العنوان فتوى شرعية نحو قانون شرعي لمكافحة الجرائم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1985
مشاهدات 61
نشر في العدد 735
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 01-أكتوبر-1985
أصبحت القضية
الأمنية وحوادث القتل والاختطاف والمخدرات وغيرها من الجرائم هاجس المجتمع الكويتي
خلال السنوات الماضية وزاد على ذلك دخول الجريمة السياسية إلى الكويت على نطاق
واسع، وقيام الإرهاب بتوجيه ضرباته ضد المجتمع الكويتي.
وللأشقاء في
السعودية تجربة قريبة حين لاحظت السلطات هناك تزايد معدل الجريمة وتفشيها.
وقد أرسل
المغفور له الملك خالد بن عبد العزيز إلى فضيلة المشايخ في الرئاسة العامة لإدارات
البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الذين قدموا رسالة جوابية تضمنت مجموعة
من الحلول الشرعية التي تساعد على الحد من الجريمة وتطويقها.
ونحن إذ نقدم نص
الرسالة في هذه الصفحات ندعو الإخوة المسؤولين في الكويت إلى النظر فيما جاءت به
والاستفادة من أحكام الشريعة الإسلامية في محاربة الجريمة والمجرمين.
الحمد الله وحده
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: ففي الدورة السابعة عشرة لمجلس هيئة
كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في شهر رجب عام ١٤٠١هـ اطلع المجلس على كتاب
جلالة الملك خالد بن عبد العزيز- حفظه الله- الذي بعثه إلى سماحة الشيخ عبد الله
بن محمد بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وإلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد
الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد يطلب
فيه جلالته دراسة موضوعين هامين فيهما إفساد للأخلاق وإخلال بالأمن:
أحدهما: قيام بعض المجرمين بحوادث السطو
والاختطاف داخل المدن وخارجها بقصد الاعتداء على العرض أو النفس أو المال.
الثاني: تعاطي
المسكرات والمخدرات على اختلاف أنواعها وترويجها وتهريبها مما سبب كثرة استعمالها
وإدمان بعض المنحرفين على تعاطيها حتى فسدت أخلاقهم وذهبت معنوياتهم وقاموا بحوادث
جنائية.
وذكر جلالته أنه
لا يقضي على هذه الأمور إلا عقوبات فورية رادعة في حدود ما تقتضيه الشريعة
الإسلامية المطهرة لأن إطالة الاجراءات في مثل هذه المسائل يسبب تأخير تنفيذ
الجزاء ونسيان الجريمة.
وقد أحاله
سماحتهما إلى المجلس للقيام بالدراسة المطلوبة، ولما نظر المجلس في الموضوع رأى
أنه ينبغي دراسته دراسة وافية متأنية وأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية
والافتاء بحثًا فيه ثم يناقش في الدورة الثامنة عشرة وأصدر قراره رقم ۸۳ وتاريخ 1401/7/23هـ يتضمن الوصية بالتعميم على
الدوائر المختصة بمكافحة الجرائم والتحقيق فيها ودوائر القضاء بأن يهتم المختصون
في تلك الدوائر بإعطاء هذه الجرائم أولوية في النظر والإنجاز، وأن يولوها اهتمامًا
بالغًا من الإسراع الذي لا يخل بما يقتضيه العمل من إتقان.
وفي الدورة
الثامنة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف من 1401/10/29هـ حتى
1401/11/11هـ نظر المجلس في الموضوع واطلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة،
وبعد المناقشة المستفيضة وتداول الرأي انتهى المجلس إلى ما يلي:
أولًا: ما يتعلق
بقضايا السطو والخطف:
لقد اطلع المجلس
على ما ذكره أهل العلم من أن الأحكام الشرعية تدور من حيث الجملة على وجوب حماية
الضروريات الخمس والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة وهي الدين والنفس والعرض
والعقل والمال، وقدر تلك الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات
المسلمين في نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم وما تسببه من التهديد للأمن العام في
البلاد والله- سبحانه وتعالى- قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم
وعقولهم بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، وإن تنفيذ
مقتضى آية الحرابة وما حكم به صلى الله عليه وسلم في المحاربين كفيل بإشاعة الأمن
والاطمئنان وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين، إذ قال الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ
تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
(سورة المائدة:33)(1). وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قدم
رهط من عكل على النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا في الصفة فاجتووا المدينة فقالوا
يا رسول الله أبغنا رسلًا فقال ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله
عليه وسلم فأتوها فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا وسمنوا، وقتلوا الراعي
واستاقوا الإبل فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الصريخ فبعث الطلب في أثارهم فما
ترجل النهار حتى أتي بهم فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما
حسمهم ثم ألقوا في الحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا، قال أبو قلابة سرقوا وقتلوا
وحاربوا الله ورسوله اهـ.
وبناء على ما
تقدم فإن المجلس يقرر الأمور التالة:
أن جرائم الخطف
والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على سبيل المكابرة والمجاهرة من ضروب المحاربة
والسعي في الأرض فسادًا المستحقة للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة
سواء وقع ذلك على النفس أو المال أو العرض، أو أحدث إخافة السبيل وقطع الطريق ولا
فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى أو في الصحاري والقفار كما هو الراجح من
أراء العلماء رحمهم الله تعالى. قال ابن العربي يحكي عن وقت قضائه: رفع إلى قوم
خرجوا محاربين إلى رفقة فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة
المسلمين معه فيها فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب فأخذوا و جيء بهم فسألت من كان
ابتلائي الله به من المفتين فقالوا: ليسوا محاربين لأن الحرابة إنما تكون في
الأموال لا في الفروج، فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون ألم تعلموا أن الحرابة
في الفروج أفحش منها في الأموال، وإن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من
بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت
لمن يسلب الفروج ا.هـ.
يرى المجلس في
قوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ
تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ
الْأَرْضِ﴾ (سورة المائدة: 33) (2) «أو» للتخيير كما هو الظاهر من الآية الكريمة،
وقول كثيرين من المحققين من أهل العلم رحمهم الله.
يرى المجلس بالأكثرية أن يتولى نواب الإمام-
القضاة- إثبات نوع الجريمة والحكم فيها، فإذا ثبت لديهم أنها من المحاربة لله
ورسوله والسعي في الأرض فسادًا فإنهم مخيرون في الحكم فيها بالقتل، أو الصلب أو
قطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض بناء على اجتهادهم مراعين واقع المجرم
وظروف الجريمة وأثرها في المجتمع وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين إلا
إذا كان المحارب قد قتل فإنه يتعين قتله حتمًا كما حكاه ابن العربي المالكي
اجماعًا وقال صاحب الإنصاف من الحنابلة «ولا نزاع فيه».
ثانيا: ما يتعلق
بقضايا المسكرات والمخدرات:
نظرًا إلى أن
للمخدرات أثارًا سيئة على نفوس متعاطيها وتحملهم على ارتكاب جرائم الفتك وحوادث
السيارات والجري وراء أوهام تؤدي إلى ذلك، وأنها توجد طبقة من المجرمين شأنهم
العدوان، وأنها تسبب حالة من المرح والتهيج مع اعتقاد متعاطيها أنه قادر على كل
شيء فضلًا عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية تحمله على ارتكاب الجريمة، كما أن لها
أثارًا ضارة بالصحة العامة، وقد تؤدي إلى الخلل في العقل والجنون، وحيث إن أصحاب
هذه الجرائم فريقان:
أحدهما: من
يتعاطاها للاستعمال فقط، فهذا يجري في حقه الحكم الشرعي للسكر فإن أدمن على
تعاطيها ولم يجد في حقه إقامة الحد كان للحاكم الشرعي الاجتهاد في تقرير العقوبة
التعزيرية الموجبة للزجر والردع ولو بقتله.
الثاني: من
يروجها سواء كان ذلك بطريق التصنيع أو الاستيراد بيعًا وشراء أو إهداء ونحو ذلك من
ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى فيعزر تعزيرًا بليغًا بالحبس أو
الجلد أو الغرامة المالية أو بها جميعًا حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه
ذلك فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان ذلك بالقتل لأنه بفعله هذا يعتبر من
المفسدين في الأرض وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن
القتل ضرب من التعزير قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ومن لم يندفع
فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين الداعي للبدع في
الدين إلى أن قال: «وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل رجل تعمد الكذب عليه»
وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر فقال: من لم ينته عنها فاقتلوه(3).
وفي موضع آخر قال رحمه الله في تعليل القتل تعزيرًا ما نصه: وهذا لأن المفسد كالصائل
وإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل (4).
ثالثا: نظرًا
إلى أن جرائم الخطف والسطو وتعاطي المسكرات والمخدرات على سبيل الترويج لها من
القضايا الهامة التي قد يحكم فيها بالقتل تعزيرًا فإنه ينبغي أن تختص بنظرها
المحاكم العامة، وأن تنظر من ثلاثة قضاة كما هو الحال في قضايا القتل والرجم، وأن
ترفع للتمييز ثم للمجلس الأعلى للقضاء لمراجعة الأحكام الصادرة بخصوصها براءة
للذمة واحتياطًا لسفك الدماء.
رابعًا: ما
يتعلق بالنواحي الإدارية:
نظرًا لما لاحظه
المجلس من كثرة وقوع جرائم القتل والسطو والخطف وتناول المخدرات والمسكرات وضرورة
اتخاذ اجراءات وتدابير وقائية تعين على ما تهدف إليه حكومة جلالة الملك- حفظه
الله- من استتباب الأمن وتقليل الحوادث فإنه يوصي بالأمور التالية:
ستقوم الحكومة
وفقها الله بتقوية أجهزة الإمارات ورجال الأمن وخاصة في كون المسئولين فيها من
الرجال المعروفين بالدين والقوة والأمانة، ويشعر كل أمير ناحية بأنه المسئول الأول
من ناحية حفظ الأمن في البلاد التي تقع تحت إمارته، وأن على الشرطة ورجال الإمارات
الجد والاجتهاد في سبيل تأدية واجباتهم والقيام بمتابعة الجميع ومعاقبة المقصر في
أداء واجبه بما يكفي لردع أمثاله.
تؤكد الدولة وفقها الله على الإمارات بأنه إذا
وقعت جريمة القتل أو السطو أو الاعتداء على العرض ونحو ذلك من الجرائم المخلة
بالأمن فإن إمارة الجهة التي وقعت فيها مسئولة عن القضية من ابتدائها حتى يتم
تنفيذ مقتضى الحكم الصادر فيها، فتقوم ببذل جميع الأسباب والوسائل للقبض على
الجاني وسرعة إنهاء الإجراءات الضرورية مادامت لديها، ثم تتابعها وتكلف مندوبًا من
جهتها يقوم بالتعقيب عليها لدى الجهات الأخرى، ويطلب من كل أمير ناحية أن يكتب
تقريرًا عن القضية بعد انتهائها وتنفيذ الحكم الصادر فيها يبين سيرها وملاحظاته
بشأنها.
يرى المجلس
تأليف لجنة من مندوبين أحدهما من وزارة الداخلية والثاني من وزارة العدل لدراسة
مجرى المعاملات الجنائية والروتين الذي تمر به والبحث عن الطريقة المُثلى لذلك،
مما لا يؤثر على الإجراءات الضرورية في التحقيق والنظر القضائي.
وجهة نظر أخرى:
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه
إلى يوم الدين وبعد:
فإن الله سبحانه
أرسل رسوله محمدًا بالهدى والنور وشرع له لأمته شريعة هي منتهى الكمال والسمو
وفيها ما يحتاج الناس إليه في أمور دينهم ودنياهم، فيها الوعد والإغراء لمن تمسك
بحبل الله وأحل ما أحل الله ورسوله وحرم ما حرم الله ورسوله، ودان دين الحق بأن
يمكن الله له في الأرض ويزيده بصيرة عند انبهام الأمور ويقينًا عند اضطراب الأفكار
وفرقانًا يفرق به بين الحق والباطل قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنْ تَتَّقُوا
اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (سورة الأنفال: 29)(5) وعلم سبحانه حاجة
عباده إلى حفظ ما تتوقف حياتهم الطيبة عليه مما سماه العلماء الضروريات الخمس التي
هي حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال وشَرع عقابًا صارمًا يرتب ردعًا وزجرًا
وينتج عنه أمن واستقرار وأعطى كل ذي رعاية ما هو مؤهل لتحمله، وجعل عليه مسئولية
بقدر ما أعطاه من سلطة فللإمام العام سلطة واسعة وعليه مسئولية عظيمة، عليه
مسئولية الحفاظ على كيان الأمة والعناية بحماية حرماتها وصيانة معتقدها وأنفسها
وعقولها وأعراضها وأموالها، وشرع عقوبات جعل بعضها خاصًا بصاحب المسئولية العامة
والولاية العليا يوقع منها ما يضمن قَمع الباطل وكبح جِماح أهل الفساد ويزجر به
مرضى النفوس الذين لا يزعهم إيمانهم لضعفه ولا يوقف اندفاعهم إسلامهم لخفته وقلة
مبالاتهم فهم بحاجة إلى زاجر سلطاني وعقوبة شرعية، فلذا شرع سبحانه الحدود التي هي
أصلح علاج لأمراض الأمة وأنجع دواء لأدوائها ابتداء بحد القذف والخمر وانتهاء بحد
الرجم وقطع يد السارق وعقوبة المحاربين ومن ألحق بهم من أهل الجرائم وما كان من
هذه الجرائم فرديًا يقع أثره على الأفراد جعل حده غير قابل للزيادة والنقصان، وما
كان من الجرائم أثره عامًا يهدد كيان الأمة بالاضطراب ويجرئ أهل الشر على الخروج
علانية شرع له عقوبة قوية وجعل أمرها عائدًا إلى ولي أمر الأمة وراعي مصالحها
والمسؤول عن المحافظة على أمنها وإشاعة العدل والأمان بين أفرادها، ومن ذلك جريمة
المحاربين الساعين في الأرض بالفساد وحصر جزاء هذه الفئة بما ذكره سبحانه في آية
المائدة حيث قال عز وجل ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ
يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي
الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة المائدة: 33) وقد قرر المحققون من أهل العلم أن
الإمام مُخير في إيقاع إحدى العقوبات المنصوص عليها في هذه الآية على من اتصف
بالصفة المذكورة فيها، وأن لفظة «أو» تفيد التخيير وهذا المعنى هو الذي أخذ به
كافة أعضاء هيئة كبار العلماء كما هو موضح في القرار رقم (٨٥) في 1401/11/11هـ
الصادر في هذه الدورة ولم يخالف في ذلك أحد، ونظرًا لأن أكثرية الأعضاء رأوا أن
التخيير المنصوص عليه في الآية ينبغي إسناده إلى القضاة لأنهم نواب الإمام في
إصدار الأحكام، واستثنوا من التخيير ما لو قتل المحارب في محاربته أحدًا فرأوا أنه
لا خيار في قتله، وأن قتله حتم، وأن ذلك إجماع على ما حكاه ابن المنذر رحمه الله(6)،
ونظرًا لأننا نرى أن الخيار إنما هو خطيرة بعقوبات خفيفة وقد عانت السلطة من ذلك
الشيء الكثير، وأقرب الأمور أن القضاة في الأعم الأغلب سوف يختارون أخف العقوبات
إلا في حال حصول قتل من المحاربين، ثم قد يختلفون هل يحكمون بقتل الجميع أو بقتل
من حصل منه القتل وحده وفي ذلك من النتائج التي لا تحمد.
2- إن هذا
الخيار للإمام في كافة أنواع الحرابة والفساد المنصوص على حكمه في آية المائدة..
ولا يستثنى من ذلك كون المحارب قتل أحدًا أثناء حرابته، فإذا تحقق للإمام أن عدم
قتله أعظم دفعًا للمفاسد وأكبر جلبًا للمصالح فله أن يختار عقوبة غير القتل من
العقوبات المنصوص عليها في الآية.. وعليه في كل ما يختار أن يتقي الله سبحانه،
ويقصد في اختياره وجه الله وأن لا تأخذه في الله لومة لائم، وأن لا يتأثر بشفاعة
أحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من يقبل شفاعة في حد من حدود الله، وإذا
أشكل على ولي الأمر شيء من ذلك فعليه أن يشاور من يثق بعلمه ودينه وبعد نظره قال
سبحانه وتعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الشوري: 38) (7) وقال جل
وعلا ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران: 159) (8) وقال تعالى
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنبياء:
7)(9) وقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة: 2) (10)
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
للإمام لما له
من سعة النظر وشمول الولاية ومعرفة مصالح البلاد عامة وتقديره لما لا يقدره القضاة
من أبعاد سياسية لها أثرها في مصير الأمة ويعاني من شرور المجرمين ما لا يعاني
بعضه القضاة، وقد فرق العلماء بين تصرفات القاضي والإمام وبينوا أن بعض التصرفات
مما ينبغي أن يختص به الإمام العام، ولا شك أن التخيير في عقوبة المحارب، من ذلك
فإنه لا أحد من أهل العلم فيما نعلم قال إن القاضي مُخير في عقاب المحاربين وجميع
من تكلم على تفسير آية الحرابة ممن يقول بالتخيير قال إن الإمام هو المخير لكن إذا
قال ولي الأمر في قضية جزئية من قضايا الحرابة والسعي بالأرض فسادًا إن على القاضي
أن يحكم فيها بما يراه الأصلح صار القاضي مفوضًا فيها، والذي نرى أنه المُتفق مع
مدلول الآية الكريمة والمتفق مع ما قرره المحققون من أهل العلم أن الخيار لولي
الأمر وليس للقاضي وإنما يصير للقاضي بإسناده إليه من الإمام، فقد يخفى على القاضي
ما كان معلومًا للإمام، وقد لا يحيط بظروف الأحوال في جميع أنحاء الدولة فيحكم
القاضي بالحبس في قضية يرى الإمام أن القتل فيها أنكى، وقد يرى الإمام في قضية
أخرى أن قطع الأيدي والأرجل من خلاف أوقع في النفوس وأزجر لها، وقد يرى في بعض
الأحوال أن عدم القتل أجلب للمصلحة وأعظم دفعًا للمفاسد ولهذا نظائر وأمثال، فقد
ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل من يستحق القتل لولا أمر خارج عن مستحق القتل
كما في امتناعه صلى الله عليه وسلم من قتل رأس المنافقين لئلا يقول الناس أن
محمدًا يقتل أصحابه، وترك صلى الله عليه وسلم قتله درءًا للفتنة كما في قصة الإفك
وقول النبي صلى الله عليه وسلم «من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي» إلى آخر
الحديث، ومثله امتناعه من قتل حاطب رضي الله عنه لأنه شهد بدرًا وغير ذلك، وقد درأ
عمر رضي الله عنه حد السرقة عن السارق لظروف اقتضت ذلك، والإمام بحكم ماله من نظر
شامل ومسئولية واسعة وإحساس بما يقع في بلاده وما يحيط بها، ولارتباطه بأمور لا
يرتبط بها القاضي يكون هو المعني بالتخيير، ومهمة القاضي إثبات جريمة الحرابة؛
ولذا فإننا نرى ما يلي:
أن الخيار المقصود في الآية معني به الإمام وليس
القاضي، وأن الإمام مخير في إيقاع أي العقوبات الأربع شاء من قتل أو صلب حتى
الموت، أو تقطيع للأيدي والأرجل من خلاف، أو نفي من الأرض بأن يحبس المحارب حتى
يموت في سجنه وإسناد الاختيار إلى القضاة رغم أنه لم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم
سوف يكون له آثار لا تخدم مصلحة الأمة ولا يحصل معها زجر المفسدين، فكثيرًا ما
تصدر الأحكام في قضايا..
وصلى الله وسلم
على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس الدورة
عبد العزيز بن
صالح
عبد العزيز بن
عبدالله بن باز
عبد الرزاق عفيفي
سليمان بن عبيد
راشد بن خنين
صالح بن لحيدان
عبد الله بن
حميد
محمد بن علي
الحركان
إبراهيم بن محمد
آل الشيخ
صالح بن غصون
عبد الله بن
منيع
عبدالله خياط
عبد المجيد حسن
محمد بن جبير
عبدالله بن
غديان
عبدالله بن قعود
1) الآية (۳۲) من سورة المائدة
2) سبقت
3) مجموع الفتاوى
جـ28ص 209
4) مجموع الفتاوى
جـ28 ص 347
5) من الآية
29من سورة الأنفال
(6) ما حكاه ابن
المنذر من الإجماع مردود بخلاف ابن عباس والحسن وسعيد بن المسبب ومجاهد وإبراهيم
النخعي ومكانة هؤلاء من العلم لا تخفي.
(7) من الآية 38
من سورة الشورى.
(8) من الآية
159 من سورة أل عمران.
(9) من الآية 7
من سورة الأنباء.
(10) من الآية 2
من المائدة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل