العنوان الجوانب الاقتصادية لفريضة الصوم
الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004
مشاهدات 107
نشر في العدد 1623
نشر في الصفحة 48
السبت 16-أكتوبر-2004
محاضر بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود
الصوم أفضل مدرسة تعالج قضية التقوى معالجة نفسية ميدانية، يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
إن الصوم مدرسة روحية عظيمة القدر، لكونها تربط العبد بربه، فلا يقنط بعد ذلك من رحمته، ولا يجزع، ولا يقلق.
إن خلق الصبر يتجلى في سلوك الصائم، فهو لا يتأثر بمغريات الدنيا وسفاسفها ومتاعها الفاني وحطامها الخادع خشية أن تسلب إيمانه وتنتزع منه تقواه وإخلاصه.
يقول ابن قيم الجوزي -رحمة الله-: «المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، فهو يكسر الظمأ والجوع من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، ويضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، ويحبس قوى الأعضاء عن استرسالها فيما يضرها في معاشها.......».ويقول الغزالي -رحمه الله-: «الصيام زكاة للنفس، ورياضة للجسم وداع للبر، فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة، في جوع الجسم صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، لأن الشبع يورث البلادة، ويعمي القلب.....».
ويقول يوري نيكولاييف مدير وحدة الصوم في معهد العلاج النفسي في موسكو: «إن الصوم أمر جوهري لسكان المدن المعرضين باستمرار الدخان السيارات وأبخرة المصانع وغيرها من ملوثات الجو السامة.. إن العلاج من خلال الصوم ما هو إلا عملية جراحية باطنية دون مبضع جراح......».
ويرى دافيد ستري أن الصوم اقتصادي ويقوم مقام مستحضرات التجميل، ويعطي جهاز الهضم راحة تامة، ويتيح للجسم الفرصة ليتخلص من السموم والفضلات المتراكمة، ويرمم نفسه بنفسه....
قال بعض الصالحين: جعل الله الصوم زكاة الجسد يؤديه الغني والفقير، وفيه مشاركة تامة بين الجميع حتى يشعر الفني بألم الجوع ومرارة الحرمان، فيتعاون مع إخوانه في مساعدة المحتاج وإطعام الجائع، وكسوة العاري، ومسح المرارة والآلام.
وفيما يلي تستعرض أهم الجوانب الاقتصادية لفريضة الصوم.
أولًا: الصوم والاستهلاك: من الواضح أن هناك علاقة طردية بين شهر الصوم والاستهلاك المبالغ فيه والمرء يدهش من هذا النهم الاستهلاكي الذي يستشري لدى الناس عامة في هذا الشهر، فالجميع يركضون نحو دائرة الاستهلاك والاستعداد للاستهلاك في رمضان، يبدأ المرء يومه مبكرًا مصحوبًا بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت ومن خلال أكثر من وسيلة، وبالتالي يكون المرء مهيئًا للوقوع في دائرة الاستهلاك الرهيبة، الزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد والأولاد يلحون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شرهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك. في أحد الأعوام قدر نصيب شهر رمضان من جملة الاستهلاك السنوي في مصر -على سبيل المثال- بحوالي ٢٠% أي أن مصر تستهلك في شهر واحد، وهو رمضان، خمس استهلاكها السنوي كله بينما تستهلك في الأشهر المتبقية الأربعة أخماس الباقية، وقد كلف رمضان في ذلك العام الخزانة المصرية نحو ۷۲۰ مليون دولار، وليست الدول الإسلامية الأخرى بأقل من مصر استهلاكًا.
إن هناك تبذيرًا وإسرافًا إلى حد السفه فالكميات التي يتم شراؤها في الأيام العادية يتم تجاوزها إلى أضعاف الأضعاف في شهر رمضان على الرغم من أنه لا يحوي إلا وجبتين فقط.
ثانيًا: الصوم والإنفاق: من الإنفاق ما افترض على سبيل الكفارة لمن لم يقدر على الصوم، ومنها زكاة الفطر.
إن من معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض للإنفاق، أو ترشيد للإنفاق إن الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر والضياع للموارد الاستهلاكية، وما نصنعه في رمضان هدر الإمكانات مادية نمتلكها في غير موضعها وهدر لقيم سامية طالبنا الدين الإسلامي بالتمسك بها، وهدر السلوك قويم هو القناعة.
إن شهر الصوم فرصة ولا شك يتعلم فيها أفراد أمتنا عادة اقتصادية حميدة هي ترشيد الإنفاق ليكون شهر الصوم فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة وفرصة الترتيب سلم الأولويات، وفرصة للتعرف على مستوى الفائض الممكن الذي ينبغي توجيهه إلى أغراض استثمارية.
إن شهر الصوم فرصة لتحقيق هذا الترشيد ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بقاعدة لا إسراف ولا تبذير، ولا شك أنها ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام، انطلاقًا من قوله سبحانه ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ﴾ (الأعراف: ۳۱). ومن قوله: كل واشرب والبس ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة»..
ثالثًا: نتائج وتوصيات:
إن هذه الخصائص الاقتصادية هي خصائص كامنة في جوهر الصوم، باعتباره مرتبطًا بقوى اقتصادية مثل: الاستهلاك والإنفاق والأموال ودرجة الحاجة ودرجة الإشباع، وإن تحريك هذه الخصائص وتنشيط فاعليتها مهمة البشر في الأمة الصائمة على مستوى الأفراد ضبطًا لاستهلاكهم، وتقويمًا لسلوكهم الاقتصادي، وعلى مستوى المؤسسات توفيرًا للنظم الكفيلة بحسن تجميع وتوجيه أموال الكفارة وأموال الزكاة والصدقة، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.
- إن في شهر الصوم فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل منها: أن يحدث الصوم أثره الحقيقي في نفوس القادرين إزاء المحتاجين، ومنها توافر الحس الديني الذي يكفل التقدير المناسب لضرورة بذل الكفارة وأهمية إخراج زكاة الفطر، ومنها حسن توجيه هذه الأموال.
إن خطة لمواجهة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان، إن هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا دلالة على المدى الهائل من التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا، والمتأمل في صناديق وأكياس القمامة يرى أننا في حاجة إلى إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية باتجاه تعديلها لتصبح قيمًا إنتاجية أو قيمًا استهلاكية رشيدة.
إن تزايد الاستهلاك والإنفاق معناه المزيد من الاعتماد على الخارج، ذلك أننا لم تصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي أو مستوى معقول لتوفير احتياجاتنا الاستهلاكية اعتمادًا على مواردنا وجهودنا الذاتية، وهذا له بعد خطير يتمثل في وجود حالة تبعية غذائية للآخر الذي يمتلك هذه المواد، ويستطيع أن يتحكم في نوعيتها ووقت إرسالها لنا.
إذن الاستهلاك والإنفاق لهما أبعاد خطيرة كثيرة تهدد حياتنا الاقتصادية، وتهدد أيضًا أمننا الوطني، فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالًا لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة، وأساليب الإنفاق البذخية؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل