; جيل العمالقة والقمم الشوامخ | مجلة المجتمع

العنوان جيل العمالقة والقمم الشوامخ

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1984

مشاهدات 61

نشر في العدد 690

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 06-نوفمبر-1984

إننا إذا أعدنا النظر في تقييم هذا المحصول الذي قدمه جيل الرواد وجدنا فيه الشيء القليل النافع الإيجابي ووجدنا أغلبه مما قذفتنا به رياح السموم: هذه الأطروحات التي كتبها الأعلام الذين تصدروا الحياة الأدبية ما وزنها في مجال البحث العلمي؟ لقد تبين أن رسالة الدكتور طه للدكتوراه في السوربون عن ابن خلدون هي ترديد لأفكار اليهودي الحاقد على الإسلام وإعلامه «دوركايم» وأنها تنتقص هذا الرجل انتقاصًا شديدًا، ونجد أطروحة منصور فهمي عن «المرأة في التقاليد الإسلامية» وهي ترديد صارخ لأكاذيب المستشرقين واتهامهم للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه استثنَى نفسه من قانون الزواج وهي أفكار دهاقنة اليهود، وإذا نظرنا في رسالة زكي مبارك عن «الأخلاق عند الغزالي» نجدها ترديدا لأكاذيب المستشرقين عن الغزالي واتهامه بأنه متأثر بالمسيحية، فإذا راجعنا كتاب المتنبي لطه حسين وجدناه مأخوذًا من أحقاد المستشرقين وفي مقدمتهم «بلاشير» وإذا راجعنا كتاب علي عبد الرازق عن «الإسلام وأصول الحكم» وجدناه مأخوذًا بكامله من رسالة لمرجليوث ، وإذا نظرنا في كتاب الشعر الجاهلي وجدناه مرددًا لنظرية قدمها مرجليوث عن انتحال الشعر يرمي بها القرآن نفسه، أما آراء سلامة موسى فقد كانت منقولة نقلًا مباشرًا من كتابات: داروين وفرويد وماركس ودوركايم. 

أما العقاد فقد تأثر تأثرًا واضحًا بنظريات مقارنات الأديان في كتابه عن «الله» وتأثر بنظريات الوراثة في كتاباته عن الصحابة.

كان الهدف هو إخضاع الفكر الإسلامي في مختلف جوانبه للنظرية المادية الفردية، بدأ ذلك «جرجي زيدان» في كتاباته عن الأدب العربي والتمدن الإسلامي والروايات الإسلامية، ومضى على الطريق كل من جاء بعد ذلك، فكتاب «حياة محمد» للدكتور هيكل على ما به من دفاع عن الإسلام خرج من عباءة المستشرقين وكتاب التغريب وتبنى نظريات الكاثوليكي الفرنسي «دوركايم» وأنكر ما سوى القرآن من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ورفض مفهوم الإسراء بالروح والجسم وتبنى عديدًا من مفاهيم الفكر المسيحي الغربي. 

أما الذين قدموا مفاهيم الإسلام الأصيلة فقد أبقاهم النفوذ الغربي المسيطر على الحياة الثقافية في مصر والبلاد العربية -أبقاهم في الظل- فقد سبقت ولحقت كتابات هيكل عن الرسول صلى الله عليه وسلم كتابات كثيرة: «محمد أحمد جاد المولى، محمد رضا، أ. نجيب» ومن بعد محمد الغزالي، محمد سعيد البوطي، أبو الحسن الندوي، وكثيرون ولكن هناك تركيز في دائرة الضوء على كتاب معين أو كتب بعينها وفي مختلف الميادين الفكرية والثقافية تجد تلك الأسماء الكريمة الأصيلة، ولكن هناك مؤامرة الصمت إزاءها وإزاء كتاباتها: 

أي الفريقين أحق بأن يوصف بالشموخ والريادة وجيل العمالقة؟! هؤلاء أتباع التغريب وغلمان المستشرقين والذين حملوا لواء تزييف الفكر في مجال من مجالاته حيث سيطر لطفي السيد على الدعوة للعامية، وقاسم أمين دعا لإخراج المرأة من حيائها، أَمْ سعد زغلول للدعوة لتعليم اللغة الإنجليزية، أَمْ طه حسين للدعوة للأدب الفرنسي، أَمْ سلامه موسى للدعوة إلى دارون، وفرويد، وماركس، أَمْ حسين فوزي للدعوة إلى الموسيقى الصاخبة، أَمْ لويس عوض للدعوة إلى الفرعونية، أَمْ ساطع المصري للدعوة إلى القومية الغربية، أَمْ علي عبد الرازق للدعوة إلى العلمانية... هؤلاء أحق بأن يوصفوا بأنهم الشوامخ وتقوم الأقلام لحمايتهم من كشف زيفهم ومن تعرية خبثهم ومن وضعهم في مكانهم الصحيح فلا تخدع بهم الأمة، أَمْ هؤلاء الأبرار أمثال: محمد عبده، مصطفى صادق الرافعي، رشيد رضا شكيب أرسلان، محب الدين الخطيب، جمال أحمد زكي باشا، ظاهر الجزائري، أحمد تيمور، المويلحي، الكواكبي، علال الفاسي، عبد العزيز جاويش، البكري المنفلوطي، الزيات الثعالبي، عبد الرحمن عزام، عبد الوهاب عزام، عبد الحميد بن باديس، حسن حسني عبد الوهاب، فريد وجدي الغلاييني، طنطاوي جوهري عبد الوهاب خلاف، وآخرون. 

هؤلاء في الحقيقة هم الذين صنعوا نهضة مصر والشرق والإسلام وخاصة في مجال النضال الوطني والتحرر من النفوذ الأجنبي، هؤلاء هم الذين وضعوا قواعد البناء الفكري الإسلامي الحديث.

ولقد ادَّعى لطفي السيد، وسعد زغلول، وطه حسين أنهم أولياء جمال الدين أو محمد عبده، ولكن طريقتهم وأسلوبهم كذَّب هذه الدعوى وكشف زيفها، بل إن طه حسين نفسه أعلن خروجه على محمد عبده، وأحمد زكي باشا، والشيخ الخضري أساتذته وهاجمهم.

إن الحقيقة التي لا يختلف فيها الآن بعد أن ظهرت عشرات الدراسات مصححة للواقع في ضوء مفهوم اليقظة الإسلامية أن هذه الأسماء اللامعة التي ما تزال تتردد، لتحجب تلك الأضواء الساطعة، وهي الحقيقة لم تصنع تلك النهضة، إنما صنعها أولئك الأبرار ووضعوا لها القواعد هذه الأسماء المجهولة في ميزان الشهرة المعاصرة الكاذبة التي يوقد نارها التغريب والاستشراق، أولئك المخلصون الصادقون فإن أحدًا لم يذكرهم اليوم، أما هؤلاء الذين خدعوا الناس بأن حملوا لواء قيادة الفكر فإنهم لا يوصفون بالريادة ولا بالبطولة ولا بالقيادة لأن عوامل ذلك كله تنقصهم وأبرز عواملها قبول الأمة لهم وإيمانها بصدقهم وثقتها فيهم أنهم لم يكسبوا شهرتهم نتيجة خصوبة فكرهم أو صدق إيمانهم ولكن لأنهم عملوا في مجال السياسة والحزبية والصحافة يوما بعد يوم، في ذلك الركام المضطرب العاصف من الصراع الحزبي والجدل السياسي والهجاء المرير فأعطاهم هذا كله: ذلك البريق وتلك الشهرة، واستطاعوا أن يركبوا كل موجة فلما جاءت موجة الإسلام ركبوها ظنًّا منهم أن يسيطروا عليها ودفعًا من سادتهم أن يحوِّلوا وجهتها.

هذا ما أعطاهم الشهرة «وهي ليست مقياسًا حقيقيًا للبطولة» أما جهدهم الحقيقي في مجال بناء النهضة فهو قليل بل هم من المعوِّقين لها الذين شقّوا جبهتها الموحدة وأمثال هؤلاء اللامعين لم تكن كتاباتهم في الأدب والفكر تساوي واحدًا من مائة من كتاباتهم السياسية والحزبية المتَّسِمَة بأدنى ألوان الجدل والهجاء، ولم تكن تساوي واحدًا من ألف من كتابات ذوي الأصالة والثقافة والنتاج الجيِّد وأصحاب الأقلام الموجهة لخدمة كلمة الله، الداعية لأن تكون كلمة الله هي العليا.

ولكن السياسة والحزبية والنفوذ التغريبي هو الذين أعطاهم لمعان الاسم حتى جاء اليوم الذين يسمون فيه بالقمم الشوامخ.

إن أسماء كثيرة هي التي أعطت النهضة الإسلامية دفعتها القوية من علماء ومن كُتّاب الأصالة الحقة، وليس هؤلاء هم الذين قاموا بهذا الدور، ونحن لا ننكر عليهم أنهم شاركوا فيه بجهد ضئيل «ولكن ما قدموه وصف يومًا بأنه أشبه بالخرُّوب: خشب كثير وسكر قليل» وكانت لهم أخطاء وانحرافات وقليل منهم من صدق الله النية في العودة إلى الحق، ذلك أنهم كانوا غربيين بحكم الثقافة الأولى الأصيلة ولذلك كان دخولهم إلى فهم الإنسان ليس نقيًّا النقاء الكامل، بل كانت تختلط به تشوهات الفكر المادي، وقراءات المفاهيم الإغريقية والرومانية والمسيحية المسيطرة على نتاج الفكر الغربي كله؛ ولأنهم بدؤوا كتاباتهم الإسلامية بمناهج الغرب -كانوا كالمستشرقين- أعجز عن فهم مناهج الإسلام فتخبطوا وأخطؤوا، ونقلوا عن كتب التبشير وكتب الاستشراق وعجزوا عن الأصالة الحقة.

الرابط المختصر :