; منظمة التجارة العالمية.. هل أصبحت «أمريكية»؟! | مجلة المجتمع

العنوان منظمة التجارة العالمية.. هل أصبحت «أمريكية»؟!

الكاتب عبدالحافظ عزيز

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002

مشاهدات 59

نشر في العدد 1497

نشر في الصفحة 48

السبت 20-أبريل-2002

القاهرة: عبد الحافظ عزيز

  • المنظمة آلة في يد أمريكا لفرض سيطرتها الاقتصادية على العالم

  • واشنطن تريد التخفي وراء لافتة حرية التجارة لعلاج أمراض ميزانها التجاري وتوظيف سياستها

  • الأيدي الخـفية تحقق التوازن في الاقتصاد العالمي عبر الطرق الملتوية

على ما يبدو فإن الاقتصادي الشهير آدم سميث كان حالمًا عندما دعا إلى حرية التجارة بمقولته الشهيرة: دعه يعمل.. دعه يمر؛ إذ لم يعد لهذه المقولة مكان سوى مدرجات الجامعات لدى تدريس نظريات التجارة الخارجية، وأذهان بعض مروجي الوهم لفقراء الدول النامية التي تسعى للنفاذ إلى أسواق الدول المتقدمة، فتقبل الدخول في نظم اقتصادية لا تتناسب مع مقدراتها، وقد تضحي من أجل ذلك بالكثير من بنيتها الإنتاجية لتضع صناعاتها الوليدة في صراع مع عمالقة الصناعة، ليكون من نصيبها فتات المائدة الدولية، ولا تحصل إلا على وعود بالحصول على تكنولوجيا متقدمة وتشغيل أيد عاملة، وزيادة في حصة التصدير ثم يتم استدراجها للتوقيع على اتفاقيات دولية يلتزم بها الصغار تحت سيف التهميش ويهرب منها الكبار بدعوى حفظ التوازن وإعادة ترتيب الأوضاع، وعلى المتضرر اللجوء للمنظمات الدولية؟

 لقد خيبت الدول الرأسمالية ظن سميث من خلال ممارساتها لحماية صناعاتها الوطنية مستخدمة كل الوسائل من أجل تحقيق هذا الغرض، فلم تعد التجارة من أجل التجارة فقط، بل أصبحت هناك عوامل اجتماعية ومصالح سياسية على مستوى الأفراد والأحزاب تسعى لتحقيقها من خلال الحماية لكن الفرق واضح بين أداء الدول المتقدمة والنامية في هذا المجال إذ تنطلق المتقدمة لتكون البادئة بوضع القيود والشروط من خلال موقفها الأقوى على الساحة الاقتصادية الدولية وهو مبدأ معروف إذ إن الاتفاقيات الدولية تصاغ الصالح الأقوى، ولعل ممارسات أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي لا تحتاج إلى شرح.

الطرف الأقوى والأيدي الخفية

يعتمد منظرو الاقتصاد الرأسمالي ومفكروه على شيء حير الباحثين، هو وجود ما يسمى بـ «الأيدي الخفية التي تحقق التوازن في الأسواق، ومن هذا المنطلق فإن على الدولة الا تتدخل في النشاط الاقتصادي، فأين الدول المتقدمة وعلى رأسها أمريكا التي تدين بالنظام الرأسمالي من مبدأ الأيدي الخفية الممارسات تشير إلى دخول الدولة بقوة كما حدث في حالة أمريكا بفرض الرسوم على الصلب المستورد، ولكن على ما يبدو فإن الأيدي الخفية لن تكون إلا من نصيب الدول النامية والفقيرة كوصفة لحل مشكلاتها الاقتصادية.

الولاء مقابل العطاء

عندما أعلن الرئيس الأمريكي بوش فرض تعريفةجمركية على واردات أمريكا من الصلب، تعالت الأصوات معترضة، كأن هذا الأمر جديد على أمريكا خصوصًا أو على الدول المتقدمة بوجه عام وقد طلب جميع المتضررين من التصرف الأمريكي الالتجاء إلى منظمة التجارة العالمية باعتبارها المسؤولة عن قضايا التجارة العالمية منذ نشأتها في عام ١٩٩٥ إضافة إلى تقديم الشكاوى ضد الممارسات الأمريكية ولكن أحد المسؤولين البارزين في المنظمة- وهو سوباتشاي بانيتشباكدى التايلاندي الجنسية الموعود بأن يتولي رئاسة المنظمة اعتبارًا من سبتمبر المقبل-كان رده عجبًا، إذ صرح بأنه يتعين على الأطراف حل خلافاتها فيما بينها وعدم اللجوء للمنظمة إلا بعد أن تفشل كل المحاولات.

 لا يمكن فهم هذا التصريح إلا في ضوء أنه يقدم قرابين الولاء والطاعة لأمريكا مقدمًا قبل توليه المنصب، وقد أراد أن يخفف من وطأة تصريحه فزاد الطين بلة عندما قال في تصريح آخر إنه يجب على المنظمة أن تتدخل ليس عن طريق لجنة فضالمنازعات بالمنظمة كما تقضي بذلك اتفاقياتها ولكن من خلال آلية جديدة هي أن يبت في الشكاوى مكتب مدير المنظمة ليكون بذلك قد أدى الجميل على أجمل وجه لأمريكا حين يتولى شؤون المنظمة لا يخفى على أحد الدور الأمريكي في اختيار رؤساء المنظمات الدولية وضمان ولائهم لها، كما هو الحال في أكبر منظمة دولية وهي الأمم المتحدة فالمرشح الذي يضمن تأييد أمريكا يكون هو بلا شك الأمين القادم لتلك المنظمة، وعلى ما يبدو فإنمنظمة التجارة العالمية لن تكون بدعًا من المنظمات العالمية الأخرى فـ «الولاء مقابل العطاء».

تاريخ طويل مع المنظمة

لأمريكا تاريخ طويل مع منظمة التجارة العالمية قد يخفى على البعض لكن لا يضيع بين صفحات التاريخ الاقتصادي، فبعد الحرب العالمية الثانية ومحاولات البحث عن نظام اقتصادي عالمي جديد تم الاتفاق على ما سمي اتفاق بريتون وودز الذي بموجبه تم إنشاء البنك والصندوق الدوليين، وبقيت قضية التجارة تبحث عن منظمة تنظم شؤونها عالميًّا فكانت الدعوة لوجود ما سمي في ذلك الوقت بمنظمة التجارة الدولية، وقد حشدت أمريكا العا للتوقيع على هذه الاتفاقية في عام ١٩٤٧ ولكن لم يتحقق حلمها إذ حاولت الدول النامية أن تنتزع لنفسها حقوقًا أغفلتها أمريكا، وكان موقف الدول النامية في ذلك الوقت أقوى مما هو عليه الآن، ولم تجد أمريكا مفرًّا من الأخذ بمطالب الدول النامية في الأربعينيات، إذ رأت أن مصالحها مهددة من دخول المواد الأولية إلى أسواقها بأسعار قد لا ترضى عنها، وقد علقت العمل بالاتفاقية لحين تصديق البرلمانات عليها فكانت النتائج معروفة إذ رفض الكونجرس الاتفاقية لتعارضها مع مصالح أمريكا الاقتصادية، وكذلك رفضت معظم دول العالم الاتفاقية بعد الرفض الأمريكي.

 تغيرت ملامح المسرح الاقتصادي العالمي في التسعينيات في إطار ما سمي بالعولمة، فسيطرتأمريكا على مقدراته وسعت لقيام المنظمة مرة أخرى ولكن باسم جديد هو «منظمة التجارة العالمية، بدل الدولية وعلى الرغم من تخوفات الدول النامية التي ضعف موقفها كثيرًا في ظل النظام العالمي الجديد فإن أمريكا استخدمت طرقًا عدة لحث أكبر عدد من الدول للتصديق على اتفاقيات إنشاء المنظمة وكان لها ما أرادت فابتلعت الدول النامية الطعم وهو وهم المعونات والمساعدات السخية من الدول المتقدمة وأيضًا وهم توزيع الثروات العالمية في ظل اقتصاديات العولة من حركة حرة لاستثمارات أجنبية مباشرة وحركة تجارية لا تحدها عوائق، ولكن بعد مرور نحو ثلاثة أعوام اكتشفت الدول النامية الوهم ففشل مؤتمر المنظمة في سياتل عام ۱۹۹۹ وكان متوقعًا أن يفشل مؤتمر الدوحة وبفضل سياسة الضغط نفسها على الدول النامية نجحت أمريكا في أن تمرر نجاح المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة عن طريق مد يوم رابع لأعمال المؤتمر الذي. حدد له ثلاثة أيام، وسافرت معظم وفود الدول النامية على أساس عدم الاتفاق على بيان ختامي للمؤتمر يحقق مصالح كل الأطراف، وهو الأمر الذي أعطى الكثير من المؤشرات على فشل هذه المنظمة في تحقيق أغراضها.

كانت أمريكا تهدف من الإصرار على نجاح المؤتمر للمحافظة على هيبتها الدولية بعد أحداث ۱۱ سبتمبر وتثبيت الأوضاع العالمية التي تحقق تفردها بالقيادة العالمية. ولكن الدول النامية خرجت من مؤتمر الدوحة بالتأكيد على أن منظمة التجارة العالمية ما هي إلا آلة في يد أمريكا لفرض سيطرتها الاقتصادية على العالم، وهي تريد التخفي وراء حرية التجارة العلاج أمراض ميزانها التجاري «كان العجز في الميزان التجاري الأمريكي في عام ۱۹۸۷ قرابة ٣٢ مليار دولار نتيجة زيادة الواردات عن الصادرات بأكثر من الضعف لكنه استمر في الاتساع إلى أنوصل في ديسمبر ۲۰۰۰ إلى ٤٣٤ مليار دولار فضلًا عن ارتفاع الدين الخارجي بسرعة مخيفة إذ وصل إلى 1 تريليونات دولار في التسعينيات بعد أن كان ٨٥٠ مليار دولار في الثمانينيات».

 كما تهدف أمريكا إلى تحقيق الثراء على حساب الدول الفقيرة واستغلال المعونات الأجنبية لفرض إرادتها السياسية أو الضغط عليها لفتح أسواقها للمنتجات الأجنبية.

تاريخ حافل بالتحايل

بعد أن فشلت أمريكا في تسيير أمور التجارة الدولية في الأربعينيات على هواها، ولجأت الدول الصناعية إلى وجود اتفاقيات الجات كانت أمريكا منضمة لهذه الاتفاقيات باعتبارها صاحبة وضع متفرد في عدد من السلع الصناعية التي تحتاجها الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، مما ساعد على زيادة صادراتها بصورة كبيرة ولكن بعد نهوض اليابان ووجود النمور الأسيوية بدأت أمريكا تشعر بالخطر فأوجدت نوعًا من الحماية لا يتعارض مع الإطار الشكلي لاتفاقيات الجات ولكنه لا يتفق مع مضمونها وهو حرية التجارة وهو ما تعارف على تسميته بـ «الحمائية الجديدة، لأنها لا تفرض رسومًا جمركية جديدة تتعارض مع اتفاقيات الجات ولكن تحد من واردات أمريكا من الدولالمنافسة بصور أخرى تمثلت في

  1. التقييد الاختياري للصادرات، وذلك بأن تدخل أمريكا في اتفاق مع دولة ثانية على ألا تزيد هذه صادراتها إلى السوق الأمريكية عن حجم محدد وقد طبقت هذه الطريقة على صادرات اليابان إلى أمريكا من السيارات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية

  2.  التوسع الاختياري في الواردات من خلال اتفاقيات مع دول منها اليابان أيضًا وبعض البلدان الأسيوية وبمقتضى الاتفاق تلزم أمريكا هذه البلدان بالتوسع في وارداتها من أمريكا من السلع مثل الأرز واللحوم وبعض السلع الصناعية في مجال الاتصالات مقابل السماح باستيراد أمريكا سلعهذه الدول.

  3. توظيف أحد بنود اتفاقيات الجات وهو ما سمي بالشرط الوقائي بعد أن عجزت أمريكا عن إيقاف منتجات اليابان والدول الأسيوية الصاعدة عن الدخول إلى أسواقها، إذ عمدت إلى استخدام ما سمي بالشرط الوقائي، إذ إن الاتفاقية تجيز تقييد المنافسة الأجنبية إذا زادت الواردات زيادة ضخمة تهدد الصناعة الوطنية بضرر جسيم، إلا أن أمريكا توسعت في استخدام هذا الشرط في حالات تتعارض مع الهدف الذي وضع من أجله إذ أصبح الالتجاء إليه طريقة سهلة لمنع المنافسة الأجنبية وليس لمنع الضرر الجسيم كما تقضي بذلك الاتفاقية.

قرار بوش بفرض رسوم جمركية على واردات الصلب فسره الجميع على أنه قرار سياسي بسبب الانتخابات النيابية القادمة وأن بوش استهدف أصوات الولايات المنتجة للصلب، التي حصل فيها على أصوات قليلة في انتخابات الرئاسة. قد يكون هذا صحيحًا، لكن الموضوع له جوانب أخرى اجتماعية واقتصادية فضلًا عن رؤية تغلب الرأي القائل بأن الكثيرين من أعضاء الكونجرس والسياسيين والمفكرين الأمريكان يتبنون فكرة الانعزال ويصرون على ضرورة الالتفات إلى تدعيم قوة أمريكا الاقتصادية والعسكرية ونبذ فكرة عالمية التجارة حماية للصناعة والعمالة الأمريكية وهم مؤيدون من اتحادات العمال وجماعات المصالح ذات القوة والنفوذ.

قد يؤيد هذا الرأي ممارسة أمريكا تجاه قضية الشرق الأوسط مع مجيء حكومة بوش، إذ لم يحركها تجاه القضية بشكل جدي سوى أحداث۱۱ سبتمبر، هذا على الصعيد السياسي، أما على الصعيد الاقتصادي فقد ضرب السلوك الأمريكي عرض الحائط بتعليمات منظمة التجارة العالمية، بل وفرض رسومًا على واردات الصلب، وفرض حصصًا على وارداتها من المنسوجات والملابس الجاهزة القادمة من الشرق الأوسط والبلدان الأسيوية.

ويعتقد هؤلاء الانعزاليون أن أمريكا باعتبارها اقوى دولة لها أسواق جذابة للدول الأخرى. لتشتري منها حاجاتها، وأنه يتوقع أن تعمل هذه الدول على تشكيل أنظمتها على النظام الأمريكي وعندئذ تكون أمريكا في مركز يسمح لها بفرض شروطها. ويصنف الرئيس بوش على أنه من هذهالطائفة.

هل ينقلب السحر على الساحر؟

 من خلال ما ذكر فإن أمريكا حاولت عبر ممارساتها التجارية أن توظف سياستها التجارية تجاه الحماية والحرية بما يحقق مصالحها، فمرة تعترض على إنشاء منظمة التجارة الدولية ومرة تستفيد بشكل أساسي من الجات، ومرة تلتف على الجات بأنواع جديدة من الحماية ثم في النهاية تسعى وتجبر الجميع على إنشاء منظمة التجارة العالمية، ثم هي تخالف قواعد المنظمة وتأتي برؤساء لها تضمن ولاءهم.

 لكن هذا لن يسهل لها تحقيق أغراضها على طول الخط فهناك لاعبون آخرون على الساحة الدولية اصطدمت مصالحهم بالأهداف الأمريكية لذا وجدنا أن الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية والصين يشتكون لمنظمة التجارة ويفكرون في فرض عقوبات ذكية ضد أمريكا تتمثل في اختيار مجموعة من السلع الأمريكية من ولايات لها تأثيرها السياسي على الإدارة الأمريكية وتقوم بفرض رسوم جمركية عليها لتحد من الصادرات الأمريكية مما يجعل أمريكا تفكر ثانية في السير في الاتجاه الجماعي من الالتزام بقواعد اللعبة الدولية.

 أمريكا بتصرفها الأخير أكدت ما ينتاب دول العالم من موجات الشك وعدم الثقة فالدول الصغيرة تشك في نيات الدول الكبرى وبالذات أمريكا ولا ترى في حركة التجارة العالمية إلا حيلة أمريكية جديدة لزيادة معدلات النمو بها على حساب الدول الصغيرة، كما أن أوروبا وآسيا أصبحتا لا تثقان في أمريكا كشريك أمين وقد عاد اصطلاح الأمريكي القبيح، يتداول ثانية في فرنسا وغيرها، أو على الأقل سيجعل هذا الإجراء الاتحاد الأوروبي يعيد التفكير في الالتزامات التي قطعها على نفسه في مؤتمر الدوحة بشأن رفع الدعم الزراعي داخل بلدانه، ومن هنا يستمر التوتر بين الدول الكبيرة وبينها وبين الدول الصغيرة، وقد يؤدي استخدام الدول الكبيرة لوسائل الضغط بالوعد والوعيد أو بافتعال مشكلة دولية تبرر اتخاذ إجراء لفرض إرادتها، وبالتالي ستكون الإجراءات الحمائية سلاح كل الأطراف، لا أمريكا وحدها .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

125

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال