العنوان لمن سيختار الناخب السوداني؟
الكاتب محمد اليقظان
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 759
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 18-مارس-1986
● أيها الناخب السوداني:
أجعل هدفك الوحيد في الإنتخابات هو إبتغاء مرضاة الله.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: 66)
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)
نعمة الحرية صونوها
الناخب السوداني اليوم ينعم بنعمة سابغة يحسده عليها كثير من شعوب العالم الثالث، وأي نعمة أعظم من نعمة الحرية، فقد أستخلص الشعب السوداني هذه النعمة من فك النمر المفترس الذي افترس الديمقراطية، بالاشتراك مع الغول الشيوعي بدعوى التقدمية والاشتراكية.
ونعمة الحرية من الله تعالى يصيب بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء والنعم تصان وترعى بطاعة الله وتزال بالمعاصي، فهل يا ترى سيعض الناخب السوداني على هذه النعمة بالنواجذ أم سيفرط في جنب الله ليصيبه الحسرة والندم؟
إنني من المؤمنين بالتفسير الديني للتاريخ رغم دراستي للتفسير المادي للتاريخ في عقر داره، وهو تفسير متهافت ابتدعه اليهودي كارل ماركس بغية هدم الأديان والأوطان لتمهيد الطريق، وجعله معبدًا لبني قومه من بني «إسرائيل»لحكم «الجوييم».
أؤمن بأن ما بنا من نعمة فمن الله وما أصابنا من مصيبة فبما كسبت أيدينا، وإن كانت بإذن الله، وقد أنعم الله على الشعب السوداني بالحرية ونال الاستقلال عام ٥٦ بكفاح سلمي مما جعل العبيط الماركسي يهتف رافضًا الاستقلال «لا استقلال بلا دماء»
ولكن سرعان ما فقد الشعب حريته في نوفمبر عام ١٩٥٨، وابتليت الأمة بدكتاتورية عسكرية دامت ست سنوات فلماذا كان الابتلاء؟ أنزل العقاب علينا من الله ظلمًا دون ذنب جنيناه؟ أم كان ذلك جزاء وفاقًا بما كسبنا؟ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117)
لقد أعرض نواب ذلك البرلمان عن منهج الله واعترضت الأحزاب الطائفية على الدستور الإسلامي الذي نادت به الجبهة الإسلامية للدستور، وقال أحد دعائم الماسونية في السودان وكان رئيسًا لمجلس النواب آنذاك «إن الدستور الإسلامي لا يطالب به إلا الغوغاء والدهماء»، لم يكن هنالك الشماسة بعد لإلصاق التهمة بهم!!
والأنكى أن هؤلاء النواب جاءوا باستغلال العواطف الدينية لأتباع الطائفتين الدينيتين الختمية، والأنصار ولكن الغزو الفكري هو الذي جعلهم يحصدون ثمار الدين ويعرضون عن منهجه السوي، فنزل العقاب الصارم بعد أن جعل الله بأس الحزبين الطائفيين بينهم شديدًا فخربوا بيوتهم بأيديهم بعد أن سلم رئيس الوزراء عبدالله خليل رئيس حزب الأمة السُلطة طائعًا مختارًا -وكيدًا للحزب الآخر- للعسكر فذاقوا العذاب على أيديهم فكيف كان عقاب؟
استمر الجفاف والتصحر الديمقراطي ست سنوات عجاف واسترد الشعب حريته بثورة شعبية قادها الاتجاه الإسلامي ورؤساء الأحزاب نيام في بيوتهم، فعادت الحرية وعمت النعمة الجميع حتى الشيوعيين فهل صانوها أم عادت الأحزاب لأصلها من جديد؟ الحزب الشيوعي كان كطفل الأنبوب لم يستطع جسمه الفاقد للمناعة أصلًا التكيف مع الجو النقي، فأصابه الكُساح ولما يبلغ من العمر عامًا واحدًا، وزهقت روحه و دفن بلا كفن ولا صلاة للجنازة في مقابر غير المسلمين.
تكونت بعد ثورة أكتوبر جبهة الميثاق الإسلامي ونادت هذه الجبهة -وهي نفس الجبهة السابقة للدستور- بالدستور الإسلامي الكامل، وأعدت مشروعًا قيمًا لدستور دائم للبلاد قائم ومؤسس على المنهج الرباني وتقدمت به إلى الجمعية التأسيسية وخاطب زعماؤها الممثلون في الجبهة عقول وعواطف النواب، وحذروهم من مغبة النكوص عن شرع الله وأندروهم أن سُنن الله لن تتبدل لخاطر سيد مُطاع ولا زعيم مُهاب فأعرضوا!! فأرسل الله عليهم سيل العرم هذه المرة فإنه سبحانه لا يسبقه من طلب ولا يفلته من أخذ ومضى حُكم الله العادل فكيف كان نكير؟
وقع الشعب السوداني بين فكي النمر الخالق المتقلب، وهلك على يديه كثير من أهل السودان وأصاب القوم البأساء والضراء وأذاقهم لباس الجوع والخوف وأحلهم دار البوار، وتضاعفت الأيام النحسات للديكتاتورية ثلاثة أضعاف الأولى، أكل النمر على كل الموائد واتخذ من دون المؤمنين بطانة سوء زيّنت له كل سوء، وأراد أن يأكل من مأدبة الله فأعلن الشريعة ولكن قلبه ما كان ليتطهر بسهولة، وقد ران على قلبه ما كسب طوال أعوام مضت من عمره، فخان الأمانة فأخذه الله أخذ عزيز مُقتدر فكيف كان عذاب الله؟
والآن استرد الشعب حريته بعد تضحيات جسام فاقت كل حد ولا سبيل للمقارنة مع تلك التي قدمت أيام الديكتاتورية الأولى وعادت الأحزاب والشِيَع والطوائف وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون.
حزب فرح بالأموال التي تتدفق عليه من كل صوب وحدب وحزب فرح بما لديه من أسلحة وآخر فرح بصداقاته واعتماده على الجارة التي جارت علينا قبلًا، وآخرون كثيرون فرحون ولا يدرون لماذا هم فرحون.
أحزاب كثيرة ظهرت على الساحة بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وبلغ عدد الأحزاب في السودان 46 حزبًا حتى أن حزبًا يعاني شُحًا في الأتباع رئيسه وسكرتيره وأمين صندوقه شخص واحد!!
وفي ظل أوضاع بالغة السوء، حرب في الجنوب وجدب في الغرب وأمن مضطرب في كل مكان تخوض هذه الأحزاب الانتخابات لجمعية تأسيسية تضع الدستور الدائم للبلاد، والناخب السوداني هو الفيصل بين هذه الأحزاب فكيف سيختار ومَن سيختار ولماذا؟ قد تكون مهمة الناخب السوداني صعبة فالألوان مختلطة، فالمرء يحتار كثيرًا في اختيار اللون المناسب من نفس الخام فكيف يتصرف الناخب، وهو يعلم أن النائب القادم هو الذي سيقرر مصير السودان ووجهه الحضاري؟
هنا سأحاول رسم بعض المعالم التي تسهل للناخب مهمته إذ إن العبء الأثقل يقع على عاتقه.
صوتك في عنقك أمانة
صوت الناخب في عنقه أمانة وسيسأل يوم القيامة أحفظها أَم ضيعها، والتصويت ساعة فلنجعلها عبادة والخطوة إلى صندوق الاقتراع حسنة تحط بها السيئة فلنجعل مشاركتنا في هذه الانتخابات زلفى وتقربًا إلى الله ولنحذر.. الوقوع في نفس الأخطاء السابقة التي أدت إلى الدوران في الحلقة الفارغة منذ الاستقلال فطالت سنوات التيه في صحراء الضلال وطال ليل الذل في معصية الكبير المتعال.
الوصايا العشر لاختيار المُرشح الأصلح
أولًا: المرشحون كثر في الدائرة الواحدة ولا بأس من أن تستعمل مبدأ ديكارت الفيلسوف الفرنسي في الشك وتبدأ رحلة الاختيار للمرشح الأصلح من هذه النقطة، فالشك صريح الإيمان ولا بد أنك باستعمالك عقلك بعيدًا عن هيمنة السيد أو «الكاجور»، ستصل إلى الاختيار الصائب علمًا بأن أحدًا لن يكون معك أمام صندوق الاقتراع إلا الله البصير.
ثانيًا: ربما غم عليك المرشحون لكثرتهم وللتشويش المُسلط من قِبلَهم على أجهزة الرادار العقلي عندك، في هذه الحالة استعمل مبدأ العدل والتجريح وزن الرجال بميزان الحق الدقيق. فأقرب المرشحين إلى الله أجدر بالاختيار.
ثالثًا: استعمل المبدأ الإسلامي المتين في اختيار الرجال ذوي الأمانة والكفاءة والقوة والخُلق. قال تعالى في سورة القصص:﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26). ويقول سبحانه في سورة يوسف ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ (يوسف: 55).
رابعًا: يجب أن يكون الميزان الذي تزن به المرشحين ميزانًا دقيقًا فأصحاب الكفايات والمواهب يجب أن يوزنوا بموازين وقِيَم إيمانية ليتوفر في الرجل المُختار صفات أهل البلاء والتقوى والكفاية، فالسودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى أهل البلاء في الجهاد والتقوى والصلاح والعبادة والأخلاق والقُدرة والكفاءة.
خامسًا: لا يقع اختيارك على مَن انسلخ عن دينه واتبع هواه وصار بوقًا لعواصم الغرب والشرق.
سادسًا: لا يقع اختيارك على من حكم السودان هو أو حزبه في العهود الديمقراطية وكانوا سببًا في فشل التجربة الديمقراطية، فاختيارك لهم دوران في نفس الحلقة بلا طائل وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا.
سابعًا: ابتعد عن مرشحي الأحزاب اللادينية وفِر منهم كما تفرُّ من المجذوم، فهذه الأحزاب لا تؤمن بالديمقراطية وانظر إلى كل بلد يحكمه حزب لا ديني واحكم بنفسك هل ترضى لبلدك أن يُحكم بالحديد والنار؟!
ثامنًا: امتلأت الساحة بالأحزاب والكيانات التي تدعو إلى العنصرية والعرقية وهي دعوات جاهلية يتولى كبرها صليبيون وأتباع صليبيين، ولا خير يرجى من مرشحي هذه الأحزاب.
إنهم يريدون أن يكون حال السودان كحال لبنان اقتتال بين الطوائف، والشيع والأحزاب.
تاسعًا: مجرم الحرب جون قرنق له مؤيدون في الشمال من أتباع ماركس، فيجب معاملتهم كخونة يتعاونون مع عدو ظاهر يبغي الفتنة ويسعى بالدمار، فيا حبذا لو نبذتهم أيها الناخب نبذ النواة.
عاشرًا: احذر أهل النفاق والشقاق الذين يقولون للمؤمنين آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، فكم من رافع شعار الإسلام للاستهلاك المحلي ولو كانوا صادقين لطبقوا الإسلام منذ الاستقلال وأحزابهم هي التي حكمت البلاد قبل الاستقلال وبعده، وما فعلوا للإسلام شيئًا. لقد أبطأ بهؤلاء عملهم فهل يسرع بهم نسبهم؟!
أيها الناخب السوداني: اجعل هدفك الوحيد في الانتخابات هو ابتغاء مرضاة الله، وليقع اختيارك على مرشحي الفئة القائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله، تلك الفئة التي تمثل التواصل الحضاري للإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل