العنوان شِعارها الدم ينبت العشب: فضيحة الجيوش الغربية
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997
مشاهدات 62
نشر في العدد 1262
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 12-أغسطس-1997
القادة العسكريون يحذرون من معاملة الصوماليين باعتبارهم بشرا ويحثون الجنود على قتل الأطفال والنساء.
القضاء البلجيكي: لم يثبت أن شواء، أحد الصوماليين على النار قد سبب له أذى جسديا.
يكفي تبديل الأسماء والعناوين والتواريخ لتجتمع لدينا فصول متكررة بمشاهدها تائجها والمواقف الصادرة إزاءها، ولتشكل معا مأساة متكاملة لا يسهل استيعابها وفي البوسنة ولا ينبغي التهوين من أبعادها مسرح المأساة في الصومال تارة والهرسك تارة أخرى وربما في مواقع أخرى مجهولة بعد، وشخص المأساة جنود وضباط وعسكريون السلاح في أيديهم، والقوى الدولية الكبرى من ورائهم، مقابل مدنيين عزل من السلاح من الصوماليين والبوسنيين، وربما سواهم من بلدان أخرى على الجانب المقابل، أما القاسم المشترك بين تلك الفصول رغم التباعد الجغرافي والزمني فيما بينها، فهو ممارسة أبشع ألوان الاعتداءات الوحشية، على حقوق الإنسان وكرامته وحياته، ليس تحت عنوان إرهاب أعلنت الحرب عليه، بل تحت علم الأمم المتحدة، وفي إطار مهام السلام والغوث، التي تقوم بها في أنحاء العالم.
عندما أقامت الولايات المتحدة الدنيا واقعدتها بسبب الجندي الأمريكي الذي قتله الصوماليون وجروا جثته في الشوارع بصورة تعبر عن تفجر الغضب اليائس تجاه القوة الكبرى وما تصنع انذاك نسي أو تناسى كثيرون كيف كانت الطائرات العمودية تقذف الموت على جموع المتظاهرين في الشوارع، فلم تنقطع لفترة طويلة سلسلة المواقف السياسية والتحليلات الإعلامية التي تتحدث عن إنسانية الأمريكيين ووحشية الصوماليين الذين يقابلون بالإساءة إحسان العالم إليهم، وبالأعمال الإنتقامية الهوجاء الغوث الأمريكي المجرد من أغراض سياسية أو اقتصادية كما كان يقال قبل أن تظهر أبعاد التحركات الأمريكية في القارة الإفريقية إجمالاً وانقضت أربعة أعوام على مهمة السلام الدولية في الصومال، وما يزال أهله يلعقون جراحاتهم التي سببتها أيديهم منذ تقلبوا في عهد سياد بري بين الاستبداد الداخلي، والتبعية الأجنبية، للشرق حيناً وللغرب حيناً آخر، وتلك التي خلفتها الأسرة الدولية لديهم أيضاً، عندما تركتهم وشأنهم بعد زوال أزمة الشرق والغرب، والآن فقط انكشفت بعض الممارسات، وهي غيض من فيض ولا ريب مما أقدم عليه الجنود الدوليون في الصومال، ولا تطيل فنكتفي بتلخيص بعض المشاهد.
في ١٣ يونيو الماضي نشرت «بانوراما» الأسبوعية الإيطالية عددا من الاتهامات الموجهة إلى جنود وضباط إيطاليين في الصومال، تشمل الإعتداء الجنسي على النساء، وإطلاق النار بصورة انتقامية على المدنيين في القرى، وقتل المدنيين دون سبب وصدور تعليمات على ألسنة القادة العسكريين تُحذر من معاملة الصوماليين كبشر، وتُطالب الجنود ألا يتورعوا عن قتل الأطفال والنساء إذا استدعى الأمر ذلك، والاتهامات مدعومة بشهادات عدد من الجنود الذين رأوها رأي العين، وبالصور كصورة فتاة صومالية عارية مربوطة على إحدى الدبابات أثناء اعتداء جنود إيطاليين جنسياً عليها، كما أنها مدعومة بتحديد مواقع ارتكاب الجرائم كتلك التي على الطريق الممتدة بين مقديشو وقرية بلد، وتحديد أوقاتها كقصف إحدى القرى في نوفمبر عام ۱۹۹۳م، كما امكن العثور على أحد الشباب الصوماليين الذين تعرضوا للتعذيب، مطابقة أقواله ما سبق وشهد الإيطاليون به بل لم يستطع القادة العسكريون الذين حملوا مسؤولية قيادة الجنود الإيطاليين في الصومال أن يواجهوا تلك الإتهامات إلا بالإستقالة من مناصبهم، مثل الجنرالين برونو لوي وكارمن فيوري، ولم تكن قد هدأت الضجة حول هذه الإتهامات بعد، عندما صدرت إتهامات أخرى ومدعومة بصور مشابهة، حول ممارسات مماثلة من جانب جنود بلجيكيين في الصومال أيضاً ومن ذلك صورة نشرتها صحيفة هيت لا تستي الجنود يحيطون بشاب صومالي وهم يشوونه، على النار في معسكر كيسمايو في نوفمبر ١٩٩٣م.
ثم ما لبثت أن أصدرت قبل نهاية يونيو الماضي لجنة دولية مختصة تابعة للأمم المتحدة ۱۲۱ نتائج تحقيقاتها بعد الاستماع لأقوال شاهداً، فكان تقريرها حافلاً بالاتهامات الجنود وضباط عسكريين من كندا، تتضمن فيما تتضمن قتل أحد المدنيين رميًا بالرصاص يوم 4/3/1993م، والتعذيب الجماعي لآخر حتى الموت، كما القادة العسكريين تتضمن اتهام كبار والسياسيين بالتمويه على الحوادث بدلاً من ملاحقتها في حينها.
النماذج .... والظاهرة
في أقوال أحد الجنود الشهود على ممارسات زملائه الإيطاليين، ورد التأكيد الصريح على مشاركة الأمريكيين في تلك الممارسات كما ورد ذكر الجنود الألمان مع وصف مفصل لمشاركتهم المباشرة، وحصولهم على السلاح. من الإيطاليين لهذا الغرض وسرعان ما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية إنكار ذلك بصورة قاطعة، وأكدت على ارتفاع مستوى التدريب والوعي في صفوف الجيش الألماني، ثم لم يعض اسبوعان تقريباً، إلا وجاء مزيد من التأكيد في المجلة العسكرية الجيش والحدث، فنقلت يوم 7/7/1997م عن الخبراء الجيش لدى في وزارة الدفاع في بون، أن مكانة الجيش الرأي العام بلغت مستوى عالياً، نظراً إلى مدى الانضباط والوعي، وتعرضت لما يقال عن سمعة جيوش غربية أخرى... ولكن في مساء اليوم نفسه نشرت محطة تليفزيونية خاصة ما أصبح يعرف في هذه الأثناء به شريط فيديو الفضيحة الشريط المصور والموزع على عدد من الجنود تحت الإعداد المهمة البلقان في ربيع ١٩٩٦م. يصور مجموعة منهم في منطقة ها ملبورج، وهم يمثلون عمليات القتل والصلب والاغتصاب بغرض التدرب على ما ينتظر أن يواجهوه هناك. ولم تمض ساعات على نشر الشريط المصور، إلا وسارع وزير الدفاع الألماني فولكر روهي إلى
الإعلان الجازم، أن هذه حادثة فردية شاذة.
ولا يمكن اعتبارها ظاهرة أو القول بأنها تصور أوضاع الجيش الألماني، وستكون الحادثة موضع التحقيق والمحاسبة بصورة دقيقة شاملة وكلام روهي هذا لا يختلف بمضمونه ومغزاه اختلافاً كبيرًا عن كلام الرئيس الإيطالي أوسكار لويجي سكالفارو، وهو يرفض تعميم الاتهام الذي تعرض له بعض الجنود على جيش بلاده، بينما كان وزير الدفاع بنيامينو ندرياتا في روما يطلق الوعد بتحقيق شامل كذلك لا يختلف كثيرا عن كلام وزير الدفاع الكندي أرت إيجلتون وهو يرفض تقرير اللجنة الدولية باعتباره إهانة تعمم الاتهامات ضد الجيش الكندي، بينما كان رئيس الوزراء جان شيرتان ينكر اتهام كبار المسؤولين بالتمويه على ما وقع من حوادث ويظهر التناقض عند ملاحظة إقرار رئيس الوزراء بالحاجة إلى تنفيذ ما لا يقل عن ٧٠% من توصيات اللجنة الدولية، لتحسين وضع الجيش الكندي.
ولعل الأشد من ذلك أن يصل القضاء العسكري في إيطاليا إلى تبرئة معظم المتهمين بعد أن سحب أحد الجنود شهادته السابقة، ورغم وجود الصور وشهادات جهات أخرى، وكذلك أن يصل القضاء البلجيكي إلى تبرئة المتهمين، بحجة عدم ثبوت أن «شواء» الشاب الصومالي على النار قد سبب له أذى جسدياً، كما وورد في في حيثيات الحكم وكانت النيابة العامة قد اسقطت! مسبقاً اتهام الجنود بدوافع عنصرية، وهو لو تقرر لكان من المفروض المطالبة بعقوبة بالسجن تصل إلى ١٥ عاماً، فاكتفت النيابة العامة بالمطالبة بالسجن لمدة شهر واحد وبغرامة مالية.
وليس مجهولاً أن تهمة العنصرية علقت بالجنود والقادة الهولنديين إزاء تعاملهم مع البوسنة المذابح الصربية في سريرينيتسا في البوسنة والهرسك قبل عامين، وهي عينها التهمة التي يخشاها المسؤولون الألمان أكثر من سواها عند الحديث عن أوضاع الجيش الألماني إنما لا يمكن استبعادها تماماً، فقبل شهور معدودة فقط واجه الرأي العام حادثة قيام عدد من الجنود المخمورين الألمان قبل إرسالهم! إلى البوسنة والهرسك بحمل الهراوات والعصي، والتجوال في مدينة ديتمولد مساء، ليثيروا الفزع في شوارعها من خلال اعتداءاتهم العنصرية على من وجدوه من الأجانب، والدوائر الألمانية حافلة بالشكاوى والقضايا المفتوحة بشأن ممارسات مشابهة من جانب رجال الشرطة.
القيم الضائعة
إن حرص المسؤولين في البلدان الغربية على اعتبار تلك الوقائع مجرد حوادث «انفرادية» يمكن فهمه من زاوية الحرص على سمعة قواتهم العسكرية ومكانتها، ولكن لا ريب أن الكشف عن عدد محدود من الحوادث، لا يعني أن سواها لم يقع، فكثير مِمَا يجري لا يصل إلى وسائل الإعلام، فضلاً عن أن يرقى إلى مستوى المحاسبة القضائية وطنيا، أو الاهتمام والمتابعة من جانب الأمم المتحدة دوليا، فلا يلفت الانظار أو لا يراد له أن يلفت الأنظار، ويعزز ذلك انقضاء سنوات أحياناً قبل أن يعلم الرأي العام في البلد المعني، أو عالميا ببعض ما وقع، رغم وجود الأدلة عليه، ثم يأتي كشفه غالباً نتيجة رغبة وسيلة من وسائل الإعلام أن تحقق سبقاً صحفياً.
وأحياناً نتيجة اهتمام بعض الجهات المدافعة عن الإنسان وحقوقه.
وعلى أي حال يؤكد ما وصل إليه حجم الظاهرة واتساع نطاق انتشارها، وخطورة النتائج المترتبة عليها موقف القلق الشديد الذي أعرب عنه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان يوم 24/6/1997م، إنما لا تجدي الإجراءات الشكلية والمحدودة في مكافحة الظاهر ونتائجها، من مثل ما ذهب إليه نائبه بيرنارد ميت وهو يقول بضرورة إضافة مفوضين للمراقبة أثناء مهام السلام الدولية، إلى جانب القادة العسكريين، وضرورة أن يشمل الإعداد العسكري للجنود كيفية التعامل مع المدنيين.
والواقع أن المعطيات النظرية في هذا الاتجاه متوفرة بكثرة، ولكن لا تجد طريقها إلى الواقع المشهود ومن أبرز الأمثلة على ذلك المانيا ذلك المانيا التي يعتبر وضع قواتها العسكرية في المقدمة بين جيوش بلدان حلف شمال الأطلسي.
وتؤكد الوثائق العسكرية على سبيل المثال ضرورة توفير المدربين الذين يمتلكون ما يكفي من القدرة على القيادة والتوجيه، والوعي السياسي والكفاءة لنشره والمعرفة بالقوانين السارية وتطبيقها ، والنصوص المشابهة كثيرة، ولكن بالمقابل يعلن التقرير السنوي لمفوضية شؤون الجيش العام ١٩٩٦م وجود نقص خطير في مستويات المدربين، ووجود انحرافات واضحة في عملية التوعية والتأهيل، ويورد التقرير أمثلة على ذلك كأن يوضع المجند الشاب معصوب العينين في قبو مغلق، لساعات عديدة ويتعرض لاستجواب عنيف، أو لضجيج يصم الآذان، أو كمثال آخر أن يقترن التدريب على الهرولة بنطق عبارات على السنة المجندين تؤكد استعدادهم للقسوة والشدة والعنف، أو أن يجيبوا على سؤال المدرب المتكرر أثناء الهرولة: على ماذا ينبت العشب، قائلين بصوت واحد وصياح متواتر الدم الدم، إشارة إلى أنه لا مناص من ممارسة القتل الحصاد الأهداف المطلوبة، وقليلاً ما يتابع الرأي العام هذه الأوضاع، ولو نشرت في تقرير «سنوي»، إلى أن يقع حدث من قبيل فضيحة شريط الفيديو فتبادر وسائل الإعلام إلى نشر مثل تلك المعلومات والأمثلة على نطاق أوسع، ويلتفت نظر الرأي العام إليها لفترة مؤقتة ثم ينشغل عنها .
وقد سعت وزارة الدفاع الألمانية إلى تبرئة المسؤولين فيها بأقوال مثل: «إن فترة التجنيد لا تكفي لإصلاح ما أفسده المجتمع وقصرت فيه الأسرة والمدرسة»، وعبر وزير الدفاع روهي عن ذلك بصورة أوضح من خلال قوله: «لا يمكننا الصمت إزاء ما وقع في صفوف الجيش، ولكنه كان على ما يبدو نتيجة تأثير أفلام الرعب والعنف في المجتمع» وهذا بالذات مما يشير إلى استحالة القضاء على الظاهرة المنتشرة في الجيش، مادامت جزءاً من جملة ظواهر الأمراض المستفحلة في المجتمع ومؤسساته الرئيسية، والناشئة عن ضياع القيم وفساد الأخلاق على أوسع نطاق وعن الاستمرار في ترسيخ ذلك عن طريق تجنيد وسائل التوجيه والتربية عبر المناهج المدرسية، ودعوات انحلال الأسرة وتفكيك روابطها، ونشر الفساد في وسائل الإعلام وتقنينه وجميع ذلك من الوسائل التي كان من المفروض أن تكون مهمتها التربوية قائمة على القيم والأخلاق.
قد لا يمكن للدول الغربية التي أصبحت ظاهرة العنف الدموي فيها وباء ثقيل الوطأة، وخطير العواقب أن تجد بنفسها الدواء الناجع المرضها ولكن لا ينبغي على المستوى الدولي القبول بالتهوين من شأن امتداد عواقب هذه الظاهرة حتى إلى مهام الأمن والسلام التي تقوم بها هيئة الأمم المتحدة، والتي بات من ضحاياها سكان البلدان الأضعف المحتاجة إلى العون الخارجي في الأصل.
والأخطر من هذه الظاهرة نفسها، أن يصبح كثير من ممارسات العنف العدواني الوحشي المذكورة يجري على نطاق جماعي أشمل ويسبب الشعوب بكاملها أو لجماعات عرقية مستضعفة أضراراً أشد وأكبر، وجميع ذلك علني لا يحتاج إثباته إلى بحث وتحقيق، إنما تحتاج مواجهته إلى جرأة على وصفه بما يستحق كممارسات وحشية تتناقض مع القيم والمبادئ الثابتة في القانون الدولي، وكإعتداءات صارخة على الإنسان وحقوقه وكرامته، ولا يمكن تبريرها أو السكوت عنها والإمتناع حتى عن المطالبة بملاحقتها، لمجرد أنها تصدر عن قوى دولية أو تدعمها وتتستر عليها قوى دولية تريد أن تتزعم العالم تحت عناوين الدفاع عن الحريات وعن حقوق الإنسان.
عودة الإنكشارية
بقلم: محمد صلاح الدين
كاتب سعودي
تحت عنوان التطرف العلماني تسالت السيدة كارلا باور في مقال نشرته مجلة النيوزويك الأمريكية (14/7/1997) عما إذا كان ما أسمته بالتهديد الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط قد تم استبداله بأصولية علمانية؟ ومن خلال استعراض سريع للأحداث في كل من مصر والجزائر وتركيا وإيران لاحظت الكاتبة الأمريكية أنه حيثما تم منع الحركات الإسلامية من المشاركة الشرة في الحياة السياسية الديمقراطية اجتاحت هذه البلدان موجات التطرف، وعبرت الكاتبة عن خشيتها من أن يحدث في تركيا ما حدث من صراع دموي في الجزائر ورغم أن هذا الغلو العلماني الذي يلجأ إلى الحديد والنار ليعزل مخالفيه ويتسلح بحراب السلطة لإسكات المعارضين، ويقفز على دبابات الجيش ليسحق حريات الناس هو الذي يحكم المنطقة منذ أكثر من نصف قرن، وهو الذي جلب عليها معظم كوارثها وقعد بها عن اللحاق بالركب الإنساني المتقدم على جميع الجبهات، إلا أن استبداد الغلو العلماني قد تجاوز في السنوات الأخيرة كل حد حتى أغرق بعض المجتمعات الإسلامية في دوامات العنف وضاعت المصالح العليا للأمة في سبيل الحفاظ على السلطة والبقاء في الحكم، مما دفع بالكثير من الكتاب المحسوبين على التيار العلماني ليرفعوا أصواتهم بالاستنكار ويكرروا التحذير تلو التحذير.
وليس سراً أن هذه الفئات العلمانية إنما هي أقلية بالغة الصغر غريبة على مجتمعاتنا بفكرها وسلوكها وعواطفها ومن ثم فلا حياة لها في محيط ينكرها إلا بالاستبداد، ولا عاصم لوجودها في بيئة تصارعها إلا بالحديد والنار ولا سبيل لها إلى السلطة إلا على ظهور الدبابات.
لقد أطلقت السلطات الجزائرية مؤخرا بعض شيوخ الإنقاذ كبادرة انفراج للأزمة ورأب الصدع وسبيل لإيقاف حمامات الدم، فرحب بذلك الشعب الجزائري وأثنى على البادرة المجتمع الدولي، لكن قلة علمانية انتهازية حاقدة في الجزائر رفعت صوتها بالاستنكار والتحذير لأنها لا يمكن أن تعيش في الوفاق أو يكون لها شأن مع شيوع الأخوة والاستقرار.
وهي هي التي تطالب برامجها الرسمية باستئصال الإسلام والعروبة من هوية الجزائر وشن الحرب على الدين والمتدينين وإلغاء الانتخابات وتعطيل الدستور، وهي هي التي فشلت فشلاً ذريعا في الانتخابات العامة
الأخيرة لأن الشعب ينكرها فأدار ظهره لها.
وإنه لمن سوء حظ الشقيقة تركيا أن تتمركز هذه القلة العلمانية في القوات المسلحة التركية فتعيد من جديد سيرة الإنكشارية القديمة، وأن تبدأ اليوم هذه القلة - وقد رأت إقبال الشعب التركي على الإسلام وتمسكه بالدين - حرباً شاملة لإبعاد الإسلام من كل مناهج التعليم وإغلاق كل مدارس القرآن وتخريج الأئمة، وأن تؤكد تجريم الدعوة إلى الله أو الحض على الالتزام بأوامر الشرع ونواهيه.
ثم يتزامن ذلك من تحالف استراتيجي شامل مع إسرائيل يرهن مقدرات الشعب التركي كلها مع العدو الصهيوني ويقطع كل وشائجه مع إخوته العرب والمسلمين.
وليس أحد يدري إلا الله إلى أين تقود الأمة هذه الأقليات الإنتهازية المغامرة، وقد أوغلت في العبث بالنار، وأسفرت بمحادة الله ورسوله الله وغامرت بكل مقدرات الأمة إلا أن يدركنا الله برحمته قبل فوات الأوان.