; محاولات هدم الصحابة امتداد للغزو الاستعماري | مجلة المجتمع

العنوان محاولات هدم الصحابة امتداد للغزو الاستعماري

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004

مشاهدات 43

نشر في العدد 1626

نشر في الصفحة 48

الجمعة 05-نوفمبر-2004

 

يقول الحافظ أبو زرعة، إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما بلغنا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يهدموهم ليبطلوا الكتاب والسنة.

لم يعد أمرًا خفيًّا ما تتعرض له السنة من هجوم ماكر منظم، كما أن الهدف من ذلك لم يعد يخفى على أحد ألا وهو القضاء على الإسلام كشريعة ونظام، وهذا يستدعي منا ضرورة البيان وحتمية الذود عن هذا الدين الخالد.

وهنا نلقي الضوء على عدالة الصحابة وحكم ما أجمعوا عليه، وبيان مكانتهم وشرفهم؛ لأن الحرب كما أعلنها أعداء الإسلام على المنهج، فقد ركزوا أيضا على حملة هذا المنهج من أسلافنا رضوان الله عليهم.

عدالة الصحابة

إن تاريخ البشرية لم يحظ برجال عقدوا عزمهم وخرجوا من حظ نفوسهم وانطلقوا إلى غاية من أسمى الغايات كما حظي بجيل الصحابة.. وليس من السهل على أي عاقل أن يتصور هذا الجيل الذي فدى هذا الدين بكل ما يملك وهجر الأوطان والأولاد، لا يمكن أن تتصور هذا الجيل يكذب أو يجتمع على ضلالة كما زعم من غلبت عليهم شقوتهم من الحاقدين والضالين ولم يقدموا لنا دليلًا واحدًا على صدق زعمهم.

 والقرآن الكريم وهو أصدق سجل يقرر هذا الذي نقول، ولا عبرة بعد قول الخالق بأي زعم آخر... يحدثنا ربنا جل جلاله عن الذين رضي الله عنهم وبلغهم رضاه فردًا فردًا فيقول: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ (الفتح: 29). 

روی مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي اطرد عنك هؤلاء لا يجترؤون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هزيل وبلال ورجلان لم أسمهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (الأنعام: 52).

وبلغ من تكريم الله عز وجل أن قال لرسوله ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ (الأنعام: 54)، فكان إذا رآهم ﷺ بدأهم بالسلام. وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام، بل وصلوا في التكريم إلى درجة أن جعلهم الرسول ﷺ في منزلة لم يرق إليها بشر بعد الأنبياء، روي أن أبا سفيان أتى على سلمان وبلال، ونفر فقالوا: والله ما بلغت سيوف الله من عدو الله مأخذها فقال أبوبكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبوبكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخانا.

ويقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص محمدًا ﷺ بصحابة آثروه على الأنفس والأموال وبذلوا النفوس دونه في كل حال، وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ (الفتح: 29)، كانوا في الحياة أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم فيها.

الصحابة قدوة

إن مدرسة الصحابة التي تلقت هذا الدين عن رسول الله ثم عملت به وشكلت حياتها عن أساسه ولفظت الجاهلية إلى الأبد على أعتابه، يجب أن تكون في واقع المسلمين حياة يقتدى بها، يقول ﷺ: «خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، ويقول: «النجوم آمنة جو للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبوا أتى أمتي ما يوعدون» قال الحافظ ابن كثير: «والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة».

ويقول عبد الله مسعود: «من كان منكم متاسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم». 

حجية الإجماع: إجماع الصحابة حجة شرعية عند جمهور المسلمين يجب العمل به، قال الشافعي رحمه الله: «ليس لأحد أن يقول في شيء حلال ولا حرام إلا من جهة العلم»، وجهة العلم ما نص في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع أو القياس على هذه الأصول.

..والمجمع عليه لدى الأئمة المجتهدين أن المجتهد ينظر أولًا في كتاب الله، ثم في سنة رسوله وفي أقوال الصحابة ثم ينقلب إلى الاستنباط إن لم يكن هناك إجماع.

قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ (التوبة: 119) قال العلماء المراد بهم أصحاب النبي ﷺ، ولا شك أنهم أئمة الصادقين وكل صادق بعدهم إنما يتأسى بهم، قال تعالى: ﴿وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ﴾ (لقمان: 15)، وكل فرد من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69) وكل واحد من الصحابة جاهد بلسانه ويده وماله فيكون الله قد هداه، وكل من هداه فهو مهتد يجب اتباعه.. والصحابة هم أحق الناس بصفة الإمامة والقيادة قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24) وهذا الحق ممتد موصول بجملته إلى يوم القيامة... يقول ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، وقد ثبت في السنة أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة: «لا تجتمع أمتي على ضلالة ولا تجتمع أمتي على خطأ»، ومحال على أن يلتقي كل المجتهدين في عصر من العصور على حكم ويجزموا به، ولا يكون له من الكتاب والسنة مستند قاطع بنوا عليه إجماعهم كما يستحيل أيضًا أن يكونوا مخطئين ولا يتنبه إلى الخطأ واحد منهم.. ومن باب أولى صحابة النبي ﷺ، فما اتفقوا عليه إذن صواب يستند إلى دليل من الكتاب والسنة فيكون العمل بما أجمعوا عليه واجبًا، وهذا هو طريق المؤمنين: الاتباع والاقتداء والتزام الجماعة والسنة والحفاظ على هذا الميراث وتبليغه للأجيال سليمًا كما جاءنا من أسلافنا رضوان الله عليهم قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115).

إن هذا الميراث قوة هائلة في أيدينا ومدد عظيم لكياننا ورصيد ضخم، أمتنا تستمد منه حياتها وتعتز به بين الأجيال، ولا يتخلى عن هذا الرصيد إلا سفيه أو طائش ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ﴾ (آل عمران: 83). 

 

الرابط المختصر :