; الاجتهاد أساس تعدد المذاهب.. والإجماع يوحد القضاء على واحد منها | مجلة المجتمع

العنوان الاجتهاد أساس تعدد المذاهب.. والإجماع يوحد القضاء على واحد منها

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 61

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

  • قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي (٥)

  • الإجماع نوعان: 

- إجماع مطلق كامل يقر بوجود حكم قطعي له مصدره من الكتاب والسنة.

- وإجماع نسبي يأخذ به المجمعون عليه حسب زمانهم ومكانهم.

التشريع الجنائي الإسلامي ليس مصدره سلطة الدولة، بل يحل محلها الفقه الذي هو العقل والعلم ذلك لأن الشريعة تفتح باب الاجتهاد للعقل البشري ليكون هو رائد التجديد والتطور بدلًا من إرادة الدول وحكامها. 

ويترتب على اعتبار الاجتهاد مصدرًا لأحكام تشريعنا أن شريعتنا دون غيرها من شرائع العالم تعتبر تعدد المذاهب وتعدد الأقوال في المذهب الواحد قاعدة أساسية وأصلًا من أصولها، وهو ما لا يوجد له مثيل في أي شريعة أخرى في الماضي أو الحاضر.

لكن تعدد المذاهب واختلاف الآراء إذا ساد في القضاء والعمل فقد يؤدي إلى الفوضى وهنا يجيء دور الإجماع لأنه هو صمام الأمان الذي جعلته شريعتنا مفتاحًا لسد أبواب الفوضى التي قد تنجم عن إطلاق التعدد دون ضابط في العمل أو في أحكام القضاء. 

ومما يؤسف له أننا عطلنا وظيفة الإجماع وحصرناه في صورة واحدة يستحيل أو يصعب تحقيقها، وهي الصورة التي يعبرون عنها بالقول إن الإجماع هو الاتفاق الكامل بين أئمة الاجتهاد في عصر معين.

وكثير من الخلافات التي ثارت حول الإجماع سببها اعتباره صورة واحدة، في حين أن له تطبيقات متعددة ومتنوعة تختلف بحسب نطاق كل منها كما يلي:

  1. الإجماع المطلق الكامل: هو الذي يصدر عن الأمة الإسلامية في جميع أوطانها وأقطارها ويشترك فيه جميع شعوبها وأفرادها وجماعاتها، وهو المثل الأعلى الذي يرى البعض عدم إمكان تحققه عمليًا، والذي قال بشأنه الإمام أحمد قوله المشهور: «من ادعى الإجماع فقد كذب، وعلل ذلك بأنه يستحيل عليه معرفة رأي جميع المسلمين، ويصعب التأكد من اتفاقهم جميعًا على رأي واحد في مسألة معينة من مسائل الفروع. 

وقد أضاف الفقهاء إلى هذه الحجة أنه إذا فرض وتحقق ذلك بالإجماع فإنه يكون في مسألة عقدية أو أصولية، ولا يكون إلا لوجود نص قطعي من نصوص القرآن أو السنة الذي يسلم الجميع بحجيته دون خلاف أو جدال، ويكون مصدر الحكم المجمع عليه في هذه الأحوال هو ذلك النص القطعي الذي هو سند الإجماع ([2]).

فاشتراط وجود سند للإجماع معناه أن مصدر الحكم هو ذلك السند أما الإجماع فهو مجرد إقرار بوجود حكم قطعي له مصدره في الكتاب والسنة في حالة الإجماع الكامل ولذلك يعطيه فقهاؤنا قوة مماثلة للأحكام المستمدة من الكتاب أو السنة - أو أنه يليها في الترتيب. 

ودور الإجماع في هذه الحالة هو تقنين حكم له مصدر قطعي معترف به من الكتاب والسنة، ونعتقد أن هذا هو الدور الأساسي للإجماع في جميع صوره وخاصة صور الإجماع النسبي التي لا حدود لها.

  1. الإجماع النسبي: هناك إلى جانب الصورة الشاملة الكاملة صور أخرى للإجماع النسبي، مثال ذلك ما يتردد كثيرًا في كتب الفقه من القول إن حكمًا معينًا قد أجمع عليه أهل السنة، فإذا كانت هناك طوائف أخرى إسلامية قد شذت عن هذا الرأي فإنها لا تلتزم به لأنها لم تشارك في هذا الإجماع، ويبقى إلزام القاعدة المجمع عليها نسبيًا في حدود أهل السنة.

ونرى أنه قياسًا على ذلك يمكن القول بإجماع شعب معين من شعوب العالم الإسلامي على اختيار تطبيق مذهب من المذاهب الفقهية ليكون ملزمًا للقضاة مثل إجماع شعب مصر مثلًا على تطبيق مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بل على تطبيق الرأي الراجح منه دون غيره، ويمكن أن ينسب ذلك إلى الشعب في بلد آخر مثل تركيا أو السودان، كما يمكن أن يوجد شعب آخر من شعوب المسلمين يجمع على الالتزام بمذهب آخر، مثل الشعب السعودي الذي يجمع على تطبيق مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وعلى فتاوى الإمام ابن تيمية.

كذلك تجمع شعوب أخرى مثل جنوب شرق آسيا في ماليزيا والفلبين وإندونيسيا على الالتزام بمذهب الإمام الشافعي، وشعوب أخرى في شمال إفريقيا تجمع على الالتزام بمذهب الإمام مالك، فضلًا عن إيران والشيعة الإمامية التي تجمع على تطبيق مذهب الشيعة الإثنا عشرية. 

بل نجد بلدًا مثل اليمن يجمع على تطبيق مذهب الإمام الشافعي في مناطق معينة أو مسائل معينة وعلى تطبيق مذهب الإمام زيد في مناطق أخرى أو مسائل أخرى.

في جميع هذه الأمثلة نجد أن دور الإجماع هو تقنين مذهب معين أو رأي معين ليلتزم به القضاء ويعمل به في بلد أو إقليم أو شعب من شعوب العالم الإسلامي، فهو إجماع نسبي من حيث نطاق تطبيقه المكاني أو الاجتماعي.

 

[2] مثل النص على صيغة شهادة الا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأنها أول أركان الإسلام، وهذه الصيغة محل إجماع المسلمين في جميع العصور.

الرابط المختصر :