للقنصلية العامة "الإسرائيلية" في شيكاغو قامت بتوزيعه، ويتضمن التعليق على ميثاق حركة المقاومة الإسلامية «حماس» ومقتطفات منه، مثل «إن الأصولية الإسلامية الراديكالية هي حركة اجتماعية صفوية تتميز بعدائها المتشدد للحداثة والعلمنة في كل مناحي الحياة».
ويبدو أن المخاوف "الإسرائيلية" قد أصبحت ذات عدوى سريعة الانتشار، فقد اكتسحت الادعاءات "الإسرائيلية" الباطلة العديد من رجال الكونجرس، فالعضوان بيتر دويتش وجيمس ساكستون ومعهما عضوان آخران من الكونجرس قاموا بشن حملة اقترحوا فيها إدانة كل من يقوم بجمع تبرعات لأغراض إسلامية في الأرض المحتلة، وكان الهدف من ذلك الاقتراح بالطبع فرض حظر على دخول أعضاء حركة حماس إلى الولايات المتحدة، والمبرر لتقديم مثل هذا الاقتراح يعتبر خطيرًا، ففي خطابهم الذي يطلب التأييد، تحدث أعضاء الكونجرس المذكورون أولًا عن حادث تفجير مبنى المركز التجاري الدولي ثم قاموا بتوجيه الاتهامات التي لا تستند إلى أدلة.
وجاء في خطابهم أن «المتهمين بحادث تفجير المركز التجاري الدولي لديهم علاقات وثيقة بالجماعات الإسلامية الأصولية المتشددة، وإحدى تلك الجماعات، وهي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تعمل من داخل الولايات المتحدة».
ومن الجدير بالذكر أن الاتهام الرسمي الوحيد الذي ربط بين حركة حماس وحادث تفجير المركز التجاري قد جاء من «مسئولي المخابرات "الإسرائيلية"» الذين ذكروا لصحيفة «إيفنينج ستاندارد» اللندنية أن خطط التفجير قد أعدت في «اجتماع قمة إرهابي»، دام لمدة أربعة أيام في إيران في شهر فبراير 1993، حيث وافق مؤيدو حماس على استراتيجية تفجير المباني الضخمة!! و نسبة لضآلة الأدلة التي تربط بين أية مجموعة إسلامية وحادث تفجير المركز التجاري الدولي، فإن الحماس الذي أظهره أعضاء الكونجرس المذكورون لإلحاق الضرر بحركة حماس يعكس انعدام المبررات المنطقية.
إن رغبة بعض المسئولين الأمريكيين في قبول معلومات غير مؤكدة تنبع في المقام الأول من الحوار الذي يتخذ نهجًا واحدًا.. إن الولايات المتحدة، وتحت ضغوط من "إسرائيل" واللجنة الأمريكية - "الإسرائيلية" للعلاقات العامة «إيباك»، على الأرجح، قامت بقطع علاقاتها مع حركة حماس، وضمنت اسم الحركة في التقرير السنوي الصادر عن وزارة الخارجية بشأن الإرهاب الدولي، وقد أعرب أعضاء حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عن استيائهم من القرار، ولكن بعض قادتها قالوا إنهم لم يندهشوا من تلك الخطوة، ووضح من البيانات اللاحقة لحركة حماس عدم رضاهم عن السياسات الأمريكية: «إن القرار ينافي المنطق ويقوض حقوق الأفراد والجماعات في التعبير عن آرائهم الأيديولوجية والسياسية بحرية.. فهل يعني هذا القرار أن الإدارة الأمريكية قد وضعت كل شعبنا في قائمة الإرهاب؟».
إن الموقف الأمريكي يلقي بظلال من التعتيم والتشويش على ذلك الكم الهائل من الوثائق القانونية المعترف بها دوليًا والتي تبيح للشعوب مقاومة الاحتلال. إن تأثير الإعلام الموالي "لإسرائيل" واللجنة الأمريكية - "الإسرائيلية" للعلاقات العامة «إيباك» إضافة إلى الهجوم، قد قاد إلى التأثير على القرار الدبلوماسي الأمريكي بطريقة أو بأخرى.
إن الصحافة اليهودية كانت تركز حملتها الضارية على الإسلاميين خاصة حركة حماس، وترى أن كل المسلمين هم حلقات في سلسلة واحدة.. يقول إري ستاف محرر المجلة العبرية نصف الشهرية «ناتيف - Native» في مقال بعنوان «التهديد الإسلامي للعالم الغربي»: «إن المبادئ الإسلامية تقدس الجهاد، ليس فقط في إيران وليبيا ودول النفط الخليجية الغنية، بل حتى في الدول الفقيرة مثل مصر وسوريا التي تكدس الأسلحة المتطورة بكميات مهولة».
وأصدر آلون بن مائير المحلل السياسي، عددًا من المقالات حول موضوع الأصولية الإسلامية، ادعى فيها أن الإسلاميين يستغلون حالة الفقر في كسب الأتباع لصفوفهم، ووصفهم بأنهم طغاة متوحشون يسعون إلى السلطة والمال «كريستيان - ساينس مونتور - 26 أبريل 1993».
وبالنسبة للشئون الفلسطينية، فإن الصحف مثل «جيروزاليم ريبورت» و«كومنتري – Commentary» و«ميد ستريم – Midstream» و«جويش فرونتير - Jewish Frontier»، والتي تعكس وجهات نظر الصقور والحمائم في "إسرائيل"، قد أغرقت صفحاتها في بحور من المقالات والموضوعات عن الإسلاميين وحماس.
وظل الطرح السائد هو التقليل من أهمية وشعبية حركة حماس من ناحية، ووصفها من ناحية أخرى بأنها حركة تدعو إلى العنف والتشدد والإرهاب، وبعيدة عن المشروعية والتفاهم السياسي.. ويقول إيهود يا عاري، المحلل السياسي "الإسرائيلي": «لقد ظهرت حماس كحركة سرية ذات حجم متوسط، ورغم عنفها اللامحدود، فإن أقلية تتراوح ما بين 20 و25% من الفلسطينيين يؤيدونها ويؤيدون أسلوبها «الإرهابي» ورفضها المتشدد لأي مفاوضات مع "إسرائيل"، باعتبار أن "إسرائيل" هي دولة غير إسلامية. ويقدر الفلسطينيون أن ما بين 40 و45% من بين 18 مليون عربي في الأراضي المحتلة هم من مؤيدي حماس» «جيروزاليم ريبورت - 14 يناير 1993م».
ورغم أن "إسرائيل" تحاول تصوير «حماس» على أنها «منظمة إرهابية» بالرغم من أن الحركة حتى الآن لم تستهدف غير الأهداف العسكرية "لإسرائيل" فقط، يقول محمد نزال ممثل «حماس» في الأردن، ردًا على قرار وزارة الخارجية الأمريكية: «إن أية عملية تم تنفيذها مؤخرًا هي موجهة في الأساس إلى الأهداف العسكرية فقط، وليس هناك أي شيء في سجلاتنا العسكرية يوضح تورط الحركة في أي مواجهة خارج المناطق المحتلة، وإن «حماس» حريصة جدًا على تفادي قتل المدنيين الأبرياء».
وقد أصدرت «حماس» بيانًا في 22 ديسمبر 1992 أكدت فيه: «إننا لا نقتل أحدًا من غير العسكريين، بالرغم من أنهم يقومون بقتل نسائنا وأطفالنا»، ومع ذلك، فإن الحملة "الإسرائيلية" لتشويه صورة «حماس» لم تتوقف أبدًا.
وقامت مجموعة يهودية تسمي نفسها مجموعة «FLAME» - درجت على نشر مقالات دعائية مدفوعة الأجر تسيء إلى العرب - بشراء حيز للتشهير بالإسلاميين وتبرير عمليات الإبعاد التي اتخذتها "إسرائيل" ضدهم.. وفي شرحها لكيف أن «حماس» منظمة إسلامية أصولية إرهابية، أشارت الدعاية إلى حسن النوايا "الإسرائيلية"، وحقيقة أن "الإسرائيليين" قد سمحوا لما يُسمى بالانتفاضة أن تستمر لعدة سنوات، وأنهم أبعدوا فقط ولفترة زمنية محددة عددًا يفوق 400 من القياديين من إرهابيي «حماس»، وإن هذه شهادة الإنسانية "إسرائيل"!! وانضم إلى هذه الجوقة عدد من كبار الشخصيات اليهودية والموالية للصهيونية، بالرغم من عدم امتلاكهم للمؤهلات الكافية في الشئون الإسلامية، إلا أن الجامع بينهم هو الحقد على الإسلام، فقد كتب م. روزينتال تعليقًا مثيرًا للعاطفة حول هذه المسألة، كما دبج رولاند إيفانز وروبرت نوفاك مقالًا بأن «الإبعاد قد يعطي حماس مزيدًا من التأييد بحيث يرجح كفة حماس مقابل منظمة التحرير الفلسطينية، وبصورة حادة لصالح الأصوليين، والذين يبث «ملآليهم» مفهوم الحقد والسم المدسوس ضد "إسرائيل"، ويهددون بقتل الفلسطينيين المفاوضين!!»، إن ما يثير السخرية في تلميحات وإشارات هؤلاء الكتاب والصحفيين أنها انعكاسات لأحقاد دفينة لدى البعض منهم ليس إلا .
إن التأكيد أن حماس قد هددت بقتل مفاوضي السلام لم يثبت بالدليل ولم يتحقق على أرض الواقع، ويتهم جاك أندرسون ومايكل بينستين «حماس» بأنها أصدرت أوامر سرية لتصفية الفلسطينيين الذين شاركوا في مفاوضات السلام، ولو صح هذا وأن «حماس» اتخذت قرارات سرية، فإننا نتساءل: كيف عرف هؤلاء الصحفيون تلك القرارات؟ خاصة وأن شين بيت (Shin Bet) - المخابرات "الإسرائيلية" - قد فشلت في اختراق «حماس» ولم تحقق أي نجاحات تذكر. إن محاولة إخفاء الحقائق بكلمات زائفة ليست تكتيكًا يستعمله الصحفيون فقط، فقد استغل بعض المحررين مواقع نفوذهم وسيطرتهم على هيئة التحرير لتمرير مثل هذه الادعاءات والأحقاد.
يقول مورتايمر زوكرمان: «إن حماس وهي منظمة إسلامية أصولية، قد قتلت أحد عشر "إسرائيليًا" في العام الماضي، منهم ستة قتلوا خلال ثمانية أيام ومن بينهم رجل الشرطة "الإسرائيلي" الذي طُعن حتى الموت داخل حدود "إسرائيل" لما قبل عام 1967، وكان الستة من أفراد الجيش "الإسرائيلي"، أما رجل الشرطة "الإسرائيلي" فقد كان من حرس الحدود»، إن أسلوب زوكرمان في إخفاء الهوية العسكرية للأحد عشر "إسرائيليًا"، ومحاولته استثناء أية إشارة إلى عدد القتلى من المدنيين الفلسطينيين، هو في الواقع أسلوب يتسق مع الأسلوب الخبيث في الكتابة والتحرير، والذي أصبح أمرًا متبعًا في كبريات مصادر الأخبار. إن عدد القتلى من الفلسطينيين خلال الفترة التي أشار إليها زوكرمان تجاوز خمسة أضعاف عدد القتلى من "الإسرائيليين"، فلقد قتل "الإسرائيليون" 67 عربيًا بينما قتل العرب 12 "إسرائيليًا" منذ إبعاد الإسلاميين إلى جنوب لبنان.
وهكذا، فإن معظم الحجج التي ذكرت ضد الإسلاميين وعنفهم تبدو تافهة بالمقارنة مع عدد الذين قتلوا برصاص القوات "الإسرائيلية"، والتي قتلت ثلاثة وعشرين فلسطينيًا في ديسمبر 1992 فقط، لذلك يتضح لنا أن الأكاذيب والادعاءات تعطى وزنًا أكبر من الحقائق.
ومن الأمثلة على ذلك هو الربط بين أكذوبتين، وهما أن حماس لديها قاعدة عمليات داخل الولايات المتحدة، كما أنها تورطت في حادث تفجير المركز التجاري الدولي!! لقد أصبحت الصحافة اليهودية تردد بطريقة ببغاوية ما تصر "إسرائيل" على ترديده من الأكاذيب، مثل ارتكاب «حماس» لمثل تلك الأفعال. إن الفقرة الأولى من مقال نشرته صحيفة «كليفلاند جويش نيوز» في 15 يناير 1993م تكشف عن رغبتها في إيجاد علاقة قسرية حيث لا توجد مثل تلك العلاقة: «إن المسئولين "الإسرائيليين" يعضون على ألسنتهم وهم يحاولون تفادي التفوه بجملة «ألم نقل لكم ذلك؟»، وذلك عندما طفح إلى السطح موضوع حادث تفجير المركز التجاري الدولي، وبأنه من فعل بعض المتطرفين الإسلاميين».
إن "إسرائيل" ظلت على الدوام تحذر من وجود علاقة بين حركة حماس «المتطرفة من وجهة نظرها» والولايات المتحدة حتى قبل اعتقال اثنين من الفلسطينيين الأمريكيين في "إسرائيل" في يناير 1993م بتهمة توزيع أموال وتسليم أوامر في أعقاب إبعاد 415 من ناشطي حركة حماس.
ولكن هنا تغيب العلاقة المنطقية بين هذا الحادث وحركة حماس، فبالنسبة لكثير من مؤيدي "إسرائيل" من الأمريكيين، فإن حادث تفجير المركز التجاري الدولي قد وفر كل الأدلة لتقوية ادعاءاتهم واتهاماتهم بأن حماس قد أقامت قاعدة عملياتها داخل أراضي الولايات المتحدة.