; الجزائر.. التيار الإسلامي وتحديات الواقع | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر.. التيار الإسلامي وتحديات الواقع

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989

مشاهدات 72

نشر في العدد 910

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 28-مارس-1989

  • التيار الإسلامي في الجزائر هو التيار الأصيل المدافع عن القيم!
  • ضرورة التعاون والتنسيق بين الرابطة والجبهة الإسلامية من أجل جزائر مسلمة!
  • التيار الإسلامي قادر بإذن الله على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية

الجزائر درة المغرب العربي وجوهرته.. يسكنها شعب مسلم أبي، ضحى خلال سبع سنوات من الجهاد بحوالي مليونين من الشهداء حتى حصل على استقلاله.. ليحقق مجتمعًا مسلمًا.. وإذا كان الاستقلال لم يحقق له أهدافه المشهودة.. فها هو في نهاية الثمانينات يحاول أن يكون له ثقل في الأحداث.. وها هو يثبت وجوده بدفاعه عن الحريات ومطالبته بالتعددية ووقوفه إلى جانب الإسلام والدعاة إلى الله.

  • الحرية وطبيعة الجزائريين!

الجزائريون ميالون إلى الصمت، لكنه الصمت الواعي؛ لان طبيعة الجزائري باعتباره مسلمًا خاصة تميل إلى الحرية، ولذا فإن كل جزائري يعتبر أن فتح باب التعبير بعد سنوات طويلة من الكبت هو أمر حتمي حتى ولو أدى إلى بعض المضاعفات الجانبية.. فالجزائريون اليوم يدخلون لعبة التعددية السياسية بدون أي حذر؛ رغم أن الدولة ما زالت حذرة في خوض التجربة بشكل واسع.

واليوم تظهر الجمعيات السياسية في كل مكان.. وأصبح الصحفيون هم أول من يدعو إلى الحرية بعد أن كانوا لسان السلطة الحاكمة السابقة. أما الإسلاميون أو التيار الإسلامي في الجزائر فهو الداعي حقًّا إلى الحريات؛ لأنه تيار أصيل يعبر عن الشريعة الإسلامية القائلة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ (الحجرات: 13).

والدليل على رغبة الشعب في الحريات تكوين روابط تشبه الأحزاب السياسية للتعبير عن الرأي.. ففي 11/ 2/ 89 تأسس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ثم ظهرت إلى الوجود رابطة الدعوة الإسلامية.. وبعد ذلك ظهرت جهة الخلاص الإسلامية، وهكذا حيث كان الجميع متفق على أن أي تقييد للحرية هو أمر لا يمكن تبريره، سواء كان ذلك لاعتبارات اقتصادية أو سياسية.

  • ولادة جبهتين إسلاميتين:

تناقلت وكالات الأنباء مؤخرًا تكوين جبهتين للتيار الإسلامي في الجزائر، إحداهما رابطة العمل الإسلامي والثانية جبهة الخلاص الإسلامية.. ولكلتاهما الرابطة والجبهة قضية واحدة وهي إقامة المجتمع المسلم الفاضل الذي يستمد أسسه ومبادئه من الشريعة الإسلامية السمحاء، بحيث يكون هذا المجتمع بديلًا عن الواقع المر الذي عاشه الشعب الجزائري منذ الاستقلال حتى حوادث أكتوبر ١٩٨٨. إن التيار الإسلامي مرشح لمهام كبرى ينبغي أن يكون على مستواها.

  • إثبات وجود:

إن ولادة الرابطة الإسلامية وجبهة الخلاص الإسلامي في الجزائر ليعتبر من أهم الأحداث بعد الانتفاضة في أكتوبر ١٩٨٨؛ إذ على الرغم من كبت الحريات في الفترة السابقة، وتزايد نمو الانحلال والفساد الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والسيطرة التامة من قبل الدولة على المساجد ومنع الشباب من الدعوة إلى الله، وإطلاق الدعايات المغرضة.. أقول: على الرغم من ذلك فقد نما التيار الإسلامي نموًّا مثيرًا للدهشة حتى أثبت وجوده مؤخرًا بولادة الرابطة والجبهة.

  • ضد التبعية:

التيار الإسلامي في الجزائر تيار أصيل.. يستمد أصوله من الكتاب والسنة؛ أي من الشريعة الإسلامية التي تحارب أحكامها كل تبعية لشرق أو لغرب، وهكذا فقد صرح عدد من المسئولين عن الشباب المسلم بعد ولادة الرابطة والجبهة على أنه ابتداء من تأسيس هاتين المنظمتين الإسلاميتين باعتباره حدثًا تاريخيًّا بارزًا لن يبقى المسلم كائنًا هامشيًّا، ولن يقبل أن يكون شيئًا أبكم تقوده عواصم الشرق والغرب.. وسوف يسعى هذا الشباب المسلم منذ اليوم إلى محاربة التبعية وإنهاء عهود التخلف.. وهذا يعني أن تأسيس منظمتين للتيار الإسلامي يعني ضرورة طال انتظارها حوالي 30 عامًا.

  • بديل عن الأيديولوجيات!

يسعى التيار الإسلامي برابطته وجبهته الإسلاميتين إلى إحلال الإسلام محل الأيديولوجيات المستوردة، فقد كفى الشعب الجزائري ما دهاه من أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وأخلاقية بسبب استيراده للأيديولوجيات الغربية والشرقية التي جعلته يتخبط في المشكلات على مدى حوالي ثلاثين عامًا خرج منها منهك القوى، ديون دولية.. فقر.. بطالة.. تضخم.. فساد اجتماعي.. انحلال خلقي.. إلخ.

إن الإسلام يقدم الخيار الكامل والشامل البديل للوضع الحالي المطبوع بالمشكلات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وما على الشعب الجزائري إلا أن يقف بالمرصاد تجاه أية محاولة لاستيراد مذاهب خارجية وأيديولوجيات شرقية أو غربية.

  • تكامل بالتعاون والتنسيق:

أكد المؤسسون لرابطة الدعوة الإسلامية وجبهة الخلاص الإسلامي أن العمل الإسلامي في الجزائر سوف يشجع روح المبادرة عند الإنسان الجزائري وسوف يهدف إلى تخليص الإنسان من نزعته الأنانية، وطبعًا فإن هذه الأهداف وغيرها تفرض نوعًا من التكامل بين الرابطة والجبهة.. بحيث تؤدي كل واحدة منها واجبها بالتعاون والتنسيق مع الأخرى لخدمة الأهداف.

إن روح التكامل والتعاون والتنسيق ستمنح التيار الإسلامي جدية وفعالية يمكن بواسطتها أن يزيد من سرعة نموه، ويكون بذلك قد برهن على أنه استفاد من تجارب الحركات والجماعات الأخرى في العالم العربي والإسلامي.. فالتعاون والتنسيق أساس كل عمل ناجح بإذن الله.

  • تحديات الواقع:

يواجه التيار الإسلامي في الجزائر العربية المسلمة تحديات كثيرة على المستوى الداخلي والخارجي، وبشكل كمي ونوعي؛ ذلك أن تراكمات الفترة التي تلت الاستقلال ولمدة ثلاثين عامًا بالتقريب كانت واسعة حيث تشابكت عوامل كثيرة لزيادتها على المستوى الكمي والنوعي.

ومن المعلوم أن الجزائر قد عانت من استعمار دام حوالي قرن ونصف من الزمان، وكان هذا الاستعمار من نوع خاص حيث مارس فيه المستعمرون شتى أساليب التجهيل والتقتيل والإفساد وزعزعة العقيدة وقتل اللغة، وبكلمة أخرى إفناء الشعب الجزائري واعتبار بلاده جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الفرنسية، لهذا جاءت التحديات التي سيواجهها التيار الإسلامي من الضخامة بمكان؛ لأنها خلاصة تراكمات لعهدين سابقين: عهد الاستعمار وعهد الاستقلال داخليًّا وخارجيًّا.

  • التحديات الداخلية:

تعتبر التحديات الداخلية من الأهمية بمكان نظرًا لخطورتها، فالتيار الإسلامي يواجه تحديًا سياسيًّا يتمثل في مقدرة التيار على اختراق العمل السياسي لوضع حد لأية انحرافات ماضية أو حاضرة أو مستقبلية.. وضع حد للتجاوزات التي تمس حرية التعبير وحرية العمل وحقوق الإنسان.

ويواجه التيار الإسلامي أيضًا تحديًا اجتماعيًّا.. يتمثل بالفساد الأخلاقي والانحلال الاجتماعي وما خلفه العهد البائد من قوانين وأعراف أفسدت الضمائر وبررت الفجور وشجعت الرذيلة حتى أضحت هذه الأمور لدى بعض الفئات الاجتماعية أمرًا عاديًّا، وبالخصوص أن الدولة سابقًا هي التي كانت تحمي الانحراف، فبيوت الدعارة، وخروج المرأة بشكل سافر مبتذل، وانتشار الخمر، وترك الشباب يلعبون القمار، وانتشار النوادي الليلية وغير ذلك، هي أمور تحميها الدولة وتعتبر من يحاربها خارجًا عن القانون وليس مرتكبها!

ويواجه التيار الإسلامي في الجرائر تحديًا اقتصاديًّا.. فقر، بطالة، حرمان، رشوة، ضعف الإنتاج، كثرة الاستيراد والاستهلاك، نقص العملة الصعبة، زيادة الديون الدولية، تبذير الحكومة، التبذير والهدر الشعبي والمنزلي.. وغير ذلك مما خلفته المرحلة السابقة، فالاقتصاد عصب الحياة، ولا بد من وضع ضوابط حتى يتم تخفيف التوازن الاقتصادي البديل عن التناحر والطبقية والاستغلال.

ويواجه التيار الإسلامي أيضًا تحديًا ثقافيًّا وإعلاميًّا، قضايا التغريب، وحق الإنسان في التحصيل والتعليم، البرامج التعليمية في المدارس والجامعات، الأفكار الدخيلة، وسائل الإعلام من تلفزيون وفيديو وسينما وتسجيلات إذاعية، الدعايات المغرضة، التعاون الفني ومشاكله، وهكذا عشرات الجوانب الثقافية والإعلامية.. إن التيار الإسلامي يواجه تحديات من كل نوع.

  • التحديات الخارجية:

من المعلوم أن انتقال الجزائر من مرحلة الاشتراكية الفاسدة والحزب الواحد المستبد إلى مرحلة الحريات والحقوق والقانون وكرامة الإنسان هي قفزة هامة لن تتركها الأيدي الخارجية تمر بسلام، لهذا يواجه التيار الإسلامي تحديًا خارجيًّا يتمثل في مقدرته على رد الدعايات المغرضة عن هذه المرحلة وعن التيار نفسه، ثم العلاقات الدولية، ومدى إمكانية التعاون مع نوعية من الدول دون أخرى؛ البث الإذاعي والتلفزيوني الخارجي، مواقف الدول الكبرى، موقف فرنسا، قضايا الهجرة والمهاجرين الجزائريين.. وهكذا عشرات القضايا الخارجية.

  • التيار الإسلامي وتحدي الذات: الحوار الحوار.. والعقل العقل.

تعتبر كافة التحديات الداخلية والخارجية هزيلة بالنسبة للتحدي الذاتي.. ونقصد بالتحدي الذاتي مقدرة التيار الإسلامي على النجاح في خمس نقاط أساسية:

1- النجاح في أن تتمثل فيه أخلاقيات الإسلام نظريًّا وتطبيقًا، فهمًا وعملًا، تصورًا وسلوكًا، بعيدًا عن الارتجال والعنف وعن الحماس الأجوف.. محترمًا العقلانية والقواعد العلمية ضمن حدود الشرع.

2- النجاح في إفراز قيادة صالحة نموذجية تمتلك القدرة على التجرد أولًا، والتحري ثانيًا، والتواضع ثالثًا، وتفضيل الآخرين على نفسها رابعًا، والفهم لمجريات الأمور الظاهرة والباطنة خامسًا، والثبات على المبدأ سادسًا، والمقدرة على الاستقالة أو قبول الإقالة عند الخطأ أو الفشل سابعًا! بالإضافة إلى المقدرة على التعايش مع كافة الفئات الاجتماعية ومد الجسور معها ضمن الحدود الشرعية بعيدًا عن التراشق غير العلمي.

٣- النجاح في إقامة تعاون وتنسيق مدروس بين كافة الفصائل والإيمان بحق التعددية داخل العمل الإسلامي ما دامت الغاية واحدة وهي إقامة شرع الله، ومحاولة العمل الجاد وإيجاد مجلس أعلى للتيار الإسلامي أو لجنة عليا للجماعات الإسلامية، بالإضافة إلى تأسيس محكمة محلفة رفيعة المستوى للفصل بين المنازعات داخل العمل الإسلامي كله، بالإضافة إلى قطع الطريق على كل الدعايات المغرضة التي تريد تمزيق صفوف الإسلاميين وتوخي الحذر الشديد في ذلك.

4- النجاح في وضع برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وإعلامية والإكثار من الدراسات العلمية والأبحاث الحركية المرتبطة بالتيار الإسلامي نفسه يطبقه على نفسه أولًا وأخيرًا كي يكون صورة صادقة عما يحمله من أفكار بعيدًا عن الارتجال والبدائية والحماس الأجوف بحيث يصبح التيار الإسلامي مصدرًا للحرية ومصدرًا للتوازن الاقتصادي ومصدرًا للأخلاق الرفيعة الاجتماعية وغيرها!

5- النجاح في وضع استراتيجية شاملة تهتم بمشاكل الجماهير وتهيئ أسباب الخروج من التخلف، وتحمي حقوق الإنسان وغير ذلك من الأمور التي تجعل التيار الإسلامي يحظى بعد رضاء الله بثقة الشعب والحكومة معًا! ونحن بانتظار النتائج، وما ذلك على الرجال أولي العزم ببعيد!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل