; صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودورهما في إفقار الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودورهما في إفقار الشعوب

الكاتب جمال الطاهر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1169

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

أكثر من خمسين عامًا مرت على تأسيس كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي خلال ندوة بريتون وودس التي دعت لها كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك للنظر في أوضاع الاقتصاد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتخطيط لقيام نظام اقتصادي دولي أكثر عدالة وأثبت استقرارا.

ومنذ تأسيسهما في شهر يونيو ١٩٤٤م، تدير هاتان المؤسستان دفة الاقتصاد العالمي ومنه خاصة ديون ما يسمى بالعالم الثالث، وذلك ضمن دائرة واسعة جدًا من السلطات والصلاحيات التقريرية في تحديد السياسات الاقتصادية المطلوب هيمنتها في العالم والمفروض من طرف البلدان الفقيرة أو المفقرة.

 وبعد تجربة نصف قرن من عمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تقف العديد من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال التنمية والتعاون الدولي، وكذلك العديد من المنظمات الأخرى النقابية وغيرها، لترفع بصوت عال ولكنه لا يكاد يسمع صيحات فزع من مردود هاتين المؤسستين الذي لم ينتج طوال هذه المدة سوى المزيد من التفقير والانهيار الاقتصادي والبيئي والإنساني بشكل عام، وتطالب هذه الأصوات بإعادة النظر في مثل هذه المؤسسات في اتجاه إعادة تشكيلها بما يجعلها مفيدة ومساعدة للدول الضعيفة وليس مستغلة لها.

وتفيد وثائق البنك الدولي، أن هذه المؤسسة تحقق منذ سنة ١٩٤٧م أرباحًا طائلة متأتية في عمومها من خدمة الديون والقروض التي تمنحها للدول الفقيرة، ففي ما بين سنوات ۱۹۸۰م و ۱۹۹۲م تجاوز العائد الصافي للبنك الدولي 172% من رأسماله، أي ما قيمته 1.6 مليار دولار، وتقدر المرابيح والعائدات المجمعة للبنك الدولي لوحده ١٤ مليار دولار، وتمثل إفريقيا، أكثر القارات فقرًا في العالم، واحدًا من أهم عملاء البنك الدولي؛ حيث تخرج من مختلف دوله في كل سنة ٢٠ مليار دولار لسداد الديون وخدماتها التي عليها تجاه البنك الدولي، وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن هاتين المؤسستين تحصلان حاليًا على 45% من الفائدة عن جملة ديونها للبلدان الإفريقية التي تبلغ ٢٩٩ مليار دولار، سنحاول في هذه الدراسة أن نتناول مفهوم وإشكالية الديّن الخارجي لدول ما يسمى بالعالم الثالث ودور المؤسسات المالية الدولية في إشاعة الفقر وتهديد المجتمعات الإنسانية فقيرها وغنيها على السواء.

مفهوم المساعدة أو الديّن:

لا يزال بعض الناس يظنون أن المساعدات الدولية من طرف الدول الغنية ما هي إلا شكل من أشكال التضامن والكرم الدولي المنزّه، في حين أن قرائن عديدة من التاريخ والواقع تكشف الدور الحقيقي لهذه المساعدات كسلاح فعال للسياسة الخارجية للدول المانحة.. فقد سبق أن صرّح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الراحل جون كينيدي قبل ثلاثين عامًا بأن المساعدات الخارجية هي أسلوب تحافظ من خلاله الولايات المتحدة على وضع وإحكام نفوذها وسيطرتها على العالم تقيم بها شأن دول وأنظمة كانت على أبواب الانهيار أو الدخول في فلك الاشتراكية، واعترف أحد الاقتصاديين في وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (AID) «شينيري» بأن المساعدات الاقتصادية هي إحدى أدوات السياسة الخارجية التي تستخدم لمنع الظروف السياسية والاقتصادية من التدهور في الدول التي يكون في الحفاظ على حكوماتها القائمة فيها قيمة ومصلحة لنا»(2). بهذا وغيره من القرائن تتضح حقيقة هذه القروض باعتبارها نوعًا من الدعم يسند لمشاكلها الهيكلية، ومن ثم إعطائها نفس المصاعب الاقتصادية الخطيرة التي تواجهها، من جهة، كما أن هذه المساعدات تسهم في إيجاد فئة حليفة للقوى المانحة تتماشى من التدفق المستمر للمساعدات والاستثمار الخاص الأجنبي، من جهة أخرى.

أما عن مصارفها، عادة ما تعتمد هذه القروض لتمويل مشاريع استهلاكية وغير إنتاجية من شأنها تطوير البنية الاقتصادية والإنتاجية للدول المستدينة، كما تستخدم للقيام بإصلاحات شكلية وإنتاج سلع تجارية مُعدة للتصدير نحو الدول المانحة بالثمن والشروط التي تحددها هذه الأخيرة، وعادة ما تتعدد وتتنوع هذه الشروط ولا يوافق على القرض إلا بعد دراسة الوضع السياسي الداخلي والخارجي ودرجة الانفتاح على الاستثمار الخاص الأجنبي، وعلى سجل التسديد والسياسة التصديرية.

أسباب الدخول في دوامة الديون:

أما عن أسباب دخول الدول النامية في دوامة الديون فيمكن إجمالها في النقاط التالية:

1- إن السياسة الإنمائية المتّبعة في البلدان النامية هي سياسة منسجمة مع مصالح الدول الصناعية التي تعمل على تعميم أنموذج المجتمع الاستهلاكي في كل الدول

والمجتمعات.

2- إن مؤسسات التمويل المحلية تعتبر حلقة في سلسلة التبعية، ذلك أن الدول النامية لا تسيطر على مقدراتها المالية المحلية إلا سيطرة سطحية، حيث تقوم وبتشجيع من المؤسسات المالية الأجنبية باستخدام أموالها في تنفيذ المشاريع التي تربط الاقتصاد المحلي بالشبكات التجارية الخارجية.

3- جمود البنية الإدارية وانعدام فاعليتها، مما يدفع أجهزة «التخطيط» والسُلطات الحكومية إلى طلب تدخل المؤسسات المالية الخارجية لتأمين حد أدنى من الاستمرارية في تنفيذ المشاريع.

4- تدني الإنتاج الزراعي الغذائي وتزايد عملية التمدين العشوائي، وهما عاملان رئيسيان يعمقان من التبعية من خلال استيراد المواد الغذائية لتغطية متطلبات السوق المحلية وكذا استيراد التكنولوجيا الزراعية الخارجية من ناحية التجهيزات والأساليب الإنتاجية معًا.

من التداين إلى التكييف:

ومع زيادة ثقل حجم الديون وفوائدها أعلنت ٢٢ دولة نامية في بداية سنة ١٩٨٠م عجزها التام عن أداء ديونها وفوائدها، وطالبت الدول والمؤسسات المانحة بإعفائها من هذه الديون أو تخفيفها أو على الأقل إعادة جدولتها، وانطلاقا من حرص الجهات المانحة على استرجاع أموالها وفوائدها من جهة، وتواصل حاجة الدول النامية للديّن الخارجي من جهة ثانية، أحدثت المؤسسات المالية الدولية في بداية سنة ١٩٨٠م برامج جديدة سُميت ببرامج الإصلاح الهيكلي والتكييف الاقتصادي عملت على فرضها على كل الدول النامية، وتهدف هذه البرامج أساسًا إلى دفع البلدان المستدينة إلى تسديد الديون المتخلدة بذمتها من خلال مباشرة نوعًا من الرقابة أكثر صرامة على اقتصاديات هذه البلدان، كما أصبحت القروض تُمنح ضمن شروط تفرض على البلد المستدين القيام بإصلاحات اقتصادية تدور أساسًا حول:

• خفض النفقات الحكومية وخاصة في القطاعات الاجتماعية.

• السيطرة على الأجور التي عادة ما تعني خفض الأجور.

• فتح السوق المحلية على السوق العالمية.

• تشجيع الاستثمار الأجنبي.

• التراجع المستمر للعملة الوطنية لتشجيع المنافسة في الصادرات.

• الانفتاح على السوق العالمية وتحرير القطاع العام.

وتقبل حكومات ما يسمى بالعالم الثالث العمل بهذه البرامج لسبب بسيط هو أنه ليس أمامها خيار آخر، فلتأمين الدعم المالي المتواصل، تعمد هذه البلدان المكبلة ابتداء بالديون إلى المزيد من التداين والقبول بكل شروط الجهة الدائنة، وقد ارتفع عدد الدول التي انحنت منذ سنة ١٩٨٠م أمام برامج وخطط التكييف الهيكلي الاقتصادي إلى أكثر من ٧٠ دولة، كما بلغ عدد هذه البرامج المعتمدة ٥٦٦ برنامجًا أو خطة، وبدل أن تسهم هذه المؤسسات في دعم استقرار الاقتصاد العالمي والاقتصاديات المحلية، فإن هذه المؤسسات تبدو المسئولة الأولى عن الركود وعدم التوازن اللذين يؤثران على الاقتصاد العالمي منذ مدة.

البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يحصلان على فوائد من الدول الفقيرة مقدارها 45% من قيمة الديون

 الفقراء أول من يدفع الضريبة:

لبيان هذه الحقيقة يمكن أن نسوق أمثلة لبلدان من إفريقيا ومن أمريكا الجنوبية باعتبار أن بلدان هاتين المنطقتين من العالم في أكثر البلدان عملًا بتوصيات وسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ففي «مالي» مثلًا، وبعد 12 سنة من الإصلاح الهيكلي وخفض قيمة العملة، نجد أن تكلفة الحياة في هذا البلد قد زادت بنسبة 117%، أما في المكسيك، وبعد ١٣ سنة من التكييف والإصلاح الهيكلي نجد أن 20% من القوى العاملة يعيشون البطالة، وأن 40% يعملون أعمالًا أقل من مستواهم، وأن أكثر من ٥٠٪ من السكان يعيشون تحت سقف الفقر، أما في ساحل العاج، فقد تراجع دخل المواطن بنسبة 50% منذ سنة ١٩٨٠م، أما البرازيل التي تعتبر القوة الاقتصادية الثامنة في العالم والبلد الأولى المصدر في العالم للكثير من المواد الخام والمصنّعة فإنه لم ينج من نار الديون وخدماتها، ويعتبر 1.5 من سكانه ١١٤ مليون نَسَمة أي ما يعادل ٢٣ مليون ساكن فقراء لا يقدرون على تلبية حاجياتهم الأساسية الدنيا من أكل ولباس فضلًا عن النقل والسكن والتعليم والصحة، وتبلغ حجم الديون الخارجية للبرازيل لوحده ١٥٠ مليار دولار نتيجة عوامل عديدة منها: التبذير الكبير للأموال وسوء التصرف والتخطيط، حيث توجد مشاريع ضخمة غير منتجة أصلًا منذ سنوات عديدة، من جهة، وتقوم على تكنولوجيا مستوردة، من جهة أخرى، كان من نتائجها تقليص اليد العاملة في بلد يزخر باليد العاملة، وتذهب الأرباح المسجلة في بعض المشاريع لدفع الديون الخارجية وفوائدها؛ بحيث لا يبقى مجال للاستثمار الذي هو عمود النمو الاقتصادي، أما في إفريقيا فإن كل مولود جديد يجد نفسه مدانًا سلفًا بمبالغ مالية لا يستطيع سدادها حتى ولو أمضى كامل عمره يعمل من أجل ذلك، وهو ما يجعل ثقل حجم الديون نوعًا جديدًا من الاستعباد أكثر تدميرًا من الاستعمار المباشر وحسب إينيساف يموت في كل سنة أكثر من ٥٠٠ ألف طفل بسبب أزمة الديون الخارجية التي تعاني منها دولهم.

ولسداد خدمة ديونها، تدفع حكومات الدول المستدينة بشكل عام إلى اتخاذ جملة من الإجراءات تفرض عليها محورة نشاطها الاقتصادي حول الإنتاج الموجه إلى التصدير بحثًا عن بعض العائدات من الدولار الذي يجب أن تدفع به وحده الديون وخدماتها، وقد كان من نتائج هذا المسار أن دفعت الدول المدينة للجهات الدائنة، وخاصة منها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما بين سنوات ١٩٨٤م و ۱۹۹۰ م ما قيمته ۱۷۸ مليار دولار دون أن يعني هذا أن اقتصاديات هذه البلدان قد تعافت بل إن الفقر قد زاد انتشاره فيها، فقد زاد منذ بداية تنفيذ برامج التكييف الهيكلي في سنة ١٩٨٠م عدد الفقراء في أمريكا اللاتينية من ۱۳۰ مليون إلى ۱۸۰ مليون في بداية التسعينيات، كما كان من نتائج هذه البرامج القضاء على التطور الحاصل في هذه البلدان خلال السنوات ٦٠ و ٧٠، كما أن الفوارق قد زادت استفحالا 20% من الأغنياء في القارة الأمريكية مثلًا يبلغ دخل الواحد منهم ۲۰ ضعفًا دخل 20% من الفقراء، في إفريقيا، ٢٠٠ مليون نَسَمة يعيشون تحت سقف الفقر من ضمن ٦٩٠ مليون إجمالي سكان هذه القارة، وتفيد الدراسات التقديرية في البنك الدولي أن عدد الفقراء سيرتفع بنسبة 50%؛ بحيث سيصل إلى ٣٠٠ مليون نسمة في حدود سنة ٢٠٠٠م، أما عن تأثيرات برامج التكييف الهيكلي عن البيئة والمحيط فإنها هي الأخرى تبدو جلية نتيجة زيادة استغلال الموارد الطبيعية لتلبية حاجيات التصدير، ففي غانا مثلًا، وهو بلد طيّع جدًا لأوامر البنك الدولي ففي الوقت الذي لم تعد تغطي فيه الغابات سوى ٢٥ من المساحة الإجمالية لهذا البلد، نجد أن إنتاج الأخشاب قد تضاعف ما بين سنوات ١٩٨٤ و ۱۹۸۷، ومع هذه الزيادة الكبيرة في الإنتاج التي قد تصبح معها غانا أول منتج للأخشاب في العالم، تشير العديد من الدراسات إلى احتمال القضاء على كل أنواع الأشجار في هذا البلد الإفريقي في حدود سنة ٢٠٠٠م.

ولا يقتصر الأمر على الفقراء في الدول النامية، بل إننا نجد أن متوسطي الدخل وضعاف الحال في الدول الغنية يواجهون المصير نفسه وهو الفقر المتزايد والإقصاء الاجتماعي، ففي أمريكا الشمالية التي تعتبر أغنى منطقة في العالم توجد أعلى نسبة من الفقر ضمن البلدان المتقدمة، ففي كندا مثلًا، نجد أن نسبة الفقر التي انخفضت إلى أواخر السبعينيات واستقرت خلال الثمانينيات، قد بدأت ترتفع منذ بداية التسعينيات فخلال العشرين سنة الأخيرة تراجعت هذه النسبة من 35% في سنة ١٩٥٠ إلى 15% في سنة ١٩٨٠م لتعود للارتفاع من جديد خلال فترة الركود الاقتصادي التي عرفتها كندا مع بداية الثمانينيات، ففي ۱۹۸۲ وعندما كانت نسبة الفقر في العديد من الدول الأوروبية أقل من 9% نجد أنها كانت في كندا 12,3% أما في مقاطعة كيباك، فإن هذه النسبة تبدو مرتفعة أكثر لتصل إلى 15,4%، وقد عرفت كيباك حسب إحصائيات سنة ١٩٩٠م ارتفاعا في نسبة الفقر إلى 18% مقابل 14,6% في كامل كندا، وتشير إحصائيات جديدة صادرة عن «إحصائيات كندا» إلى الخلل الكبير في توزيع الثروة وزيادة عدد الفقراء وتراجع سقف الفقر، فعن ۱۰۰ كندي يعملون منذ سِن ٢٥ إلى ٦٥ سنة نجد أن:

• 1% فقط يصبحون من الأغنياء

• 4% فقط لديهم كفايتهم من خلال ما يتلقونه من المعاش

• 5% لا يزالون يعملون لتأمين عيشهم

• 36% انسحبوا نتيجة الموت أو أي عامل آخر

• 45% يعيشون الفقر ويتلقون الإعانة من الحكومة أو من بعض المؤسسات

الخيرية

انطلاقا من هذه الإحصائيات نلاحظ أن ظاهرة الفقر بدأت تمس الآن متوسطي الحال أيضًا، ولم تعد مقصورة على ضعاف الحال الذين قد لا يكون لهم دخل ثابت من عمل ثابت فقد مر معدل الفقر في كندا من 7% خلال السبعينيات إلى 9% خلال الثمانينيات إلى 10% خلال التسعينيات، أما في مقاطعة كيباك فإنه يبلغ حاليًا 12%.

وتشير بعض التقارير الصادرة حتى عن البنك والصندوق الدوليين إلى أن معدل النمو قد انخفض بشكل ملحوظ في البلدان التي تعمل ببرامج الإصلاح الهيكلي، في حين أن البلدان الأخرى التي لم تعمل إلى الآن بهذه البرامج قد حافظت على نسبة نمو معقولة(3)، وقد مرت الديون الإجمالية للبلدان السائرة في طريق النمو من ٦٥٨ مليار دولار في سنة ۱۹۸۰م إلى ما يقارب ۱۷۷۰ مليار دولار خلال سنة ١٩٩٣م(4).

المؤسسات المالية الدولية وضرورات إعادة التشكيل:

تقوم هذه الدعوة بضرورة إعادة تشكيل النظام المالي والاقتصادي الدولي ومؤسساتهما على مرتكزين اثنين:

يتعلق الأول بطبيعة عمل هذا النظام ومؤسساته من حيث سُلطة القرار وتوزيع الأدوار والصلاحيات، وقد يكون من المفيد جدًا الإشارة إلى أن الهياكل الداخلية للمؤسسات الدولية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وروافدهما لم تخضع في يوم من الأيام إلى أي نوع من الرقابة أو المراجعة الخارجية، وهو ما يجعلها مؤسسات غير ديمقراطية، ففيما يتعلق بقاعدة التصويت داخل مؤسسات البنك مثلًا، فإنها لا تعمل بقاعدة أن كل بلد يمثل صوتًا، وإنما تعتبر في تحديد الصوت حجم استثمارات أي بلد من البلدان الأعضاء في البنك الدولي، فبقدر ما يكون حجم الاستثمارات عاليًا بقدر ما يكون حجم أصوات هذا البلد أو ذاك أكبر عند التصويت، وتؤمِّن هذه القاعدة لبلدان مجموعة G7 التحكم في القرار من خلال استئثارها بأعلى نسبة من الأصوات، وتتحدث هاتان المؤسستان عن إمكانية انفتاحهما في المستقبل في حين أن المطلوب هو أكثر من ذلك بكثير، المطلوب هو إعادة تشكيلهما من خلال إعادة النظر في النظامين المالي والنقدي العالميين، لا بد أيضًا من وضع حد لسياسة «سري للغاية» من خلال تمكين ما يسمى بشعوب العالم الثالث من الاطلاع على كل الوثائق الموجودة، وقد يضاف إلى هذا الدعوة إلى ندوة دولية جديدة حول الديون والنظام المالي الدولي، وذلك بهدف إيجاد نظام نقدي بديل قادر على تأمين الاستقرار الدولي من خلال مشاركة أكثر ديمقراطية لدول الجنوب المفقرة.

أما عن المرتكز الثاني فإنه يتعلق بالنتائج الكارثية لعمل هذا النظام وسياساته وبرامجه وخاصة منها برامج التكييف الهيكلي التي لم تزد العالم إلا تفقيرًا وتبعية وحروبًا، فكثيرًا ما يتوجب على هذه البلدان المرور قسرًا وبكل عنف من مرحلة الإنتاج للاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج للتصدير، وهو ما يعني ضرورة الزيادة في إنتاج بعض المواد مثل: البلاستيك والقطن والقهوة والجلود.. التي يتجه سعرها في السوق العالمية منذ مدة نحو النزول، الشيء الذي يضطر هذه البلدان للزيادة أكثر في الإنتاج في محاولة للزيادة في حجم دخلها من العملة الصعبة، إلا أن الحاصل في الأخير أن هذه البلدان تجد أن دخلها من هذه السلع قد تراجع وانخفض أكثر لأسباب عديدة لا تتحكم فيها هذه الدول.

ومن التوصيات المحورية «الإلزامية» في برامج التكييف الهيكلي رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الأساسية وعن الفلاحة وموادها، الشيء الذي تكون من نتائجه الطبيعية ارتفاع الأسعار المحلية وتراجع المقدرة الشرائية، وبالتالي إثقال كاهل المواطنين وخاصة منهم ضعاف الحال.

تقدم الولايات المتحدة المساعدات الخارجية لإحكام نفوذها وسيطرتها على دول كانت على أبواب الانهيار.

الأُفق:

لقد حقق الغرب مطمحه في الهيمنة على المجتمع الدولي؛ حيث أصبحت دول العالم النامي أطوع لضغوط الدول الكبرى وأكثر استجابة لمؤثراتها وخاصة منها دول إفريقيا وجنوب آسيا التي ينتمي غالبها للعالم الإسلامي، فلقد أدت الأوضاع الاقتصادية المتأزمة لهذه الدول واعتمادها المتزايد على المساعدات الاقتصادية الغربية إلى خضوع حكومات هذه الدول إلى البرامج والسياسات المقررة والمفروضة من طرف المؤسسات المالية الشيء الذي حرمها بصفة تكاد تكون كلية في بعض الحالات من المحافظة على استقلاليتها السياسية والثقافية والاجتماعية.

على الرغم من هذا النجاح الغربي في الهيمنة على جزء كبير من الاقتصاد العالمي، فإن الوجه الآخر للحقيقة هو أن قدرة الغرب في السيطرة على السياسة الداخلية للبلدان النامية قد بدأت تتراجع نتيجة عوامل عديدة منها أن حكومات هذه البلدان أصبحت تجد نفسها غير قادرة على إدارة شئون مجتمعات تزداد أوضاعها المعيشية والحياتية تعقيدًا يومًا بعد يوم، من جهة، وتتطور فيها حركات الاحتجاج والمطالبة بالتغيير والإصلاح الثقافي والسياسي، من جهة أخرى، يضاف إلى كل هذه الصعوبات الداخلية من واقع البلدان النامية تراجع قدرة الدول الغربية ذاتها بما في ذلك الولايات المتحدة على توفير المساعدات اللازمة لدعم أنظمة تفتقد الشرعية السياسية، كما تفتقد التأييد الشعبي وتنفق جزءًا كبيرًا من ميزانياتها «المساعدات» على الأجهزة الأمنية، فلقد بلغ العجز في ميزان مدفوعات الحكومات الاتحادية الأمريكية رقمًا خياليًا(5)، مما أدى إلى زيادة الضغوط الشعبية على الساسة الأمريكيين لتقليص حجم إنفاقهم الخارجي، إضافة إلى أن الغرب لم يعد يحتكر لوحده التقنية الحديثة «التكنولوجيا» والثروة النقدية بعد انتقال التقنية المتطورة ورؤوس الأموال الضخمة إلى مناطق أخرى من العالم لعل أبرزها دول شرق وجنوب آسيا(6)، إن كل هذه العوامل الذاتية والموضوعية تزيد في تراجع القدرات الإنفاقية لحكومات الدول النامية التي تجد نفسها مدفوعة إلى عرض بلدانها واقتصادياتها وشعوبها على البيع بالمزاد العلني في سوق يتحرك فيها الرأسمال اليهودي بحرية تامة وضمن قدرات هائلة يمكن أن تتيح له لعب دور رئيسي في تشكيل الأوضاع الداخلية لهذه البلدان ومن ضمنها أغلب دول العالم الإسلامي وتحديد وجهة التغيرات المحلية لهذه المجتمعات التي لم يبق لها من خيار سوى التضامن فيما بينها لفرض مراجعة النظام المالي الدولي ومؤسساته.

الرابط المختصر :