; عبادات: 1574 | مجلة المجتمع

العنوان عبادات: 1574

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003

مشاهدات 72

نشر في العدد 1574

نشر في الصفحة 54

السبت 25-أكتوبر-2003

صوم الصبيان

خالد أحمد الشنتوت

قال تعالى في كتابه الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6)، ويستدل من الآية مسؤولية الوالدين أمام الله U عن تربية أولادهما على الإسلام. 

وللتربية الإسلامية أصول ينبغي على الوالدين الانتباه إليها، وعلى الباحثين والكتاب ومؤسسات النشر والدعوة إيصال هذه الأصول إلى كل أب وأم.

ومن الملاحظ أن التربية الإسلامية تعطي التدريب على العبادات أهمية بالغة، فالصلاة تفرض على المسلم والمسلمة عند البلوغ، لكن رسول الله «أمرنا أن ندربهم عليها منذ السابعة».. أي قبل البلوغ بعدة طويلة قد تصل إلى (٥-٧) سنوات. يقول الشيخ محمد قطب في كتابه «منهج التربية الإسلامية»: «ومن وسائل التربية: التربية بالعادة أي تعويد الطفل على أشياء معينة حتى تصبح عادة ذاتية له. ومن أبرز الأمثلة شعائر العبادة وفي مقدمتها الصلاة.. وتكوين العادة في الصغر أسهل بكثير من تكوينها في الكبر. ذلك أن الجهاز العصبي الغض أكثر قابلية التشكيل.. وقد أختص حديث رسول الله الصلاة بهذا الأمر «مروا أولادكم بالصلاة لسبع..» لأن الصلاة عنوان الإسلام، ولكن جميع آداب الإسلام وأوامره سائرة على هذا النهج، فكلها تحتاج إلى تعويد مبكر».

وقد عنون الإمام البخاري يرحمه الله بابًا في صحيحه اسمه باب صوم الصبيان وأورد حديث عمر «حيث قال الرجل في رمضان «ويبدو أنه كان مفطرًا» ويلك تفطر وصبياننا صيام؟ فضربه»، وعلق الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: «واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وقال به الشافعي إنهم «الصبيان» يؤمرون به «بالصوم» للتمرين عليه إذا أطاقوه وحده بالسبع والعشر كالصلاة. وحدّه إسحق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، وأغرب ابن الماجشون من المالكية فقال: إذا طاق الصبيان الصيام ألزموه، فإن أفطروا لغير عذر فعليهم القضاء» «فتح الباري 5/3».

وأخرج البخاري ومسلم عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله «غداة عاشوراء» إلى قرى الأنصار التي حول المدينة «من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليصم بقية يومه»، فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن «الصوف» فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار» ([1])، وعلق الحافظ ابن حجر فقال: وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام، لأن من كان في مثل السن الذي ذكر في هذا الحديث فهو غير مكلف. وإنما صنع ذلك للتمرين. 

وأخرج ابن أبي الدنيا -يرحمه الله- قال: حدثنا إسحق بن إسماعيل: حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يأمر بنيه بالصيام إذا أطاقوه، وبالصلاة إذا عقلوا «العيال 1/47»، ومن المفيد ذكره أن المصنف «ابن أبي الدنيا» قال: «باب تعليم الصبيان الصلاة»، ثم روى تحت هذا الباب أحاديث الصلاة وأحاديث للصوم، وكأنه ربط تعليم الصوم بتعليم الصلاة، وهذا هو الصحيح والله أعلم.

وفي المذهب الشافعي «ويؤمر به الصبي لسبع ويضرب لعشر» ([2]). وفي المذهب الحنبلي «ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر، وعلى ولي صغير مطبق أمره به، وضربه عليه ليعتاد» «الروض المربع 1/415».

ومرة أخرى كما لاحظنا عند الأمر بالصلاة، نجد أن الصبي يؤمر بالصوم قبل أن يفرض عليه، من أجل التمرين والتدريب وتكوين العادة، كما نلاحظ مدة التدريب الطويلة كما في الصلاة من أجل التعود على الفريضة قبل أن تفرض، ومن الملاحظ تعجب غير المسلمين من إمساك المسلم نهارًا كاملًا عن الطعام والشراب، ويظنون ذلك صعبًا جدًا لأنهم لم يعتادوه منذ الصغر. 

ولا بأس في تدريب الصغار على الصوم -إن كان اليوم طويلًا وحارًا- بأن يتسحر الطفل مع أسرته ثم يمسك حتى الظهر، فتعطى له وجبة، ثم يمسك بعدها حتى الإفطار، ويسمونه في الشام «درجات المئذنة»، وهذا لأطفال ما قبل السابعة إن وجدت عندهم الرغبة في الصوم وتقليد الكبار، والهدف منه التدريب على الإمساك والامتناع عن الطعام والشراب مدة محددة. 

لعلكم تتقون

محمد مصطفى ناصيف

قال الله تعالى، مبينًا الحكمة من الصوم:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، تقوى الله تعالى -إذن- هي الهدف الأسمى من الصوم، بل هي الهدف من العبادات بشكل عام كما قال سبحانه في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21).

 حول التقوى.. معانيها.. وبعض الأقوال المأثورة عنها نطوف بين هذه السطور:

قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ (سورة الأعراف: ٢٦). كما أن التقوى خير زاد يدخره المرء ليوم المعاد. قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فإن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (سورة البقرة: 197)

موت التقيّ حياة لا نفاد لها               قد مات قوم وهم في الناس أحياء

ومن تلبس بالتقوي كان من أكرم عباد الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13).

والتقوى سبب تسهيل الرزق قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 2-3)، كما أمر بها I فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2).

وأول شعب العقل: لزوم التقوى لله وإصلاح السريرة.. لأن من صلحت سريرته، أصلح الله ظاهره، والعاقل من تدبّر أحواله بصحة الورع، ويمضي لسانه بلزوم التقوى.

إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى 

                                            تقلّب عريانًا ولو كان كاسيا 

وخير لباس المرء طاعة ربه 

                                 ولا خير فيمن كان لله عاصيا

سأل عمر بن الخطاب أبي بن كعب y عن التقوى فقال له ما معناه: إذا دخلت أرضًا فيها شوك.. كيف كنت تعمل؟ قال: أتوقى وأتحرز، قال: وكذلك فأفعل في الدنيا.. فتلك هي التقوى.

التقوى: أن يراك الله حيث أمرك.. وأن يفقدك حيث نهاك.

التقوى: مجانبة ما يبعدك عن الله.

التقوى: طريق الشوك.. يحتاج الماضي إليها إلى صبر شديد. 

التقوى: وصية الله لكل أمة بعث فيها رسولًا حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء: 131).

وسئل لقمان الحكيم: أي الخصال خير للإنسان؟ قال: الدين. قيل: فإذا كانت اثنتين قال: الدين والمال، قيل: فإن كانت ثلاثًا؟ قال: الدين والمال والحياء.. قيل: فإن كانت أربعًا؟ قال: الدين والمال والحياء وحُسن الخُلق، قيل: فإن كانت خمسًا؟ قال: الدين والمال والحياء وحُسن الخُلق والسخاء، قيل: فإن كانت ستًا؟ قال: من اجتمعت فيه الخمس خصال فهو تقي ولله ولي. 

ومما جاء في الأثر أيضًا عن التقوى: 

التقوى: هي العزم على إتيان المأمورات.. والانزجار عن جميع المزجورات.

التقوى: تعين صاحبها على الوقوف.. عند حدود الشرع، وتمسك بيده عن الوقوع فيما حرم الله.

أكرم الناس.. من اتقى الله، والكريم التقي الإيمان عريان.. لباسه التقوى.

وفي التقوى.. النجاة في الآخرة لقوله تعالى:﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (سورة الزمر: 61). وفي التقوى قبول كافة الأعمال، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة المائدة: 27).

ومن كان رأسماله التقوى.. كلّت الألسنة عن وصف ربحه، فأشدد إزار العقل بحبال التقوى.

إن أمراض القلوب تفوت حياة الآخرة.. كما تفوّت أمراض الأجساد حياة الإنسان، فاتق الله يجعل لك مخرجًا. 

أطفالنا والصيام:

الطفل ينمو ويترعرع وسيأتي يوم يصبح فيه الصيام فريضة عليه، والصوم جهد ومشقة ويتطلب الصبر وقوة الإرادة، ويجب ألا ندع هذه الفريضة تباغت أطفالنا دون استعداد لها، بل يجب أن ندعهم يترقبونها بشوق وشغف، وعلينا أن نصيّر «رمضان» عرسًا ينتظره أبناؤنا.

البيت مدرسة كبرى، والطفل يرى ويسمع ويقلد، لذا يجب أن تظهر في البيت معالم الحفاوة برمضان، ويجب أن يرى الطفل سعادة ذويه بقدوم الشهر المبارك، يجب ألا يرانا نتألف من الجوع، فهو رغم أنه صغير، ولكنه خبير بالمشاعر، ويجب ألا نفهمه أن الأمر جوع وعطش، بل سرور وحبور، وفوق ذلك ثواب عظيم.

قد لا يستطيع الطفل الصيام هذا العام، ولا عيب في ذلك ولا إثم، فالصيام يرتبط بمقدرة الصغير المتزايدة، ولذلك لا مانع إن دربناه -قبل أن يصبح في سِن التكليف- على الصيام المتدرج كأن يصوم للظهر ثم للعصر، وهكذا بالتدريج، لا حرج إن كان بمقدوره تحمل الجوع، مع تناول بعض الماء، إن هذا تدريب وتمهيد، حتى لا نفاجئه يومًا بقولنا: حان وقت الصيام.

عندما يقوى الصغير على الصيام، دعه آنئذ يشعر بلذة الطعام والشراب بعد طول صبر وتحمل، دعه يرى أن وقت الإفطار فرصة كبرى ينال فيها من السعادة اليومية الكثير، ويجب أن تعلم أننا نكون قدوة وقت الإفطار والسحور وحتى النوم، وعاداتنا ستنعكس على أطفالنا سلبًا أو إيجابا بلا شك.

إن الطفل يحب الجائزة والهدية، وعلينا ألا ننسى ذلك، وكذلك علينا أن نعلمه أن ديننا يُسر ورحمة، والله I يسمح للصغير الذي لم يدخل سِن التكليف بألا يصوم، وبعد رمضان لندع الطفل يستمتع بعيد سعيد يمرح فيه ويلعب.

كما يجب أن ندرب الطفل على أداء العبادات وعدم التهاون بها قبل الإفطار وبعده، وفي السحور توقظه رغم لذة النوم ودفء السرير، وعلينا -بحكمة وفطنة- أن نجعل وقت السحور متعة حقيقية يستيقظ له الطفل غير متحسر على نوم فقده، يجب أن نحرص على سحور أطفالنا حتى وإن لم تكن بهم طاقة على الصيام، حيث إنهم يتعودون على أداء الصيام رويدًا رويدًا بإذن الله. 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 183).

([1]) صحيح البخاري في الصوم (١٩٦٠) باب صوم الصبيان، ومسلم (١١٣٦) باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه.

([2]) أحمد بن النقيب المصري، عمدة السالك وعدة الناسك، طبع الشؤون الدينية بقطر، ۱۹۸۲م.

الرابط المختصر :