العنوان نطام صدام مشاهدات من الداخل «1 من 2»
الكاتب د. محمد البصيري
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1994
مشاهدات 49
نشر في العدد 1102
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 07-يونيو-1994
أقدم طاغية العراق صدام حسين في الأسبوع الماضي على إقصاء رئيس وزرائه من منصبه، وعين نفسه بدلًا منه رئيسًا للوزراء في خطوة مهد لها الإعلام العراقي المضلل بأنها ضرورية لاهتمام الطاغية شخصيًا بأحوال شعبه، ورغبته في تولي مقاليد الأمور التنفيذية مباشرة للخروج بالعراق من أزمته المتفاقمة من جراء حكم الطاغية وزبانيته، والعارفون لطبيعة صدام وشخصيته الدكتاتورية التسلطية، يدركون أن هذا التغيير جاء لإشباع نهم صدام وتعطشه الدائم للتسلط والدكتاتورية، وتكريس مبدأ التأليه والتعظيم لشخصه، والناظر لأحوال العراق من الداخل يدرك ذلك بدون أدنى عناء، وقد صلتنا في «المجتمع» رسالة من أحد مسؤولي الإغاثة الذين دخلوا العراق لأهداف إنسانية، فصعق هو ومن معه من هول ما رأوه من تأليه صدام وتعظيمه في كل جزء من العراق، دونما أي اعتبار أو تفكير فيما جلبه هذا الطاغية ونظامه من خراب ودمار وهلاك للحرث والنسل.
عزيزي القارئ، نورد لك هذه الرسالة، والتي لا تحتاج إلى مزيد من التعليق والتوضيح خاصة لنا نحن أبناء الخليج، فنحن نعرف صدام تمام المعرفة، ولعل هذه الرسالة التي تنقل صورة الطاغية من الداخل بكل صدق وأمانة وموضوعية، تساهم ولو بشيء يسير في تغيير آراء بعض المخدوعين والمضللين من أبناء الأمة العربية والإسلامية، والذين استطاعت أجهزة الإعلام البعثية أن تغسل أدمغتهم، وتغيب وعيهم وإدراكهم، كما فعلت في الشعب العراقي الذي مسحت و مسخت شخصيته، وذوبت وصهرت في شخصية الطاغية صدام.. وهذا نص الرسالة:
«كانت عقارب ساعتي تشير إلى الثانية عشرة إلا الربع صباح أول فبراير الماضي، حين وصلت إلى فندق الرشيد ببغداد للمشاركة في أعمال ندوتين: الأولى تحت عنوان «الحقيقة والتضليل في أم المعارك في المؤلفات الأجنبية والعربية»، والثانية بعنوان «انتهاكات وجرائم الحصار لحقوق الإنسان في العراق».
كنت متعبًا للغاية بعد أن قطعت رحلة شاقة عبر الطريق البري من الأردن للعراق «1200 كم»، استغرقت 46 ساعة، نجوت فيها من الموت بأعجوبة لأعيش أسبوعين في زنزانة خانقة في بغداد، يتمنى الإنسان أن يموت فيها كل لحظة، وبالطبع لم تكن تلك الزنزانة واحدة من زنانين صدام تحت الأرض، بل كانت غرفة في واحد من أكبر وأضخم وأفخم فنادق الشرق الأوسط!
أمام باب الدخول الرئيسي لفندق الرشيد توقفت مذهولًا.. فوجئت بصورة الرئيس الأمريكي جورج بوش مرسومة على أرضية مدخل الفندق بصورة مقززة للنفس، ومكتوب عليها «بوش مجرم العصر».. قطع ذهولي كلمات سمعتها من حارس الباب «تفضل يا عيني.. دوس على وجه مجرم العصر».
صالة الفندق كانت مليئة عن آخرها بالمدعوين من أمثالي، سواء كانوا صحفيين أو مفكرين أو كتاب أو عاملين في منظمات إنسانية إغاثية، استجلبهم صدام بأمواله، كان هناك أكثر من 3 آلاف مدعو بلغت نفقات إقامتهم ودعوتهم ملايين من الدولارات، وهذا شيء قليل جدًا لنظام يعد الأول من دول العالم إنفاقًا على الدعاية والإعلام لتثبيت حكمه!!
بسرعة أنهيت إجراءات الوصول إلى الفندق.. صعدت إلى غرفتي، ووضعت فيها حقائبي، وهبطت إلى صالة الفندق تمهيدًا للانطلاق إلى شوارع بغداد، ورصد أحوال أهلها، وبمجرد أن خرجت من بوابة الفندق الرئيسية فوجئت بأحد رجال المخابرات العراقية ينادي عليَّ بصوت عال، ويخبرني بأن إقامة المدعوين محددة بالفندق، وممنوع الخروج بدون إذن كتابي، أو وجود مرافق حكومي!! كان شوقي لمعايشة أهل بغداد ورصد أحوالهم عن كثب قد أنساني نصيحة سمعتها من أحد الصحفيين الأجانب المقيمين في العراق منذ مدة طويلة، ومفادها أنني سأعيش في سجن كبير لمدة أسبوعين، وأن أنفاسي ستعد عليَّ، والويل كل الويل إن تحركت لوحدي، وتقابلت مع العراقيين، فقد تكون نهايتي أليمة، وأعود إلى بلادي محملًا في نعش خشبي كما عاد كثيرون بشهادة وفاة، تقول: إن المتوفى- رحمه الله- داهمته سيارة عامة ليلًا!! وإذا شعر المسؤولون العراقيون من حديثي بأنني معارض أو كاره لهم، فما عليّ إلا أن أنطق بكلمات وآيات التمجيد والثناء والعبقرية للقيادة العراقية!!
كنت قد لبيت دعوة السفر إلى بغداد للمشاركة في عمل إغاثي إنساني، ورصد مأساة الشعب العراقي، ولم يكن من بين أهداف رحلتي تأليه أو تمجيد القيادة العراقية والإشادة بفتوحاتها وإنجازاتها.
في صباح أعمال الندوة الأولى فوجئت بأنني أحد المتحدثين الرئيسيين.. وقبل أن تبدأ وقائع الندوة انزويت في أحد أركان صالة الاجتماعات والمؤتمرات بالفندق لأرتب أفكاري تمهيدًا لإلقاء كلمة موضوعية حول الغزو العراقي للكويت ونتائجه على أمتنا العربية والإسلامية، وبدأت الندوة وكان من الواضح أن المتحدثين والمدعوين من مفكرين وكتاب وصحفيين يساريين أو قوميين نفعيين، تركوا موضوع الندوة، ودخلوا في مباراة نفاق كبيرة أمام حامد يوسف حمادي وزير الثقافة والإعلام العراقي.. وكلما كانت مباراة النفاق تشتعل حول إنجازات صدام، كان الوزير يصفق ويبتسم، وبعد ذلك بساعات وخلال دعوة الوزير لنا لعشاء خاص علمت أن تصفيقه وابتسامته كانت إعلانًا بموافقته على طبع كتبهم- أي المتحدثين- وتزويدهم بالأموال الطائلة لمواجهة ما أسماه الوزير «التسميم الإعلامي العربي»!!
تحدث في الندوة عشرات من المرتزقة- عفوًا المفكرين- منهم د. عودة بطرس عودة، ومطاع صفوي وآخرون، ولم يكن حديثهم إلا كفرًا ونفاقًا، قالوا إن الهلال الخصيب لم ينجب في تاريخه خيرًا من صدام، وأن صدام زعيم فذ اختارته العناية الإلهية ليبني الإمبراطورية العربية، ويرسي فيها مبادئ العدل والحق والديمقراطية، وبمجرد أن ينطق أحد المتحدثين باسم صدام إلا وترج القاعة بالتصفيق لمدة لا تقل عن 3 دقائق! بعد 3 ساعات من النفاق قررت ألا أتحدث، وألا أنضم إلى جوقة المنافقين حتى أعود سالمًا إلى بلادي!!
وللرسالة بقية في العدد القادم.