العنوان اتفاق مشاكوس بين جارانج والحكومة السودانية: طريق الاستقرار الذي يبحث عنه السودانيون منذ الاستقلال
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1512
نشر في الصفحة 28
السبت 03-أغسطس-2002
يسجل اعترافًا دوليًّا بنظام الإنقاذ ويقر بحق الخرطوم في تطبيق الشريعة لكنه:
يهدد بإمكانية قيام حكومة مسيحية في الجنوب تشطر السودان وتهدد الأمن القومي المصري.
يكرس الوجود الأمريكي المتلمظ للنفط السوداني بحجة مراقبة الاتفاق.
استضافت الضاحية الكينية «مشاكوس» جنوبي نيروبي المفاوضات الصعبة بين وفدي حكومة السودان وحركة التمرد التي يقودها جون جارانج منذ قرابة العشرين عامًا.
توصل الطرفان إلى اتفاق إطاري أطلق عليه بروتوكول مشاكوس، وذلك بعد مفاوضات مضنية استمرت أكثر من شهر كادت في يومها الأخير أن تفشل، ولكن الحضور المكثف والفاعل لشركاء الإيجاد أثر تأثيرًا فاعلًا في المفاوضات، مما جعل الطرفين يوقعان على هذا الاتفاق الطارئ، وهو ما اعتبرته الحكومة السودانية وكل القوى السياسية بشيرًا بقرب نهاية الحرب التي أهلكت الحرث والنسل.
وهناك عوامل محلية وإقليمية ودولية ساعدت على استمرار الحرب الأهلية، وهي نفسها التي كانت عونًا مباشرًا في الوصول إلى بروتوكول «مشاكوس»، فلماذا تحركت هذه القوى هذه المرة بهذه القوة، بعد أن كانت تدعم حركة التمرد لمدة تسعة عشر عامًا بلا حدود؟
دول الإيجاد تحركت بإيجابية ومعها الدول الإفريقية، ربما لأن القارة الإفريقية التي تمزقها الحروب الأهلية وتفتتها الصراعات الإثنية تسعى الآن للتوحد، فهذه الدول وضعت قبل أيام في مؤتمر القمة الإفريقية نظامًا أساسيًّا لمشروع الاتحاد الإفريقي، فالقارة بأكملها مهتمة بالوحدة وإنهاء الصراعات حتى لا تتمزق دولها، وهي أيضًا مهتمة بقضيتي السلام والتنمية ولا يمكن حلهما في ظل الحروب والصراعات المدمرة.
أما دول الغرب المسيحي شركاء الإيجاد الشأن السوداني -وبخاصة أمريكا، بريطانيا، النرويج، إيطاليا، وسويسرا- فهي تدرك أن القارة السوداء تختزن في باطنها ثروات هائلة نفطًا ومعادن نفيسة، وعلى ظهرها ثروات لا تقل أهمية عن تلك التي في باطنها.
وأدركت هذه الدول أهمية الاستقرار والأمن في إفريقيا لتتمكن من استغلال هذه الثروات، وربما أدركت أن حركات التنصير -التي تقودها جمعيات انطلقت من الغرب نفسه تحت ستار العون الإنساني- تمثل استفزازًا لشعور كثير من سكان القارة.
محاور البروتوكول
تحدث البروتوكول عن ثلاث قضايا اعتبرت شائكة، وهي:
تقرير المصير.
علاقة الدين بالدولة.
مدة الفترة الانتقالية وشكل الحكم في هذه الفترة.
فيما يتعلق بقضية تقرير المصير، لم يأت البروتوكول بجديد، فجميع القوى السياسية من حكومة ومعارضة جنوبيين وشماليين قد أقروا بهذا الحق منذ سنوات، بل إن اتفاقية الخرطوم للسلام عام ٩٧م الموقعة بين الحكومة وفئات ست -كانت متمردة- أقرت هذا الحق وضمنت الاتفاقية دستور السودان الحالي، ونقرأ في مقدمة اتفاقية الخرطوم للسلام الآتي: «اقتناعًا بأن وحدة السودان لا يمكن أن تقوم على القوة والإكراه، ولكن على الإرادة الحرة لشعب..».
وفي الفصل الأول لتلك الاتفاقية التي تم التوصل إليها في أبريل عام ٩٧ نلاحظ في الفقرة الآتي:
- يكون لجنوب السودان خلال سنوات الفترة الانتقالية الأربعة وضع خاص بالمعنى الوارد في هذه الاتفاقية.
- يمارس مواطنو جنوب السودان حق تقرير المصير من خلال استفتاء شعبي.
وهكذا نرى أن الاتفاق الأخير لم يأت بجديد أو بشيء مفاجئ، والسؤال: كيف سيتغلب السودانيون بهذا الاتفاق الجديد القديم على مشكلات فقدان الثقة التي صاحبت الصراع الدامي طوال هذه الفترة؟
خلال الفترة الانتقالية لاتفاقية الخرطوم للسلام، عاد أكثر الموقعين على تلك الاتفاقية إلى الغابة رغم أنهم كانوا يتقلدون مناصب رفيعة في الدولة، وكان انعدام الثقة هو المشكلة الأساسية بين فريقين سالت بينهما دماء غزيرة.
الجديد في هذا الاتفاق أن الفترة الانتقالية فيه تصل إلى ست سنوات. وكانت الحكومة تريدها أكثر من هذه المدة، بينما كانت حركة التمرد تريدها سنتين فقط، وتقدم الوسطاء بهذه المدة كحل وسط بين الطرفين.
والمعلوم أن مصر وليبيا -الدولتان العربيتان المهتمتان بالشأن السوداني- لا ترتاحان كثيرًا لمبدأ تقرير المصير، فمصر تعتقد أن هذا المبدأ خطير قد يقود إلى انفصال جزء مهم من الجسد السوداني، ووحدة السودان بالنسبة لمصر تشكل صمام أمان لأمنها القومي والمائي، وإذا انفصل جنوب السودان وقامت فيه دولة على أساس عنصري تسيطر عليها عصبة مسيحية معادية للعروبة والإسلام، فإنها ستشكل خطرًا جسيمًا على مصر، لأن حوض النيل يقع في إطار هذه الدولة. أما ليبيا فإنها أصلًا تؤمن بالوحدة الاندماجية بين دول إفريقيا، وتبذل المستحيل لتحقيقها ولا تحبذ مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان، تمامًا كمصر. وقد تقدمت مصر وليبيا بمبادرة مشتركة مضادة لإعلان إيجاد تعارض مبدأ تقرير المصير، وأول بنود تلك المبادرة يؤكد وحدة السودان شعبًا وأرضًا.
علاقة الدين بالدولة
حركات التمرد بما فيها حركة جارانج الحالية -التي قامت منذ أغسطس عام ١٩٥٥م قبل استقلال السودان، وإلى أن طبق نميري الشريعة الإسلامية في سبتمبر عام ۱۹۸۳- ما كانت تتحدث عن علاقة الدين بالدولة لأن السودان كان يحكم حكمًا علمانيًّا بدستور عام ٥٦ ثم دستور عام ٧٣، وهما دستوران علمانيان لا علاقة لهما بالدين. وإذا تفحصنا الاتفاق الجديد وما يتعلق منه بالعلاقة بين الدين والدولة نجد فيه بُعدًا مخالفًا لما كان في اتفاقية الخرطوم للسلام، فكلتا الاتفاقيتين تنص على أن الشريعة والعرف وإجماع الأمة هي مصادر التشريع، وإعفاء الولايات الجنوبية من تطبيق أحكام الشريعة منصوص عليه في الاتفاق القديم والاتفاق الحالي، بل الجديد هو أن للولايات الجنوبية أن تختار تطبيق القوانين الإسلامية برضاها عن طريق المجالس التشريعية، وسنفصل هذا الأمر لاحقًا. الإشارة إلى هذا الحق الجديد مهمة لأن للإسلام وجودًا عدديًّا قويًّا في الجنوب وإن كان ضعيفًا من ناحية الكيف، لأن أحدًا في الماضي لم يتعهد بتعليمهم وتثقيفهم كما فعلت الكنائس العالمية وتعهدت بتعليم وتثقيف الفئة القائدة للتمرد. والسودانيون والعالمان العربي والإسلامي يتحملون وزر هذا الإهمال الشنيع في حق المسلمين الجنوبيين.
لا شك أن الاتفاق يحوي مكاسب للحكومة والقوى الشمالية والجنوبية المؤيدة لوحدة السودان، ولكن هناك أخطارًا، فما المكاسب وما الأخطار؟
المكاسب:
الاتفاق التفاهمي «بروتوكول مشاكوس» أقر قبول حركة التمرد تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات الشمالية بحدودها المعروفة، والتي نال السودان بموجبها الاستقلال واكتسب الاعتراف الدولي عام ٥٦م.
الاتفاق يتحدث فقط عن الولايات الجنوبية العشرة المعروفة عند الاستقلال بالولايات الجنوبية الثلاث، وهي الاستوائية وبحر الغزال وأعالي النيل، بما يفقد حركة التمرد الوصاية على مناطق كانت تحاول ضمها لمسؤوليتها، وهي المناطق المعروفة بالمناطق المهمشة، وهي مناطق جبال النوبة والانقسنا جنوب النيل الأزرق ومنطقة البجة بشرق السودان.
دول الإيجاد وأمريكا والشركاء الأوروبيون أقروا حق الولايات الشمالية في تطبيق قوانين أحكام الشريعة الإسلامية، حتى ولو جاءت نتيجة الاستفتاء المنصوص عليه بالوحدة الطوعية، وهذه نقلة نوعية في المواقف لم تكن موجودة في مبادئ الإيجاد، الذي كان ينص على قيام دولة علمانية في السودان الموحد يتم فيها فصل الدين عن الدولة، وفي حالة رفض الحكومة هذا الشرط يعطي حق الانفصال للجنوب، كما أن أمريكا ودول الغرب المسيحي تبدلت مواقفها السابقة بالنسبة لهذا البند. بهذا التفاهم الجديد تم تجاوز تعنت حركة التمرد وإصرارها على فصل الدين عن الدولة.
الفترة الانتقالية: مددت هذه الفترة -عکس رغبة الحركة- إلى ست سنوات تسبقها ستة أشهر من تاريخ الاتفاق النهائي في جولة المفاوضات القادمة خلال شهر أغسطس القادم. وفترة الست سنوات قد تكون كافية لبناء جسور الثقة بين الأطراف لتحقيق الوحدة الطوعية.
تضمن البروتوكول ما هو موجود في دستور السودان الحالي المجاز بالاستفتاء الشعبي عام ۹۸ وأقر أن المصدر الأساسي للتشريع للدولة الاتحادية هو الشريعة الإسلامية والعرف والإجماع، والجديد أن الاتفاق أعطى حق تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لأي ولاية جنوبية تريد برضاها ذلك عن طريق المجلس التشريعي الولائي، الذي يقر بالأغلبية ثم يرفع الأمر لمجلس الولايات للتصديق، أما الولايات الشمالية فتطبق الشريعة الإسلامية بالفعل.
هذا الاتفاق -وباعتراف القوى الدولية المؤثرة ودول إفريقيا- اعترف بشرعية ثورة الإنقاذ الوطني ضمنًا وفعلًا، فلم يعد نظام الإنقاذ في عرف هذه القوى هو ذلك النظام الذي يرعى الإرهاب ويسعى لأسلمة الجنوب قهرًا أو جبرًا.
الأخطار:
1- يخشى المشفقون أن يؤدي تنفيذ الاتفاق إلى كونفدرالية غير مرغوبة، إذ يتحدث البروتوكول عن ثلاثة كيانات:
أ - كيان اتحادي بدستور قومي لكل السودان.
ب - كيان شمالي يطبق الإسلام عقيدة وشريعة ومنهجًا ونظام حكم.
ج - كيان جنوبي يحتكم لما ترتضيه الأغلبية غير المسلمة من قوانين وتشريعات خاصة بها
2 -حق تقرير المصير والاستفتاء عليه بعد ست سنوات قد يقود إلى انفصال الجنوب، وإقامة حكومة مسيحية تسيطر عليها النخبة الجنوبية التي صنعت على أعين مجالس الكنائس العالمية، ويُضطهد فيها المسلمون من أهل الولايات الجنوبية ويهدد فيها الأمن القومي المصري والعربي لا سيما في الموارد المائية.
3 - استيعاب المليشيات التي تتبع حركة التمرد في الجيش القومي، وقد يؤدي هذا الاستيعاب إلى سيطرة هذه المليشيات على المدن الجنوبية ويحدث تمردًّا آخر كما حدث من قبل.
4 - الكيان الجنوبي المقترح إن سُلم بالكامل لحركة التمرد وحدها -كما هو مقترح في الفترة الانتقالية- فإن الجنوبيين الآخرين المعارضين لجون جارانج وحركته سيتحركون ضده بقوة، لأن قوة جون جارانج تكمن في المليشيات. أما جماهيريًّا فحظه قليل، والخوف أن يقيم جارانج حكومة إقليمية طاغية مستبدة تمارس عمليات الإقصاء والتصفية البدنية للمعارضين لها، ذلك لأن طبيعة حركة التمرد دكتاتورية طاغية.
5 - يخشى المثقفون أيضًا أن يكرس الاتفاق تدويل المشكل السوداني بأكثر مما هو عليه الآن، ويكرس الوجود الأجنبي وبالذات الوجود الأمريكي المتلمظ للنفط السوداني؛ وذلك بحجة مراقبة تنفيذ الاتفاق.
إن بروتوكول «مشاكوس» يجب أن يفهم على أنه ليس اتفاقية نهائية، وإنما هو مجرد مذكرة تفاهم يعلن طرفا الصراع أنهما قد تذاكرا وتفاكرا أكثر من شهر وتفاهما في النهاية على لب المشكلة، ووضعا أسسًا للاتفاق مستقبلًا تمهيدًا للتوصل لاتفاقية سلام شامل.
وهذا السلام المنشود لن يتحقق ما لم يكن هناك مشروع متكامل لبناء جسور الثقة بين كل الأطراف المعنية في الشمال والجنوب، وإرادة حقيقية من الجميع وإصرار على المضي قدمًا لاستكمال ما تبقى من قضايا لم تُمس بعد، والالتزام بتنفيذ ما يتفق علية بعيدًا عن تحوير النصوص وتأويلها وتجنب التفسير الخاطئ.
المهم الآن السعي لوقف حمامات الدم ووضع حد نهائي للمأساة الإنسانية، وإيقاف أطول حرب أهلية في إفريقيا.
تلك هي المكاسب والأخطار، ولكن مهما يكن الأمر فإن هذا الاتفاق يعد إنجازًا مهمًّا ربما -إن صدقت النيات- ينير الطريق بنور السلام ويمهد الأمن والاستقرار الذي طال بحث السودان عنه منذ الاستقلال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل