; المجتمع الثقافي (1129) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1129)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 59

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

ومضة
أصعب اللحظات في حياة الإنسان هي تلك التي تمر عليه وهو يحترق من داخله دون أن يمتلك القدرة على إطفاء الحريق وتخفيف الألم وتجفيف الأسى والحسرة، مما يوقعه بدوامة الشكوك والهواجس، وربما اليأس القاتل -في نهاية المطاف- ظنا منه أن محاولاته السابقة وجهوده الحالية لا تتناسب مع حجم المشكلة ولا تكفي لإنهائها أو السيطرة عليها.
قد يكون هذا صحيحا لدى النظرة الآنية المتعجلة، ولكن في النظرة الأكثر عمقا وبعدا. نرى أعمالنا الصغيرة جزءا من قدر الله الذي يصدر حكمه ويوقع قضاءه بعد أن تستكمل كافة الجهود وتبذل كل الوسائل المتاحة، ثم تأتي النتائج المرضية جزاء للجهد المستطاع الذي يتحلى صاحبه بالإخلاص أولا، وتحرى الصواب ثانيا، وانتظار النهاية ثالثا، بقلب ثابت ووجدان مطمئن وعقل لا تقلقه الأوهام.
هذا الإدراك وتلك البصيرة النافذة تجعلني أطمئن إلى أن درهمي الذي أدفعه لنصرة المسلمين في البوسنة والهرسك- الذين تكالبت عليهم الأمم وأظهرت لهم ما تكنه من حقد- لن يضيع سدى وسيكون له دور في مسح دمعة طفل أو حماية شرف امرأة أو شد أزر مجاهد يأبى أن يعطي الدنية في دينه وأهله، ومع ذلك فربما تضاعف درهمي الخالص إلى سبعمائة ضعف أو يزيد في عملية استثمار علوية تصب في رصيدي الخالد يوم أحتاج إلى حسنة تنقل موازيني عند الله رب العالمين.
وهكذا الكلمة التي أقولها والعمل الذي أقدمه خدمة لإحدى قضايا المسلمين لن يذهب أدراج الرياح، وإنما سيأخذ مكانه في المنظومة القدرية التي توحي لي أن نصر الله قادم من وراء الضباب الكثيف والماسي المتلاحقة، وأن تصدي المسلمين لكل أشكال القهر دليل على عودة الروح الإسلامي، وتأكيد للانتماء الأصيل الذي هو مقدمة للالتزام بالنهج القويم، ذلك النهج الذي يخيف أعداءنا ويملأ قلوبهم بالهلع من مجرد ذكره، فكيف به إذا تحول إلى قوة مرهوبة، وقدر من أقدار الله الغالية.
اللسان العربي
مصير العربية: بين الشكوى والإهمال
بقلم: عبد الوارث سعيد «*»
الشكوى من شيء تدل على أهمية عند الشاكي، وكلما تزايدت الشكوى وطالت وعلت قويت الدلالة على عظم أهمية ما يشكو منه، وإلا لغض الشاكي الطرف عنه ولأسقطه من حساباته وأراح نفسه من عنائه، وأهمية موضوع الشكوى يدفع صاحبه إن كان جادا في شكواه إلى التماس العلاج من كل سبيل حتى تزول الأعراض ويبرأ مما يعانيه ألسنا نهرع إلى الطب عند الإحساس بأي عرض من أعراض المرض؟ نحسن اختيار الطبيب، ونضحي راضين في سبيل الشفاء من الداء بما نملك من وقت أو جهد أو مال وتسعد مهما بذلنا ما دام البرة المرجو سوف يتحقق؟ فما لنا مع طول شكوانا وعرضها من اللغة العربية لا تظهر علينا أعراض الجد والصدق في طلب البرء من هذا البلاء؟ أتراه أمرا هينا لا يبلغ أن يؤرقنا؟ ألم في بدننا أخطر عندنا من داء الجهل بواحد من أعز ما نملك من مقومات الشخصية الإسلامية؟ ليس هذا ولا ريب بمنطق أهل الحكمة والبصر بالأمور إن أسلافنا الصالحين كانوا على غير هذا النهج، ولنأخذ واحدا من النماذج الفذة في هذا الصدد.
لقد دخل في الإسلام شعوب من غير العرب، لا علم لهم بلغة القرآن، لكن حبهم للإسلام ولكتابه دفعهم إلى التفاني في اكتساب هذه اللغة وتملك ناصية ملكاتها وعلومها، فلم يكتفوا بمجرد تعلمها، ولهم عذرهم أنهم «عجم»، بل صار الكثيرون منهم علماء ومؤلفين بها وفيها، ومنهم من صار في النحو إماما منذئذ وإلى يومنا هذا، ولنكتف بهذه النتفة من حياة أشهر علماء النحو العربي سيبويه، الفارسي الأصل: 
ولد بقرية من قرى شيراز ثم قدم البصرة ليكتب الحديث، فلزم حلقة حماد ابن سلمة، فبينا هو يستولي على حماد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء»، فقال سيبويه «ليس أبو الدرداء»، وظنه اسما ليس فقال حماد لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، وإنما «ليس» ها هنا استثناء فقال سيبويه «وقد آلماه هذا التعريض بفارسيته من شيخه» سأطلب علما لا تلحين فيه، فلزم «الخليل بن أحمد» فبرع «الزبيدي- طبقات النحويين واللغويين- ص ٦٦».
وكان سيبويه يجد حبسة في لسانه، ومع ذلك كان يتكلم ويناظر في النحو، وترك في هذا العلم كتابا قيل فيه: «لا تعرف العربية كتابا حفل به الناس وأفادوا منه على تعاقب الأجيال ككتاب سيبويه» «علي النجدي. تاريخ النحو- ص ٢٢».
وتروي الكتب أنه مات كمدا لأنه هزم في مناظرة نحوية مع الكسائي «أحد مشاهير النحاة والقراء»، بل يقال إن انتصار الكسائي فيها كان مدبرا.
فلم لم يكتف سيبويه وأمثاله بالشكوى. ويضربون بالعربية وعلومها عرض الحائط أو يضعونها في ذيل قائمة أولوياتهم كما نفعل نحن- أبناء العربية- اليوم؟
لم يكن سيبويه فلتة في زمانه أو في تاريخ العربية، بل كان واحد من القمم الكبار شاركه فيها آخرون، وكان دونهم مئات في مختلف العصور ممن برزوا في علوم العربية وعلوم الإسلام التي لا يحسنها إلا المتقن للعربية.
لقد عرف تاريخ العربية والإسلام مئات الموالي- أي غير العرب- كرسوا حياتهم الإتقان العربية وعلومها، ورضوا من أجل ذلك أن يغيروا نمط حياتهم فيلتحقون بقبائل العرب ويصبحون من أفرادها ليكتسبوا منهم العربية الأصيلة مباشرة، وكانت تلك ظاهرة لم تعرفها البشرية في مجال تعليم اللغات لغير أهلها، مع أنه لم تكن هناك مؤسسات، ولا جامعات، ولا خبرات متراكمة في هذا الفن، كالتي تتوفر لدينا اليوم في مجال تعلم اللغات لأهلها ولغير أهلها، ولهذه المؤسسات والخبرات حديث آخر وشكوى تسمعها في الحلقة التالية - إن شاء الله تعالى-
(*) مدرس بجامعة الكويت.
 

الرابط المختصر :