; المجتمع الأسرى (1494) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسرى (1494)

الكاتب نبيل فولي محمد

تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002

مشاهدات 65

نشر في العدد 1494

نشر في الصفحة 60

السبت 30-مارس-2002

 تربية الزوجة.. علامات هادية 

 التركيز على الأهم فالمهم.. ولا تغفل مع نعومة اللحظات عن تتبع الكليات 

 خلاف البيوت يمكن أن يكون فيه «الخصم» حكمًا ناجحًا إن أنصف وترك الهوى. 

 رسم النبي صلى الله عليه وسلم معالم نفسية نسائه من جديد بريشة الرحمة والرفق والإنسانية. 

التربية تعويد متدرج على سلوك معين، وبالتالي لن يكون هناك انتقاص من الزوجة إذا دعونا الزوج إلى تربيتها، فنحن ندعوه حينئذ إلى تعويدها على خير السلوك، انطلاقًا من أن التخلق- أي مجاهدة النفس لالتزام خلق معين- سيتحول في وقت ما إلى خلق راسخ لصاحبه، على أن المعالج لأي حالة ينبغي أن يقطن إلى خصوصيتها، حتى لا يقع في خطأ التطبيق الصارم والحرفي للقواعد، فيضر أكثر مما ينفع.

الخطوات التالية علامات هادية تحتاج إلى فطنة الزوج، وتفهم الزوجة:

أ - أحسن اختيارها منذ البدء حتى يقل الدخن، وحتى تزداد فرص التفاهم: فـ «مــا استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة..» (رواه ابن ماجه:1857)، والصالحة إن أردتها على خير أجابت وأطاعت، ولم تر في ذلك انتقاصا من قدرها بل اعتبرته إشارة إلى أبواب الجنة لتدخلها، كما أن أسس الشخصية المسلمة ستكون متوافرة - كلها أو أكثرها - في مثل هذه المرأة، وبالتالي لن يكون المجهود المطلوب منك كبيرًا.

ب - في الفترة الأولى للعقد، لا تأخذْك نعومة اللحظات عن العبارة الصريحة أو الإشارة المستترة لبعض الكليات التي تحب أن يلتزمها بيتك فالفتاة في هذه الفترة مستعدة للاستجابة الجادة للكثير من الأفكار، فهي تعيش – مثلك- في عالم أحلامها، وتحصي لحظات الزمن المتباطئ شوقًا إلى موعد يجمع الشتيتين، لكن ليحذر الرجل من كثرة الكلام في هذه الناحية، وليحذر أيضًا من استخدام أسلوب إملاء لأوامره لما قد يحمله إلى الطرف الآخر من نبوءة مبكرة عن تسلطه.

 ج - من بداية الزواج ابدأ العمل: فلا يحتاج الأمر إلى ارتخاء حتى تذهب ساعات البهجة التامة فهذا أحسن وقت لإقناع الزوجة بمبادئك المحترمة والرفيعة التي تريد أن يعيش عليها بيتك.

 د - كن قدوة: فالزوجة في البداية تتحسس طبيعة هذا الرجل الذي كان بالأمس غريبًا عنها، وصار اليوم أقرب قريب لها تشعر بأنه الوتد الذي يمسك أطراف خيمتها، ويحمل على كاهله البيت ومن فيه، فإن كان قدوة في المبادئ التي ينادي بها، فكأنه سيصنعها من جديد.

 هـ- المحبة تأتي بالعاصي راغمًا: فهي مكملة لجانب القدوة، فالقدوة تبين معالم الطريق والمحبة تفتح السبيل أمام العابرين، والرجل الغليظ القاسي يورث عنادًا، وربما بغضًا له ولمبادئه.

و - الرفق يذيب القلب الكاره: الزوج يريد أن يغرس في جذور شخصية المرأة أشياء يتم بها ما وجده ناقصاً، ولا يكون هذا إلا بالرفق، حتى لا تتصلب عليه الأرض، وتأبى قبول غرسه.

 ز - لا تطاردها بهذا الحديث: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل الله لهم عليهن من الحق» (رواه أبو داود:2140)، إلا إذا كنت تؤدي حقها تمامًا - كما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم- وتريد أن تذكرها بتقصير كبير فيها، فالمطاردة بدون أداء حقوقها تشعر المرأة بتناقض زوجها، وأنه يعيش لمصلحته، ولا يهمه أن يسعدها إلا بقدر ما تتسبب في سعادته هو ومن هنا يضيع الأثر الذي يمكن أن يتركه فيها.

مبادئ رئيسة

سيتوه الرجل، ويتشتت جهده، إذا أراد التركيز على كل الأخلاق والمبادئ الخيرة في إطار تربية الزوجة، لذا لابد له من التركيز على الأهم فالمهم، مما قد يكون موجودًا فيها أصلًا لكنه يحتاج فقط إلى وضعه في الإطار المناسب للبنيان الجديد؛ بمعنى أن المرأة كزوجة تُعد شريكًا في أسرتها الجديدة، في حين كانت في بيت أبيها مجرد «عضو»، وبالتالي فإن «تعويدها» على هذه المبادئ هو فقط تعويد لها على استعمالها في شكل جديد، وليس عيبًا أو تقليلًا من جهد والديها في تربيتها وتهذيبها.

 ولعل أهم المبادئ التي ينبغي أن يعود الرجل زوجته عليها، هي:

 1 - الدين أغلى مني: فنحن لا نعمل لأنفسنا، وإن أحببتني فلا تفهمي أن ذلك يمكن أن يكون على حساب ديني أو دينك، وإن رضيت عني ورضيتُ عنك، فينبغي أن يكون ذلك لطاعتي وطاعتك لله تعالى لا لأنني لا أبخل عليك بشيء، ولأنك تتفانين أنت في خدمتي، فنحن لا نعيش لهذا، وإن كنا نسعى - كلانا - لأداء ما علينا من حقوق.

 ۲ - أحبي الله ورسوله أكثر مني ومن أولادنا: هذا واجب ديني، يجعل البداية من المشاعر الموجهة توجيهًا صحيحًا، لا المستهلكة في طرق غير سليمة؛ من تقديم محبة الخلق والأهواء والمحبة لله ورسوله تعطي محبة غيرهما الطعم الذي يصل بصاحبه إلى الجنة.

 ۳- اجعلى مرجعية الحكم بيننا للكتاب والسنة: هنا يجب على الرجل أن يكون هو الحكم المنصف بين نفسه وزوجته، فخلاف البيوت يمكن أن يكون فيه «الخصم» حكمًا ناجحًا، إن أنصف، وترك الهوى.

 ٤ - الشورى معك ومع أولادنا أساس البناء الذي نشيده جميعًا.

مثال من بيت النبوة

انتقل القرآن بمن تبعه من الرجال والنساء من الجاهلية وقيمها إلى الإسلام ومبادئه، فكان الجميع يتربون على مائدة واحدة، وينتقلون انتقالًا متدرجًا من حياة إلى أخرى. قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ﴾ (البقرة: ٢٥٧)، فبني الجميع بناء جديدًا لم يحتفظ من الجاهلية إلا بقيمها الرفيعة من الشهامة والكرم والنجدة ورعاية الجار، ثم جعل منطلق كل السلوكيات توحيد الله تعالى وقصده وحده بالعمل.

لكن هناك من النساء من أسلمت على يد زوجها، فكانت تحتاج إلى رعاية زوجية ترسخ فيها مبادئ الإسلام، وتربيها على تعاليمه، ومن هؤلاء: أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب - رضي الله عنها - فقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم من جديد معالم نفسيتها، بريشة الرحمة والرفق والإنسانية، فهي امرأة يهودية، بل ابنة زعيم من زعماء اليهود، أُسرت في العام السابع من الهجرة بعد هزيمة قومها في خيبر، وسيقت في الأسر هي وابنة عم لها مع بلال بن رباح - رضي الله عنه- فمر بهما على قتلى قومهما فأما صفية فحبس الحزن في قلبها أمام المشهد، وأما ابنة عمها فناحت وأعولت وقطعت ثيابها؛ لما رأت من مصرع رجال قومها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: «أنُزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟!».

 هكذا بدأت الرحمة التلقائية الفطرية في نفس الرسول الأعظم، تؤثر في «نفسية» صفية، وتصنعها من جديد. وحين أراد أن يتزوجها خيرها، وهو القادر على إكراهها، والقادر أيضًا على أن يبقيها ذليلة في ملك يمينه، لكنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «هل لك في؟»، وما كان لها أن ترفض، أمام هذه العظمة المتجلية من إنسان منتصر على عدو عنيد شديد الأذى، فوافقت، واعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، وكان عنقها صداقها. 

وانقلب الحزن والرغبة في الانتقام من مقتل قومها إلى حب جارف في نفس صفية، فحين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني بها في موضع على بعد ستة أميال من خيبر أبت، ورضيته في مكان آخر «الصهباء» بعيد عن خيبر، وحين سألها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على ذلك»؟ قالت: خشيت عليك قرب اليهود!

إنه تحول كبير في نفسية امرأة من مجتمع يعيش على الثأر ويعشقه، تحول يجري خلف أطواء النفس، حتى إنه لا يلحظه جنود الإسلام ورجاله المخلصون، فرأينا أبا أيوب الأنصاري يحرس قبة رسول اللهصلى الله عليه وسلم التي بنى فيها بصفية، ويقول: «يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة، قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك»، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم.

ويشهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بحسن إسلامها، ويدافع عنها إزاء هجمات الغيرة من نسائه الأخريات وترى منه خير زوج، وخير إنسان، وخير قائل، وخير فاعل، فيملا عليها جوانب نفسها، وكل أحاسيسها، بحب هذه المبادئ التي حملها، ودعا الناس إليها، فقالت له وهو في مرض موته صلى الله عليه وسلم: «إني والله يا نبي الله، لوددت أن الذي بك بي»، وشهد النبي لها بالصدق في قولتها هذه، فقال: «والله إنها لصادقة».

 

 في عام هجري جديد: فكري في حال المسلمين... إنهم يحتاجون إلى خمتك وحسن استغلالك لحياتك فيما ينفعهم

عزيزتي الغالية: مرت الأيام، وانتهى العام الهجري، مئات بل ألاف من اللحظات مضت، فحياتنا ما هي إلا لحظات تمر وأوقات تنقضي، إن لم نُحسن استغلالها أضعناها، وبإضاعتها يضيع العمر، وبذلك يُضيع الإنسان غايته، ولا يصل إلى بغيته، وتفقد الحياة معناها الحقيقي، فلا حياة بغير غاية تحكمها، وهدف سام يسيرها، وكما أنه لا يحيى جسد بلا روح، فلا يحيى إنسان على هذه الأرض من دون أمل يدفعه وعمل يرفعه، وهدف يطلبه، فما أحلى أن نترك بعد موتنا بصمات، ونخط على وجه الأرض علامات، وندخر ليوم القيامة حسنات، فيذلك نحقق آمالنا وطموحنا، ونفوز في الدنيا والآخرة. 

غاليتي: إن الوقت أنفاس لا تعود، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: «يا ابن ادم أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لن أعود أبدًا»، ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: «عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه كما أخبرنا رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم.

 لقد أعطانا الله عمرًا، وكتب لنا الحياة، وأمدنا بطاقات وقدرات، أنعم علينا بالإسلام، ومتعنا بنعمة الأمان، وها نحن ذا في أوج الشباب: قد اكتسبنا الأموال، وتعلمنا من العلوم ألوانًا.

أخيتي: تأملي معي هذا الحديث بعمق، لتعرفي قدر النعم التي تحيط بك من كل جانب، وأنت مع كل هذا تندبين حظك وتسخطين!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنًا في سريه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنما

 حيزت له الدنيا بحذافيرها». لكن في المقابل: هل أدينا حق هذه النعم؟ هل شكرنا الله تعالى حق الشكر قولًا وعملًا؟ هل بذلنا في خدمة ديننا قدرًا من الساعات؟ وهل فكرنا في محاسبة أنفسنا بعضًا. من اللحظات؟ أم خدعتنا الحياة الدنيا ببريقها الزائف، فأبعدتنا عن هدف الأهداف؟ قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ (القصص: ۷۷)، ولكن للأسف الشديد يبدو أننا بدلنا الآية، فابتغينا بكل ما أعطانا الله تعالى الدار الدنيا، ولم ننس نصيبنا من الآخرة، صلينا بعض الصلوات وصمنا بعض الأيام، وانتهى الأمر!.

استثمري أي فراغ لديك

وتأملي معي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب (الشرح:7-8)... أي إذا فرغت من شغلك مع الناس، في دوامة الحياة، إذا فرغت من كل هذه الأعباء، فتوجهي بقلبك كله إلى من يستحق أن تنصبي فيه، وتجتهدي وتجدي من أجله... والمسلم إذا احتسب أعمال الدنيا لله تعالى- بما فيها الترويح المباح الذي لا يأخذ من وقته الكثير، يعد في عبادة وجهاد.

عزيزتي: كما أننا لا نرضى في الدنيا بالقليل، بل نطمح دومًا لأن نصل إلى أعلى المستويات ماديًا ومعنويًا واجتماعيًا وفكريًا، كذلك علينا أن نسعى جاهدين ليكون نصيبنا في الآخرة كبيرًا، لذلك لا تبيعي أبدًا نصيبك المقيم الأخروي بحظك الضئيل الدنيوي. 

تذكري دومًا أن الدنيا عمل ولا حساب، والآخر حساب ولا عمل... الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وتذكري دومًا الآية التالية، واجعليها نصيب عينيك: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (آل عمران:185)، فالنجاة من النار تحتاج إلى جهد وتعب، ودخول الجنة لا يكون إلا بقوة كبيرة تبذل لجذب الإنسان في مجال النار القوي، وما حولها من شهوات وأهواء إلى رحاب الجنة الفسيح قوة إيمانية - لا كهربية ولا مغناطيسية - قوة لا نهائية مستمرة نابعة من القلب. 

أخيتي: حاولي استغلال معظم لحظات حياتك في جلب الخير لك وللآخرين، فكما تحبين النجاة لنفسك أحبيها لغيرك... فكري في أحوال المسلمين من حولك هل هم سعداء سعادة حقيقية... هل يجدون من العلم ما ينجيهم من براثن البدع، وقبضة التنصير؟... هل يجدون من الماء ما يرويهم، ومن المأوى ما يحميهم؟

لا تعجبي من كثرة التساؤلات، فحال المسلمين يحتاج منا إلى همة عالية، وعزيمة صادقة، فلا تبخلي عليهم بالقليل، ولا تنسيهم من خالص دعواتك لأن كل واحدة منا ستسال، فأعدي لنفسك الإجابة منذ الآن.

غاليتي أتمنى أن تكوني شمعة تحترق لتضيء للآخرين الطريق، ينبوعًا يتدفق بالعطاء، نجمًا ساطعًا ينير لهم السماء، اجعلي قلبك يتسع لكل مسلم كما قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن اعتكف شهرًا». (صحيح الجامع:176).

ولكي تصلي - عزيزتي- إلى القمة... ادعي ربك أن ينير دربك، ويشرح صدرك ويخلص لك نيتك.

أختك المحبة: آلاء عبد الغفار

alaamaa@yahoo.com

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

117

الثلاثاء 26-مايو-1970

صراع مع سيجارة

نشر في العدد 268

210

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

تقوى الله -  الحلقة الأخيرة

نشر في العدد 880

70

الثلاثاء 30-أغسطس-1988

استراحة المجتمع: (العدد: 880