العنوان عندما تخسر الأمة الخيار الأمريكي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 65
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
·
إن المليارات العشرة ستكون هبة
مجانية لإسرائيل وليست ضمانات لقروض فقط.
إن المليارات العشرة ستكون هبة مجانية لإسرائيل، وليست ضمانات لقروض
فقط. بقليل من المسايرة للخطوات الأمريكية نحو التسوية في الشرق الأوسط، حصلت
إسرائيل على العشرة مليارات دولار المطلوبة لإسكان نصف مليون يهودي إضافي في أرض
فلسطين. ويمكن القول منذ الآن بأن المليارات العشرة ستكون هبة مجانية لإسرائيل، لا
ضمانات لقرض فقط. فقد اعتادت دولة العصابات اليهودية على الأخذ واعتادت واشنطن على
العطاء وبسخاء، والعلاقة الاستراتيجية بين الطرفين أقوى وأمتن بكثير من أمنيات
وأحلام بعض العرب.
وهم التسوية وخيبة أمل العرب
عندما شرعت الولايات المتحدة العام الماضي بتحريك عجلة التسوية ومارست
ضغطًا شكليًا على حكومة الليكود في تل أبيب، اندفع سائر العرب المعتدلون
والمتشددون إلى ركوب المسيرة وألقوا بورقة الاعتراف ضمنًا بوجود الدولة اليهودية
-وهي آخر أوراقهم- مقابل وهم بالحصول على موقع مماثل لإسرائيل في السياسة الخارجية
الأمريكية. والآن يعلم هؤلاء العرب بشكل أفضل كثيرًا أن ما يحكم الخضوع الأمريكي
لليهود أعمق كثيرًا من الحسابات السياسية الظاهرة، وأن واشنطن خصم وليست حكمًا إذا
تعلق الأمر بأي من قضايا الصراع مع إسرائيل.
سؤال حول الجدوى وتراجع المواقف
يثور الآن أمام الراكبين لقطار التسوية سؤال جاد حول الجدوى السياسية
في الاستمرار في خطواتها. وتعبر أطراف عربية مثل سوريا ومنظمة التحرير عن مشاعر
خيبة الأمل من القرار الأمريكي دون أن تحدد خيارات أخرى لها سوى الاستمرار في نفس
الخط مع إبداء شيء من الضجر والتذمر. وخارج نطاق الأطراف المشاركة في المباحثات،
وفي العالم العربي، تسود حالة من الفتور الشديد واللامبالاة بالقضايا المصيرية
كقضية فلسطين. ولا شك أن العزلة التي أحكمتها بعض الأنظمة بين الشعوب وبين قضايا
الأمة، ثم الغفلة التي عاشها العرب والمسلمون عن دينهم ومبادئهم وانكشفت نتائجها
في جريمة الغزو البعثي للكويت، كانت العامل الأساسي فيما نشهده من قبول عام
بالواقع الإسرائيلي.
مفهوم خاطئ لـ "تقليل
الخسائر"
وإذا رفع بعض العقلاء في العالم العربي شعار «سياسة تقليل الخسائر» في
قضية فلسطين ودخول التسوية السلمية لتحقيق هذا الهدف، وجب علينا من جديد تقديم
تعريف واضح للخسائر. فما هو مطروح الآن هو تقديم الاعتراف بإسرائيل والقبول بها ككيان
شرعي على أرض فلسطين، مع ما يتبع ذلك من تنازلات ثقافية ومبدئية لازمة للصفقة.
وهذا كله مقابل وعد غامض وغير محدد بصورة من صور الحكم الذاتي لعشرات الآلاف من
الفلسطينيين الذين عجزت إسرائيل عن السيطرة على انتفاضتهم. وهذا الحكم الذاتي
سيعفي الجانب الإسرائيلي من صداع وإرهاق، لكنه سيحرم الشعب من السيادة الحقيقية
على أرضه ويحفظ لليهود هيمنتهم على الأرض عسكريًا وأمنيًا.
خيارات الأمة الإسلامية
الخيار الأمريكي لحل القضية الفلسطينية سيظهر عاجلًا عجزه الكامل عن
إرضاء مصالح الأمة الإسلامية، وسيتضح دائمًا أن هناك حدًا قريبًا لرغبة واشنطن في
الضغط على إسرائيل. وكما أكد الرئيس جورج بوش قبل أيام، فإن التفوق العسكري
الإسرائيلي هو التزام أمريكي دائم يدعم بالمال وينقل التكنولوجيا. وعلى الأمة
ممثلة بقياداتها البحث عن خيارات أخرى لمواجهة الواقع الإسرائيلي، وإلى جانب
الخيار العسكري الذي سيظل مفتوحًا دائمًا للمجاهدين الصادقين والقادرين، هناك
خيارات عديدة في العالم الجديد الناتج عن حقبة ما بعد الانهيار الشيوعي مما يقصر
الحديث عنها في هذا المقال. ما ينقص الأمة حقًا هو شيء داخلي، ينقصها إيمان بالله
وفهم للرسالة، وينقصها الصدق والمثابرة. وبدون ذلك كله، لن تتمكن من تحديد المسار
واختيار البديل، عوضًا عن التنفيذ والإنجاز.