; قضية فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية فماذا بعد؟! | مجلة المجتمع

العنوان قضية فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية فماذا بعد؟!

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 929

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 22-أغسطس-1989

 

  • الخطاب السياسي الإسلامي الفلسطيني أصبح ضرورة مستعجلة لتمتين ثقة الجماهير 
  • بالحركة الإسلامية وبرنامجها ... للرد على الخطاب السياسي للفصائل والمنظمات.

لفترة طويلة وقريبة كان الجدل محتدمًا في الأوساط الإسلامية حول موقع القضية الفلسطينية في اهتمامات وأولويات الحركة الإسلامية، حيث برزت مقولتان يحمل كل منهما فريق من الإسلاميين ويدافع عنها ويبرر لها، ويعتبر أنها صواب لا يحتمل الخطأ وأن مقولة الفريق الآخر هي خطأ لا يحتمل الصواب.

الفريق الأول يقول: إن قضية «الخلافة الإسلامية» وإقامة الدولة الإسلامية هي القضية الأولى- والمركزية للحركة الإسلامية.. باعتبار أنها التكليف الرباني الدائم لعبادة المسلمين الذين- يجب عليهم أن يعملوا على تحقيق العبودية لله في الأرض.. وأن يجعلوا الحاكمية له لا لغيره سبحانه.. وباعتبار أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وجه جهود المسلمين في البداية الى قضية تحطيم الأصنام وتحقيق معاني الألوهية والربوبية لله ثم إقامة الدولة الإسلامية في المدينة وتأسيس المجتمع المسلم، قبل أية قضية أخرى..

هذا الفريق يقول أيضًا بعبثية توجيه جهود الحركة الإسلامية إلى القضية الفلسطينية أو أية قضية أخرى.. لأن كل الجهود يجب أن توجه إلى إقامة الدولة الإسلامية في مكان ما في العالم.. ولأن أية جهود في غير هذا الاتجاه- عند هذا الفريق- هي مضيعة للوقت وتشتيت لإمكانات الحركة الإسلامية وتفريق لطاقاتها.

ظروف موضوعية:

وفي سياق الحوار والجدل حول القضية الفلسطينية وما يمكن عمله تجاهها، يؤكد هذا الفريق مقولته السابقة استنادًا إلى ظروف موضوعية، مؤكدين صعوبة «أو استحالة» تحرير فلسطين ودحر الاحتلال اليهودي الغاصب دون وجود دولة قوية تدعم عملية الجهاد والتحرير.. فحرب العصابات والعمليات الفدائية والمظاهرات والانتفاضات كلها فعاليات إيجابية من شأنها إقلاق العدو اليهودي وقض مضاجعه وجعل وجوده عبثًا ثقيلًا ومكلفًا.. كما من شأنها إزعاجه وزعزعة استقراره.. لكن- وفي ضوء الحسابات والإمكانات البشرية المنظورة- من غير المتوقع أن تستطيع هذه الفعاليات وهذه الإمكانات المحدودة للشعب الفلسطيني في الداخل أن تنجز هدف التحرير الكامل.. باعتبار أنها في المقابل تواجه الكيان الصهيوني بجيشه وطائراته ودباباته، مضافًا إليها كل وسائل الدعم الغربي والشرقي.. وإن هذا العدو عند الضرورة لن يتوانى عن التعامل بمنتهى الوحشية مع الشعب الفلسطيني في الداخل.. وفي ظل الواقع العربي العاجز والمشلول، وفي ظل التواطؤ الغربي، يمكن أن يلجأ العدو اليهودي إلى الكثير من الخطط والخيارات المجنونة والجاهزة من الترحيل الجماعي «الترانسفير» إلى عمل المجازر وسحق القرى ومحوها من الوجود.

الداخل والخارج:

إذن فقضية التحرير اعتمادًا على «الداخل» فقط ودون «امتداد» و«إمداد » من الخارج لعملية الجهاد.. هنا فإن الأمر يصبح عسيرًا.. ويؤكد هذا الفريق أيضًا أن وجود الجيش اليهودي المنظم والإمكانات اليهودية والدولة اليهودية يتطلب في المقابل- إضافة إلى جهود الداخل..  يتطلب ومن باب التوازن بين طرفي الصراع أن يكون هناك على الأقل جيش وإمكانات ودولة تدعم جهاد الداخل وتتواصل معه وتخوض- في الوقت المناسب- حربًا منظمة ضد العدو المحتل وضد جیشه وآلته العسكرية، بحيث يعمل «الداخل» و«الخارج» في آن واحد وتناسق واحد وضمن خطة واحدة لإطباق الخناق على الكيان اليهودي ووجوده البغيض.. عندها يكون لحرب العصابات وللانتفاضات والإضرابات أثر أكثر فعالية في مواجهة اليهود.. بل إن مثل هذه الفعاليات تحتل مكانها في صميم عملية التحرير.

دولة إسلامية:

ويقول أصحاب هذا الرأي إنه إذا وصلنا إلى النتيجة التي مؤداها أنه لا بد من وجود «دولة» في سياق عملية تحرير فلسطين، فإنه وبناء على تجارب السنين وبناء على واقع الحال السيئ، لا نجد أيًّا من الأنظمة الموجودة مؤهل لمثل هذا الدور الكريم

فمعظم هذه الدول تعمل بكل الوسائل من أجل إنهاء القضية وإسدال الستار عليها وتمارس الضغوط المختلفة على الشعب الفلسطيني كي يقبل بالأمر الواقع.. عوضًا عن أن يكون لدى أي منها النية أو الاستعداد لمواجهة الاحتلال.. وبناء على ما تقدم فإن هذه الدولة لا بد أن تكون دولة إسلامية تقدر ضرورة مواجهة الاحتلال ودحره وتجعله من صميم أهدافها

فلسطين.. القضية المركزية:

يذهب الفريق الثاني إلى القول بأن القضية الفلسطينية يجب أن تكون هي القضية المركزية والأولى للحركة الإسلامية، باعتبار أن الوجود. اليهودي على أرض فلسطين يقف عقبة أمام جهود وجهاد الحركة الإسلامية لإعادة الخلافة الإسلامية. ويسعى إلى تدمير الأمة وتمزيقها وتفريغها من كل المعاني الإسلامية والإيمانية وإبعادها عن دينها. وعقيدتها لضمان عدم وحدتها أو قيامها بأية محاولة جادة لتهديد أمنه ووجوده..

ولأنه من غير المعقول أن يترك الكيان الصهيوني. يكرس نفسه في المنطقة ويخترق المجتمعات والدول العربية ويتغلغل فيها ويعمل على مسح الهوية الإسلامية والعربية للشعب الفلسطيني ويمارس كل أساليب القمع والقهر والتعسف ضده ويدنس الأقصى والمقدسات ويعيث في الأرض فسادًا ويبقى «يسرح ويمرح» دون أن تحرك الحركة الإسلامية ساكنًا ودون أن تتصدى لكل ذلك. لأنها في تلك الحالة ستكتشف- ولو بعد حين- الخطأ والجرم الذي ارتكبته بعدم إعطاء هذه القضية المكانة التي تستحقها والاهتمام الذي تستلزمه.

فالوجود اليهودي بكل أطماعة في المنطقة هو التناقض الرئيسي مع الحركة الإسلامية وأطروحاتها ولا يمكن للحركة الإسلامية أن تستمر في برنامجها لإعادة الحكم الإسلامي دون التصدي للوجود اليهودي أولًا.

الوحدة العربية أم تحرير فلسطين:

ولعل هذا الحوار في الساحة الإسلامية يذكرنا بالجدل الذي كان قائمًا وعنيفًا أيضًا بين القوميين العرب وبين أصحاب المنظمات الفلسطينية في الخمسينيات من هذا القرن على تحديد الأولوية: هل هي لتحرير فلسطين أم للوحدة العربية، حين كان القوميون العرب ينادون بالوحدة العربية أولًا وبعد ذلك تحرير فلسطين كان أصحاب المنظمات يصرون على تحرير فلسطين أولًا وبعد ذلك يكون السعي لإنجاز الوحدة العربية.. وكانت الحوارات بين الجانبين ساخنة ومتوترة وكثيرًا ما أدت إلى خلافات وافتراقات وانشقاقات.. ولم يستطع أي من الفريقين أن يحسم الأمر لصالحه أو أن يقنع الطرف الآخر بنظريته.. وعند صياغة الميثاق الوطني الفلسطيني اصطدم معدو مشروع الميثاق بهذا المأزق ولم يستطيعوا الخروج منه إلا بصيغة توفيقية عندما اعتبروا أن «الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان يهيئ الواحد منهما تحقيق الآخر، فالوحدة العربية تؤدي إلى تحرير فلسطين، وتحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية والعمل لهما يسير جنبًا إلى جنب» حسب ما ورد في المادة (۱۳) للميثاق الوطني الفلسطيني.

قضيتان متكاملتان

أعتقد أن اعتبار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الإسلامية لا يتعارض ولا يتناقض مع أولوية إقامة الدولة الإسلامية واستئناف الحكم بما أنزل الله.

فقضية العمل لإقامة الدولة وأولوية ذلك وأهميته بالنسبة للإنسان المسلم والجماعة المسلمة قضية لا يختلف فيها اثنان.. وهي ليست محل نقاش أو جدل، فهذا أمر إلهي ليس للعبيد أن يجتهدوا فيه.. وبالتالي فإن مكانة ومنزلة هذا الأمر غير خاضعة لترتيبات البشر ومحاولاتهم لتحديد أولوياتهم فعندما نقول أن قضية فلسطين ذات أولوية أو أنها قضية مركزية للحركة الإسلامية فهذه الأولوية والمركزية تكون بالنسبة لمجموع القضايا الكبرى والهامة الأخرى..

ومما لا شك فيه أيضًا أن تحرير فلسطين وإقامة الدولة الإسلامية قضيتان متكاملتان.. فتحرير فلسطين سيمهد الطريق ويعجل خطوات إقامة الدولة الإسلامية باعتباره يكون قد أزال عقبة رئيسة في الطريق وهي الوجود اليهودي الذي يعمل للحؤول دون إنجاز هذا الهدف.. وبالمقابل فإن إقامة الدولة سيعجل بتحرير فلسطين.

ومن المؤكد أنه لا خيار للحركة الإسلامية من العمل لتحقيق الهدفين: التحرير والدولة معًا.. ومن المؤكد كذلك أنه لا يمكن تأجيل أحدهما بانتظار تحقيق الآخر.

حسم الخلاف:

ومن الواضح أن هذه القضية قد حسمت في الأوساط الإسلامية وأنهت فترة طويلة من الحوار.. فأنزلت الحركة الإسلامية قضية فلسطين المكانة التي تستحقها في قمة قائمة الأولويات.

ولعل ذلك يفسر هذا التصاعد والتنامي للدور الإسلامي الفاعل على ساحة القضية الفلسطينية حتى غدا التيار الإسلامي القوة الأكبر والأوسع في فلسطين المحتلة وأصبح دوره في توجيه الأحداث وقيادة الجماهير واضحًا بينًا، الأمر الذي لفت انتباه كل جهات الرصد الغربية، فوضعت هذه الظاهرة تحت المجهر وبدأت تضع الدراسات حولها لخدمة الكيان اليهودي وتوجيهه بكيفية مواجهتها.. ولحماية مصالحها في المنطقة.. ولقد صدمت سلطات الاحتلال بدور الحركة الإسلامية في الانتفاضة فشنت أشرس حملة اعتقالات منذ بدء الانتفاضة ضد الإسلاميين وضد كل من تشتبه أنه من «حماس» وذلك في محاولة لوقف الانتفاضة، غير متشبهة بأن هذه الحركة تستعصي على الاستئصال فقد غدت حركة شعبية متأصلة في نفوس الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته.

الانتفاضة المطلوبة:

وإذا كان انعكاس كون القضية الفلسطينية. قضية مركزية أو ذات الأولوية في سلم اهتمامات الحركة.. إذا كان هذا الانعكاس واضحًا جليًّا في ساحة فلسطين المحتلة، فإن الأمر ليس بنفس الوضوح في الساحات الأخرى خارج فلسطين.. فمن المؤكد أن النقلة الكبيرة في «الاهتمام» و«الانشغال» الإسلامي بالقضية الفلسطينية على ساحة فلسطين في الداخل لا يقارن «بالمرة» مع حجم التفاعل والانشغال الإسلامي مع القضية في الخارج.. خاصة في هذه المرحلة مرحلة الانتفاضة المباركة ومرحلة الشهادة والتضحيات والدماء والآلام.. التي يجب أن يرافقها في نفس الوقت «انتفاضة» فيجسم الحركة الإسلامية في الخارج وانتفاضة في طريقة تفكيرها وديناميكية عملها.. بنفس حجم «انتفاضة» الحركة الإسلامية في الداخل وبنفس قوتها ومفعولها.. لا بد أن تتناسق حركة الداخل والخارج تناسقًا دقيقًا من أجل ترجمة المقولة بأن قضية فلسطين هي القضية المركزية للحركة الإسلامية.

خطاب سياسي إسلامي لفلسطين:

الحوار والنقاش حول جدلية موقع القضية الفلسطينية انتهى.. وأخذت القضية مكانتها كقضية مركزية.. لكن الذي لم ينته هو الحوار والنقاش حول «المشروع الإسلامي الفلسطيني» من أجل بلورة مختلف جوانب هذا المشروع.. ومن أجل تحويله من مرحلة الأقوال والنظريات إلى مرحلة الأفعال والعمليات.

وأعتقد أن الأمر الهام والملح في هذا السياق هو بلورة خطاب سياسي للحركة الإسلامية حول فلسطين.. خطاب سياسي يكون «ناضجًا» و«مبدئيًّا» و«مستوعبًا للواقع» في نفس الوقت بحيث يؤهل هذا الخطاب الحركة الإسلامية ويمكنها من الوصول إلى قلوب وعقول الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية.. وجود هذا الخطاب السياسي الاسلامي الفلسطيني أصبح ضروريًّا وفي غاية الأهمية في هذه المرحلة، ولا يمكن تأجيله أكثر من ذلك.. من أجل تمتين ثقة الجماهير الفلسطينية بالحركة الإسلامية وكفاءتها وبرنامجها.. ومن أجل الرد على الخطاب السياسي الرسمي الحالي للفصائل والمنظمات الفلسطينية.. والذي يحاول أن يصبغ نفسه بصفات «الاعتدال والمرونة والواقعية» بتقزيم الحقوق الفلسطينية إلى المطالبة بالضفة والقطاع، ومع ذلك فإن هذا الخطاب لهذه الجهات يلقى رواجًا عند قطاعات لا يمكن تجاهلها من الشعب الفلسطيني.. التي تبنت مثل ذلك الخطاب تحت مقولة «شيء أفضل من لا شيء» وتحت تأثير وضغط المعاناة اليومية.. وتحت تأثير تضليل إعلام الأنظمة والمنظمات.

الخطاب السياسي الإسلامي حول فلسطين لا بد أن يكون مقنعًا ومتوازنًا ومرنًا ومستوعبًا لظروف الشعب الفلسطيني وإمكاناته وحقوقه وآماله وآلامه.. إضافة إلى كونه مبدئيًّا وإستراتيجيًّا.. خطاب يترجم الأطروحات الإسلامية الفلسطينية التي «يستثقل» و«يستبعد» البعض إمكانية تحقيقها إلى برنامج معقول وممكن التنفيذ.. وهو أولًا وأخيرًا لا يتناقض مع المبدئية التي تميز الحركة الإسلامية.. هذا الخطاب لا بد أن يستوعب الجماهير الفلسطينية ويستقطبها من حول الخطاب الآخر الذي يحاول أن يبقي هذه الجماهير في حالة «الوهم»!! وبالتالي لا بد أن يحشد هذه الجماهير ويكرس جهودها لإنجاح المشروع الإسلامي لفلسطين.

الصف الإسلامي الفلسطيني:

وإذا كان الخطاب والبرنامج السياسي الإسلامي الفلسطيني ضرورة لا يمكن تأجيلها.. فإن وحدة الصف الإسلامي الفلسطيني خلف هذا الخطاب لا تقل أهمية عن ذلك.. والمرحلة لا تحتمل استمرار تفرق الصف الإسلامي الفلسطيني.. فالكفاءات الإسلامية الفلسطينية مطلوب منها أن تبلور الخطاب الإسلامي لفلسطين.. ومطلوب منها أن تبلور صيغة «تلملم» هذا التفرق وتوظف الجهد الإسلامي.. والإمكانات الإسلامية لتحقيق وإنجاز المشروع الإسلامي.. وبغير هذا أعتقد أن الإسلاميين لن يكونوا قادرين على توجيه الأحداث وقيادة الجماهير أو حتى استثمار تضحياتهم وفعاليتهم.

الصف الإسلامي الفلسطيني مطلوب منه في هذه الرحلة أن يكون على مستوى المسؤولية وأن يرتفع عن كثير من الخلافات والاختلافات تقديرًا منه لحساسية وخطورة الظروف.. المطلوب باختصار هو سرعة إنجاز الخطاب السياسي الإسلامي الفلسطيني وتحقيق وحدة الجماعات والمنظمات الإسلامية الفلسطينية. ومن هنا نبدأ نحن الإسلاميين.. والا انتهينا حيث نحن وجودًا ومصيرًا..

 

الرابط المختصر :