العنوان قسم العلوم السياسية... الحقيقة المخيفة!
الكاتب أحمد البغدادي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1986
مشاهدات 80
نشر في العدد 750
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 14-يناير-1986
نشرت جريدة (الوطن) قبل فترة وجيزة موضوعًا احتل مربعًا صغيرًا وبعنوان كبير جدًا حول قضية تجديد العقود في كلية التجارة وحيث أن ما جاء في ذلك المربع كان دون اسم محدد، إذ لم يملك صاحبه الشجاعة لإعلان اسمه وتحمل المسؤولية.
ولكن طرح الموضوع بتلك الصورة المبتورة والمشوهة هي الدافع وراء كتابة هذا المقال، ليس بهدف الدفاع عن الإخوة أعضاء هيئة التدريس الذين لم تجدد عقودهم كما يدعي كاتب الموضوع، فهم أقدر مني على الدفاع عن أنفسهم، ولكن لأن الموضوع أكبر من ذلك بكثير، إنه يرتبط بدور الاستخبارات الأمريكية في مؤسسات البحث العلمي في الدول المتخلفة وبالذات منطقة الشرق الأوسط.
ولنبدأ القصة منذ البداية حتى تتبين حلقة الوصل بين قضية تجديد العقود والدور الأمريكي، ونحن إذ نتكلم حول الموضوع فإننا سنحصر حديثنا فيما يتصل بقسم العلوم السياسية فقط، إذ أن معلوماتنا البسيطة حول الموضوع لا تتعداه.
عملية تقييم!
بدأت القصة في الفصل الماضي حين استقدم القسم أستاذين من أمريكا أحدهما يدعى فؤاد عجمي وهو محور الموضوع والآخر لا حاجة بنا لذكر اسمه. والبروفيسور «كما يحلو له أن يسمى اسمه» فؤاد عجمي من أصل عربي، وحاصل على الجنسية الأميركية.
قامت رئاسة قسم العلوم السياسية باستقدام هذا المتأمرك لتقييم وتطوير المناهج في القسم.
وحسب ما نعلم أن اسم هذا المتأمرك لم يكن مطروحًا بشكل رسمي من ضمن الذين رشح القسم أسماءهم لعملية للتقييم والتطوير، وإنما ذكر اسمه عرضًا، ومع ذلك وقع الاختيار عليه!!
أول شيء طلبه ذلك المتأمرك وهو الذي جاء لتقييم المناهج- أن يحصل على السيرة الذاتية لأعضاء هيئة التدريس بالقسم!! وكان من بين الدكاترة غير الكويتيين الذين عارضوا ذلك الدكتور عمر الخطيب «رحمه الله»، ولكنه للأسف لم يجد من يؤيده بشكل فعال، وحاولت رئاسة القسم أن تحصل مني على ذلك فجوبهت بالرفض نظرًا لعدم عقلانية الطلب، ولكن المتأمرك حصل على ما يريده بالنسبة لغير الكويتيين وهذا هو المهم، إذ إن السيرة الذاتية لا بد وأن تتضمن الدراسات والأبحاث، ومن خلالها يستطيع تحديد كثير من الأمور مثل: من الذي يؤيد القومية العربية ومن هو ضد السياسة الأمريكية في المنطقة، وهذه القضايا جد هامة كما سيتبين لاحقًا
ضد العربية!!
بعد الانتهاء من عملية التقييم ترك ذلك المتأمرك انطباعًا وتقريرًا وملاحظات شفهية!!
الانطباع ظهر من حديثه حول ضرورة التدريس باللغة الإنجليزية، ذلك أن اللغة العربية عاجزة عن تلبية حاجات التطور في القسم والحق يقال إن بعض أعضاء هيئة التدريس قد دافع عن اللغة العربية وفي حدود قدرتهم. ونحن بدورنا نشرنا مقالًا في «القبس» حول الموضوع في حينه. وقد ظهرت أولى ثمار هذه الدعوة الأمريكية في تقرير القسم بتدريس بعض المواد باللغة الإنجليزية، على أن تكون نقطة البداية مقرر حكومة وسياسة الولايات المتحدة والذي يأخذه طالب العلوم السياسية في مرحلة متأخرة من دخوله الجامعة... قد يقول قائل بأن هناك أقسامًا أخرى في كلية التجارة تقدم بعض المقررات باللغة الإنجليزية، وهذا صحيح، ولكن تجب ملاحظة أن تلك الأقسام بدأت بالمقررات ذات المستوى الأول ثم إننا لا نعلم تمامًا كيف تم تقرير ذلك، هل تم برغبة صادقة في التطوير أم استجابة لرغبة أحد المتأمركين كما حدث في قسم العلوم السياسية؟!
يضاف إلى ذلك كله أن مقررات قسم العلوم السياسية ذات طبيعة خاصة لا تنطبق على المقررات ذات المنهج الاقتصادي أو الإداري، أو المحاسبي، وهذا ما لا يجهله أحد.
ضد العروبة
كذلك ترك البروفيسور عجمي تقريرًا هزيلًا تم توزيعه على أعضاء القسم بعد فترة، ووصف أحد الإخوة الكويتيين الجدد في القسم، بأنه تقرير يدل على جهل بأوضاع القسم!! وأن عملية التقييم التي جاءت في التقرير ضعيفة ولم تقدم أية إفادة عملية للتطوير إلى درجة يصعب صدورها من أستاذ جامعي -يفترض- أن له باعًا طويلًا في هذا المجال، ناهيك عن المبالغ التي صرفت على وجوده هباء، لأنها جاءت دون مردود فعلي كما هو متوقع!
في ظل هذه الظروف جاءت قضية التجديدات في القسم وأنت تبين بعد الانتهاء منها أن عليكم التجديد قد شمل أستاذين فقط، وتحركت الأطراف -ونتشرف أننا كنا من هذه الأطراف- بعد أن تبین أن عدم التجديد ليس له علاقة بالبحوث لا من قريب ولا من بعيد بل لدور مشبوه لعبه ذلك المتأمرك «المدمر فواد عجمي» ضد هذين الأستاذين بالذات وهنا نقطة الاتصال... لماذا هذان الأستاذان بالذات؟
والإجابة تتمثل في تعارض الخط القومي الذي ينتهجه هذان الأستاذان للخط الشعوبي والأميركي لفؤاد عجمي. والحقيقة التي يجب أن نعلمها السلام أن فؤاد عجمي عمل جاهدًا على إنهاء وجود هذين الأستاذين في قسم العلوم السياسية. لقد عرف هذان الأستاذان بتوجههما القومي وبتأييدهما للقضايا العربية بشكل عام، وتأييد العراق في حربه ضد إيران بشكل خاص، وقد أبدوا ذلك كتابة وفي نقاشهم مع الكثيرين إلى درجة عرف عنهما ذلك. في المقابل عرف فؤاد عجمي بتوجهه الشعوبي وانضوائه تحت مظللة الاستخبارات الأميركية «كما عرفنا فيما بعد من إحدى المقالات التي نشرت في الوطن حول دور الاستخبارات في المؤسسات العلمية العربية».
في مجلة المستقبل العربي، السنة الرابعة، العدد ٣٥ «يناير ۱۹۸۲» نشر د. حسن نافعة بحثًا أسماه «القومية العربية والتفكك في الوطن العربي» يرد فيه على آراء فؤاد عجمي الذي كتب مقالات في مجلتي «فورن افيرز» و«فورن بولسي» بين عامي ۱۹۷۷- ۱۹۷۹، تحت العناوين التالية:
أزمة في المثلث العربي، والنضال من أجل روح مصر. وكذا المقالتين حسب المتعلق الشعوبي لعجمي تفضي إلى ثالثتهما «نهاية العروبة»
ونذكر أن استقدام قسم العلوم السياسية لعجمي قسم عام 1985!! فهل كانت رئاسة القسم تعلم بالمقالات التي كتبها ضد العروبة في السبعينيات في دوريات مشهورة يقرأها المتخصصون في العلاقات الدولية، أم أن رئاسة القسم لم تكن تعلم!؟ وفي كلتا الحالين ينطبق قول الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
والرئاسة في قسم العلوم السياسية ومن ورائها العمادة مدانة في كلتا الحالين أما بالجهل عن المتابعة أو بالقصد في استقدام مثل هذا الشخص المشبوه.
في المقالات التي نشرها عجمي في السبعينيات كان الهدف الرئيسي من ورائها إثبات أن القومية العربية تعيش حالة احتضار وأنها قد وصلت إلى النهاية، ويطرح عجمي مقولات لا يمكن أن تنشرها إلا المجلات الأميركية، حيث يترفع أي باحث محترم من طرحها فضلًا عن نشرها، نضرب على سبيل المثال لا الحصر رأيه في سبب انسلاخ مصر عن الحرب فيقول ما نصه: «إن رأس المال العربي الوافد كان ينتهك شرف مصر وكرامتها ونساءها من هنا كان امتلاك الأراضي، فضلًا من الركض وراء النزوات الجنسية المستباحة.. إن الثروة العربية كانت بمثابة التحدي لشعور مصر نفسها: ثروة يمتلكها البدو المتخلفون: وتمثل شاهدًا على قسوة عالم حاد عن جادة الصواب؟؟
هل هذا الشعور.. الشعوبي والتوجه اللاقومي غريب على كلية التجارة؟ إن كل من قرأ للعميد المساعد في الكلية بتأييده لإيران ضد العراق وما يستتبع ذلك عن توجه عام ضد كل ما هو قومي، يعلم تمام العلم أن الخطين قد التقيا، ولعل ذلك وراء استقدام القسم لأمثال فؤاد عجمي وما أكثرهم.
إن شعور العداء الخاضع الموتور من عجمي ضد كل ما هو عربي وحقده ضد القومية العربية، انعكس على نفسيته المريضة وهو يعمل على تقييم مناهج العلوم السياسية بجامعة الكويت، حيث ساءه كل الإساءة أن يقرأ في مفردات المنهج المقرر للأستاذين سالفي الذكر، تركيزًا كليًا على القضايا العربية وتأييدها ومحاولاتهم الدائبة في كل الفصول الدراسية على ترسيخ العروبة والقومية والحقوق العربية في محاضراتهم ودراساتهم، فكان أن أبدى عجمي بعض الملاحظات الشفهية والتي كان لها دور كبير في قضية تجديد العقود، وذلك أن رئاسة القسم -حسب علمنا سماعًا من بعض الأخوة- قبل احتضنت هذه الملاحظات الشفهية وتبنتها جديًا. وكانت النتيجة ما هو معروف لدى الجميع.
أما دور الاستخبارات الأميركية فأنقله من مقال د محمد عبد العزيز ربيع وهو أستاذ سابق في قسم العلوم السياسية. وقد نشر مقاله في الوطن بتاريخ ٦\١٢\١٩٨٥ تحت عنوان «أساليب استغلال أجهزة المخابرات الأميركية لإمكانيات مراكز البحوث والدراسات المتخصصة في الجامعات» فكان مما كتب د. محمد ربيع، ومما له صلة بموضوعنا ننقله بالنص «قبل بضعة أسابيع قام أحد الأساتذة الأميركيين من أصل عربي بالإدلاء بشهادة في الكونغرس حول الشرق الأوسط قال فيها بأن بعض المشاكل الطائفية في العالم العربي أصبح من الصعب حلها في ظل الظروف الراهنة، وبالتالي فإنه لا بد من غض النظر عنها، ومن تلك المشاكل قضية فلسطين. كما أضاف الأستاذ بأن المشكلة الفلسطينية فقدت أهميتها الدولية وأبعادها السياسية والوطنية حيث أصبحت مشكلة إسرائيلية داخلية.. وما تجدر الإشارة إليه هنا أن الأستاذ المشار إليه قام قبل الإدلاء بشهادته تلك بزيادة عدة دول عربية حيث استقبله المسئولون هناك، وغمروه بالحفاوة والإكرام كما قام بعد الإدلاء بتلك الشهادة بزيارة إحدى الجامعات العربية حيث حل ضيفًا على قسم العلوم السياسية الذي دعاه لإبداء النصيحة في تطوير مناهج الدراسة في ذلك القسم...»
والسؤال إذا لم يكن فؤاد عجمي في تلك الفترة، فمن؟ ويبقى التساؤل مفتوحًا بحجم الطرح العربي النازف من الذي فتح المجال لأمثال هذا المأفون لكي يلعب دوره المخرب في إبعاد كل من يؤيد القضايا العربية، وهل نستنتج من ذلك أنه لا مقام في كلية التجارة لأي أستاذ عربي يؤيد القومية العربية، ويبدي هذا التأييد علنًا على صفحات الجوالة!! إلا أن جمع المعطيات تشير إلى حدوث ذلك حاليًا وفي المستقيل.
أين حدیث السيد مدير الجامعة عن الأمن الوظيفي الذي دعا إليه في بداية تعيينه في المنصب؟ هل هذا هو مفهوم الأمن الوظيفي؟
إننا نطالب الغيورين على العرب والعروبة أن يناقشوا هذا الموضوع وخصوصًا أعضاء مجلس الأمة الذين عرف عنهم الاهتمام بالجامعة، ونحن إذ نطالب بذلك نتوقع حدوث بعض المضايقات هنا وهناك، ولكن الأمر يستحق ذلك كل الاستحقاق، والأمل قائم بإذن الله أن يجد هذا الموضوع صدى عند كل من يهمه أمر الجامعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل