; غزة.. بين هجرتين | مجلة المجتمع

العنوان غزة.. بين هجرتين

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005

مشاهدات 55

نشر في العدد 1666

نشر في الصفحة 15

السبت 27-أغسطس-2005

على امتداد الأسبوع الماضي.. شاهد العالم واحدة من الصور النادرة في المجتمع اليهودي خلال تهجير المستوطنين من غزة.. الحدث نادر في تاريخ القضية الفلسطينية وندرته تتمثل في تلك الاشتباكات العنيفة بين جنود من الجيش الصهيوني والمستوطنين الصهاينة.. فقد عودنا الجيش على التحرك طوال أكثر من نصف قرن من أجل حماية المستوطنين وراحتهم وأمنهم وتوسعة الأرض عليهم على حساب أمن الفلسطينيين وحياتهم وأراضيهم وديارهم.
وهؤلاء المستوطنون.. يمثلون العنصر الأهم في المشروع الصهيوني الاستعماري، فهم الأداة التي تتم زراعتها في الأرض وهم بمعنى آخر يمثلون «جسم جريمة» الاغتصاب و«الشاخص» الحي على بقاء المشروع الصهيوني.. فلماذا يفعل بهم شارون ذلك، ويقتلعهم عنوة من الأرض التي تم غرسهم فيها لأول مرة عام ١٩٤٨م ثم للمرة الثانية -وبطريقة أكثر كثافة- عام ١٩٦٧م؟!
الأسئلة لا تنتهي بل إنها تتزاحم متعجبة: شارون صاحب أقذر وأبشع المذابح والاجتياحات ضد الشعب الفلسطيني، وصاحب أكبر عمليات استيطان على حساب الأرض الفلسطينية، وصاحب السجل الأسود الذي ينطق بالحقد والكراهية.. ينسحب من أرض فلسطينية؟ ما الذي حدث بالضبط حتى يقرر الانسحاب من غزة؟
آلة الدعاية الغربية والصهيونية تقول: إنه الإيمان بالسلام... وإنها خطوة مهمة على طريق السلام... إلخ. لكن شارون نفسه لم يقل ذلك، وإنما قال قبل أسبوعين لصحيفة «يديعوت أحرونوت» «إن إسرائيل خرجت من غزة لأنها أرادت وقف الثمن غير المحتمل الذي تدفعه هناك».
إذًا المسألة عملية تحريك للمشروع الصهيوني بأدواته «المستوطنون»، من نقطة صارت خطرًا على وجودهم إلى مناطق أخرى، وهذا التحريك أو التقهقر جاء بفعل المقاومة وليس غيرها.. فنحن لم نسمع عن مفاوضات دارت بين السلطة، وبين شارون وتوصلت إلى ذلك الانسحاب، بل إن السلطة تعلن والعالم كله يعرف أن الانسحاب تم من جانب واحد ولم تدر السلطة عن تفاصيله شيئًا.
مرة أخرى هذا الانسحاب الشاروني من طرف واحد يمثل من جهة أخرى دليلًا ماديًا على فشل مشروع «المائة يوم» «هل تتذكرونه؟» وهو المشروع الذي أعلنه شارون عند مجيئه للسلطة للمرة الأولى في مارس ۲۰۰۱م وتعهد فيه بتحقيق الأمن لليهود، خلال مائة يوم.. ومرت المائة تلو المائة، ولم يتحقق شيء، ولو ظل عشرات السنين ما استطاع أن يحقق شيئًا، بل دفع ثمنًا باهظًا ومن يراجع خسائر «إسرائيل» في الأرواح والجرحى على يد الانتفاضة، يجدها أكبر من خسائرها خلال الحروب المتعددة مع الجيوش العربية.
على الجانب الآخر، وفي داخل المستوطنات، شاهدنا إلى أي مدى قاوم المستوطنون من مختلف الفئات والأعمار قوات الجيش، وشاهدنا النحيب والعويل وسط عبارات الغضب والحزن والإغماء...
نحن إذًا أمام جماعة من البشر.. أشربت مشروعها الاستعماري حتى النخاع.. ونشأت وتربت وأفرغت في عقولها كل تفاصيل هذا المشروع الشرير.. عن أرض الميعاد وأرض الأجداد.. وشعب الله المختار.
فهل هؤلاء المستوطنون أقل شرًا وعنصرية ودموية تجاهنا كعرب من الجيش الصهيوني؟ وهل هم أقل وحشية مع الفلسطينيين من الأباتشي وصواريخها!!
ومن هنا، فإن القول بأن المجتمع الصهيوني كله عسكريون وكله مستعمرون، ردًا على الآراء التي تدين العمليات الاستشهادية التي يسقط فيها مستوطنون هذا القول تتأكد صحته من جديد وإن لم يكن في حاجة إلى دليل.
الغريب أن بعض السذج استغرقته صور البكاء والعويل لأولئك المستعمرين وهم يخرجون من الأرض التي سرقوها.. فذاب قلبه... وأصيب بسكرة، لا ندري هل سكرة جنون أم نوبة من نوبات السلام الانبطاحي.. فأعلن دون خجل أننا يجب أن نلتمس العذر لهؤلاء المستوطنين على ما يفعلونه... «إنهم يخرجون من أرضهم ومن بيوتهم»!!
ترى ما الذي أصاب ذاكرة البعض عندنا بكل هذا العطب؟ رجل سرق بيتًا لمدة ٣٨ سنة (١٩٦٧م) ثم قرر الخروج منه.. تشفق عليه ونتحسر أم نهنئ صاحب البيت على عودته بعد طول شتات ونبصق على ذلك اللص؟! ماذا يقول المنطق؟!
إن هذه المناسبة لا يجب أن تمر قبل أن نستحضر على الجانب الآخر مشهدًا مهمًا غاب في ظل الهرج والمرج الدائر في غزة.. مشهد عمليات التهجير التي مارسها العدو الصهيوني ضد أهلنا في فلسطين عام ١٩٤٨م بكل ما فيه من مأساوية.
فاليوم يهجّرون المستوطنين من غزة بكل احترام ورعاية إلى أماكن فلسطينية أخرى أكثر راحة وأمنًا.. وبالأمس هجّروا أهل فلسطين من ديارهم وأرضهم إلى عالم الشتات وسط عمليات قتل جماعي يندى لها جبين الإنسانية، بلغت أكثر من مائة مذبحة وما تم توثيقه منها ٣٥ فقط «د. سليمان أبو سته -الحياة ٥ أبريل ١٩٩٩م».
واليوم يهجّرون المستوطنين ومعهم كل أمتعتهم وسيحصلون بعد ذلك على تعويضات خيالية، وبالأمس هجّروا ٨٥٠ ألف فلسطيني من ٥٢٦ مدينة وقرية إلى العراء مجردين من أي متاع، حفاة لا يستر أجسادهم إلا خرق بالية، والمحظوظ من استطاع أن يفلت بـ«صرة» بها بعض متعلقاته.. وصار هؤلاء اللاجئون أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون موزعين على أربع دول عربية «الأردن -لبنان -مصر -سورية» وغيرها من بلاد الأرض وقد سدت أمامهم كل الأبواب للعودة إلى ديارهم وأرضهم حتى اليوم.
نحن العرب والمسلمين مطالبون بوضع المشهدين إلى جوار بعضهما البعض، لتنشيط ذاكرتنا التاريخية عن فلسطين، وحتى لا نغيب عن الوعي بفضل «السياسات».. وحتى تعي الأجيال المقبلة حقائق التاريخ جيدًا. 

الرابط المختصر :