العنوان جريمة الصرب.. ليست مجرد إبادة شعب
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 1023
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
تفنى الشعوب والأمم والجماعات وتبقى حضارتها وآثارها تروى للأجيال المتعاقبة
أمجاد تاريخها وعراقة حضارتها.. وكم من شعوب وأمم عاشت على مدار التاريخ في جوانب
مختلفة من الدنيا لم يبقَ لها ذكر في التاريخ بعد ذلك لأنها عاشت دون حضارة ودون
آثار تدل على وجودها، وحينما فتح المسلمون جوانب مختلفة من أوروبا تركوا في
حواضرها ومدنها آثارهم وتاريخهم الناصع يروي مآثرهم ويذكّر الأجيال المتعاقبة
بتاريخ حضارتهم فبقيت هذه الآثار مفخرة لأجيال المسلمين التي عاشت وتعيش الآن عصر
النكبة والفرقة حتى إننا لا نجد في حاضرنا الممزق وواقعنا المؤلم شيئًا يدفعنا إلى
الصمود وإعادة البناء والتغلب على ما يواجهنا من انتكاسات ومآسٍ سوى ذلك الماضي
التليد والتاريخ الحي والحضارة الزاهرة الزاخرة تذكرنا بعظمة أسلافنا وروعة ديننا
ورقي حضارتنا.
وما كانت البوسنة والهرسك منذ فتحها المسلمون الأتراك في القرن الخامس عشر
إلا منارة الإسلام وقلعته في أوروبا، وما كانت مساجدها التاريخية ومكتباتها
الرائعة الزاخرة بالمخطوطات والكتب في العلوم المختلفة إلا شاهدًا على عراقة
وحضارة ورقي وتقدم المسلمين في ذلك العصر.
وكم تعرض مسلمو البوسنة والهرسك إلى حملات إبادة طوال العقود الماضية نالت
منهم على قدر ما نالت إلا أنها لم تستطع أن تنال من حضارتهم أو تاريخ أجدادهم، ومع
المحنة الجديدة التي يعيشها مسلمو البوسنة والهرسك والتي تهدف باختصار إلى استئصال
الوجود الإسلامي من قلب أوروبا ظهر جانب سوداوي لدى مجرمي الصرب يتمثل في قيامهم
بتدمير كل ما يدل على الحضارة الإسلامية أو مظاهرها في البوسنة والهرسك فقاموا
بتدمير بلدية سراييفو التي يعود بناؤها إلى القرن التاسع عشر وأحرقوا المخطوطات
القيمة في المكتبة الوطنية البوسنية تلك المخطوطات التي صمدت طوال القرون الماضية
أمام الحروب الأوروبية التي مرت بالبلقان إلا أنها لم تسلم مؤخرًا من بطش الصرب
الأسود.
وقد أصبحت كل الآثار الإسلامية في مدينتي سراييفو وموستار هدفًا مفضلًا
لمدفعية الصرب وطائراتهم فحولوا مئذنة مسجد المغربية وهو من أقدم المساجد في
أوروبا إلى أنقاض، وأدت الحرائق التي اندلعت في باش تشادشيا وهو سوق سراييفو
التاريخي القديم إلى الإتيان على مسجد الفرهدية ولم تفلت مدينة موستار الإسلامية
التاريخية من الحقد الصربي حيث قام مجرمو الصرب بقصف مسجدها الكبير الذي بني في
القرن الخامس عشر الميلادي وحولوه إلى ركام ودمروا الحي الإسلامي فيها عن آخره،
والأكثر من ذلك أنهم قاموا بتدمير شواهد قبور المسلمين التي كانت تحمل بعض
الكتابات العربية والتي كانت تشكل جزءًا من الجدار الخارجي للمسجد، وزيادة في
الحقد قاموا بنسف ستة جسور من الجسور التاريخية السبعة التي بناها العثمانيون
بمدينة موستار.
ومن آخر جرائمهم في سراييفو قيامهم مؤخرًا بقصف وتدمير قصر رئاسة الإدارة
الدينية العليا وهو مكان بارز في وسط العاصمة سراييفو له مكانة روحية وتاريخية لدي
مسلمي البوسنة والهرسك، كذلك أبادوا كل مظاهر الحضارة الإسلامية في مدينة «فوتشا»
الواقعة جنوب البوسنة التي كانت تعد يومًا واحدًا من أهم مراكز الثقافة الإسلامية
في وسط أوروبا فدمروا مسجد الأديا الذي يرجع تاريخه إلى عام 1459 ميلادية وتحولت
مئذنته إلى أنقاض كما دمروا مسجد الحي الإسلامي الذي كان يقع على قمة تل يطل على
وادي النهر الذي تقع فوتشا على ضفافه.
|
* لقد صمدت آثار ومظاهر الحضارة الإسلامية
في البوسنة والهرسك أمام النمساويين والألمان خلال الحربين العالميتين لكنها لم
تصمد أمام سعار الصرب وحقدهم المجنون |
لقد صمدت هذه المساجد والمكتبات والجسور والمباني الإسلامية التاريخية
العريقة والتي بني معظمها خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين أمام كل
الحروب والتقلبات التي شهدتها أوروبا لاسيما خلال القرنين الماضيين ولم تتأثر
كثيرًا بالحروب العالمية الأولى والاحتلال النمساوي للبوسنة، ولا بالحرب العالمية
الثانية والاحتلال الألماني لها، وها هي الآن تسوّى بالأرض في نوبة من السعار
المجنون والحقد الدفين حيث يتحرك الصرب تحت ستار الصمت الدولي والضوء الأخضر
الأوروبي الأمريكي لمحو كل أثر يدل على تاريخ المسلمين وحضارتهم في وسط أوروبا
وجعل احتلالهم للبوسنة والهرسك احتلالًا أبديًّا، وعما قريب حينما لا يتبقى أي من
المساجد والمكاتب العريقة أو المباني والجذور التاريخية أو أي من شواهد الحضارة
الإسلامية سيكون بوسعهم حينذاك أن يعيدوا كتابة التاريخ والإعلان أن هوية البلاد
هي الهوية الصربية وأن ديانتها هي الأرثوذكسية، ولن تستطيع وقتها مآذن مساجد
البوسنة التي دمرت أو آثارها ومكتباتها مخططاتها التي أحرقت أن ترد عليهم.
إن جريمة الصرب في البوسنة والهرسك هي أكبر جريمة ترتكب في عصرنا الحاضر
للإنسانية وضد الحضارة وضد أبسط المبادئ والقيم الآدمية.. إنها إبادة شعب ومحو
حضارة عريقة وإزالة آثار دين قويم حمل الأمن والإسلام لأوروبا عدة قرون وأخرجها من
ظلام الجهالة إلى ما تنعم فيه الآن من تقدم ورفاهية.. إنها جريمة كبرى.. إنها ليست
مجرد إبادة شعب!