; المجتمع التربوي (عدد 1232) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (عدد 1232)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1996

مشاهدات 78

نشر في العدد 1232

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 31-ديسمبر-1996

▪ وقفة تربوية.. القيادة والجندية في سورة الكهف (٢ من ٢)

▪ الجرأة عند الداعية تنبئ عن قوة في القلب وعزيمة في النفس وصدق في المواقف وشموخ بالمنهج الذي يسير عليه

إعداد: عبد الحميد البلالي

تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض صور القيادة والجندية في بعض الآيات من سورة الكهف، ونكمل في هذا المقال بقية ما في الشق الثاني من الأمور وهي:

4- الطاعة فيما يطلب القائد منهم وإن كان شاقًا ما داموا قد وافقوا على الشرط الذي اشترطه عليهم «أتوني زبر الحديد»، «انفخوا».

5- إن مما يسهل العمل الشاق الذي يقومون به- بناء السد الحديدي النحاسي- ما يتذكرونه من آلام المشكلة ونتائجها التي سيكتوون بنارها لو لم يقوموا بما أمرهم به القائد.

6- إذا ما تم النجاح والوصول للأهداف الموضوعة «بناء السد» فلا ينسب الفضل لقوة ذي القرنين ولا لقوة وطاعة الجنود، ولا للتخطيط الدقيق، والذكاء الخارق، إنما ينسب أولًا لله تعالى وتوفيقه «هذا رحمة من ربي».

إنها أصول في غاية الأهمية للقائمين بالعمل الجماعي في مجال الدعوة إلى الله تعالى، ولا يتم الوصول للغايات بغيرها فلا بد من القيادة، ولا تنجح القيادة من غير جنود ولا بد للجنود من طاعة في غير ومعصية طبعًا، والطاعة تكون في المنشط والمكره، وتنفيذ الخطة لا يتم بالكسل والخمول، إنما يكون بالقوة، ولا بد من تذكر النتائج الخطيرة عند التقاعس عن دعوة الله تعـالى والتخلي عن طاعة القيادة لهوى في النفس ولا بد أخيرًا أن نتذكر أننا لا نوفق إلا بعون الله تعالى.

أبو خلاد

▪ الجرأة والحكمة في ممارسة الدعوة

بقلم: الدكتور على بادحدح

الجرأة في النفس قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن الداعية من الإيمان بالله الواحد الأحد الذي يعتقده، ومن الحق الذي يعتنقه، ومن الخلود السرمدي الذي يوقن به، ومن القدر الذي يستسلم إليه، ومن المسؤولية التي يشعر بها، ومن التربية الإسلامية التي نشأ عليها، وعلى قدر نصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يخذل، وبالقدر الذي لا يتحول، وبالمسؤولية التي لا تكل، وبالتربية التكوينية التي لا تمل، بقدر هذا كله يكون نصيبه من الجرأة والشجاعة، وإعلان كلمة الحق التي لا تخشى في الله لومة لائم، (صفات الداعية النفسية ص ۲۳)، والجرأة للداعية أمر مهم في ريادته وقيادته، وفي تأثيره ومنفعته، لأن الناس يتأثرون بالجريء المقدام، لأنهم في الملمات يحجمون وتتقدم بالداعية جراته في الحق مصحوبة بحكمته في التصرف فإذا هو المقدم الذي تشخص إليه الأبصار، وتتعلق به القلوب.

فالجرأة سمة للداعية تنبئ عن قوة في القلب، وعزيمة في النفس، وصدق في المواقف وشموخ بالمنهج، فعندما تنخلع القلوب هلعًا يبقى الداعية الجريء ساكن القلب رابط الجأش وعندما تخرس الألسنة خوفا تنطق الجرأة على لسانه فيجهر بالحق لئلا تنطمس معالمه، وعندما تحار العقول من هول المفاجآت أو صدمة الكوارث تعمل الجرأة عملها فإذا العقل حاضر والتفكير صادر ونحن في أعصر رق فيها الدين، وكثر التساهل في الأوامر والنواهي وترخص كثيرون في الرضا بالمنكرات، واستحيا آخرون من إظهار العمل بالصالحات، حتى غدا المنكر معروفًا والمعروف منكرًا في كثير من الأحوال، وتدور دورة الحياة بمشاغلها، وتبهر العقول بمفاتنها، وتخطف الأبصار ببهارجها- فتستقر الأوضاع الخاطئة، وتستمر المنكرات الظاهرة وما ذلك إلا لقلة أهل الجرأة والشجاعة الذين يتقدمون لرفع راية الحق فيلتف حولهم آخرون ويكونون بؤرة تجمع ترفض الذوبان- وتستعصي على التهجين، إن لهذه الجرأة والشجاعة زاد من اليقين به أن حق الله لا بد أن يسود، وأن هداه لا بد أن يعلو، وأن نهجه لا بد أن تتضح معالمه، وترسو دعائمه، وأن المنتسبين إليه ما ينبغي أن تخفت أصواتهم، ولا أن يغلبوا على وتعاليمهم (مع الله ص ۲۱۰).

▪ الجرأة مطلب جماعي:

والحق أن «الأمة جمعاء مكلفة أن تكون شجاعة في حماية الدين، ورد العادين على حدوده من المجان والكفار» (مع الله ص ۲۱۰)، وهذا هو وصف الصفوة المختارة لحمل الرسالة في كل عصر يتفلت فيه الناس من المسؤولية، ويتخلون عن التبعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ﴾ (المائدة: 54) ، وعلى هذا بايع النفر الأوائل من الأنصار في بيعة العقبة، كما قال عبادة بن الصامت بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم (أخرجه البخاري)، ولهذا كان أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وليست الجرأة تهورًا، كما أن الحكمة ليست جبنًا، والمزج بينهما هو المطلوب الذي ينبغي اتصاف الداعية به في معاملته للآخرين وفي المواقف العصيبة، وعدم وجود الجرأة والشجاعة يستلزم وجود ضدهما وهو الجبن والذلة اللذان لا يليقان بالداعية بحال لأنه «إذا لم يكن الداعية المسلم شجاعًا مطيقًا لأعباء الرسالة، سريعًا إلى تلبية ندائها، جريئا على المبطلين، مغوارًا في ساحاتهم فخير له أن ينسحب من هذا المجال، وألا يفضح الإسلام بتكلف ما لا يحسن من شؤونه» (مع الله ص ۲۱۱).

والجرأة تنبعث من خلقين عظيمين أولهما: امتلاك الإنسان لنفسه وانطلاقه من قيود الرهبة والرغبة وارتضاؤه لونًا من الحياة بعيدًا عن ذل الطمع، وشهوة التنعم.

وثانيهما: إيثار ما عند الله والاعتزاز بالعمل به وترجيح جنابه على جبروت الجبارين، وعلى عطيات المغدقين (مع الله ص ٢١٥).

▪ أمثلة نبوية:

ولقد كان الرسول القائد- صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، استقبلهم النبي- صلى الله عليه وسلم- قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: «لم تراعو لم تراعو»، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف (رواه البخاري)، وفي غير المعارك كانت الجرأة في الحق سمة بارزة في حياته- صلى الله عليه وسلم-، بل كانت حياته درسًا عمليًا في تلقين الجرأة لتأخذ مسارها متجاوزة حواجز الحياء المجاملة، كما تجاوزت حواجز الخوف والجبن. فها هي عائشة تقص علينا خبر المرأة المخزومية - التي سرقت في غزوة الفتح فأهم قريشًا أمرها فقالوا: من يكلم فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا:- ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فلما كلمه تلون وجهه عليه الصلاة السلام وقال: «أتشفع في حد من حدود الله» عرف أسامة الغضب في وجهه، وأدرك خطأ فعله فقال: استغفر لي يا رسول الله، ثم قام فخطب في الناس فكان مما قال «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني الذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.

▪ أمثلة أخرى:

وأرى من المناسب أن نمضي في جولة نقف خلالها على مواقف جرأة وقعت من بعض أعيان الأمة وعلمائها ودعاتها، لنرى آثار تلك المواقف من منافعها، وأهميتها في نجاح الداعية المقدام الجري، وهذه أمثلة من عصور مختلفة وفي ظروف متباينة:

جاء أشراف بني أمية إلى عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة رجاء أن ينالوا منه الحظوة، ويحصلوا على الولايات والأعطيات فقال: أتحبون أن أولى كل رجل منكم جندًا من هذه الأجناد، فقال له رجل منهم: لم تعرض علينا ولا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني أعلم أنه يصير إلى بلى، وأني أكره أن تدنسوه على أرجلكم فكيف أوليكم ديني؟ وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم هيهات هيهات، فقالوا: لم؟ أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي ي هذا الأمر إلا سواء، إلا رجلًا حبسته عني طول الشقة.

الإمام عبد العزيز بن يحيى الكتاني المكي الذي عايش فتنة خلق القرآن وسمع بانتشارها ورواجها في بغداد فعز عليه ذلك، فقدم على بغداد فهاله أن ما رأى من أثر هذه البدعة أعظم مما سمع، فجعل يفكر في عمل يعلن من خلاله عن الحق الذي خفت صوته، وخاف الناس من إظهار اعتناقه، قال: فأجمعت نفسي على إظهار نفسي وإشهار قولي ومذهبي على رؤوس الأشهاد، والقول بمخالفة أهل الكفر والضلال والرد عليهم، وذكر كفرهم وضلالتهم، وأن يكون ذلك في المسجد الجامع في يوم الجمعة، لأني رأيت- إن فعلت ذلك- أنهم لا يعجلون على بقتل ولا عقوبة بعد إشهار نفسي والنداء بالمخالفة على رؤوس الخلائق إلا بعد مناظرتي وسماع قولي، وهذا هو مطلبي، وصلى يوم الجمعة في الصف الأول أمام المنبر فلما سلم الإمام، نهض قائمًا على رجليه ليراه الناس ويسمعوا كلامه ونادي بأعلى صوته مخاطبًا ابنه الذي اتفق معه أن يقف أمامه بين الصفوف، فقال: يا بني ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله منزل غير مخلوق، فلما سمع الناس ذلك ولوا هاربين ومن المسجد خارجين خوفًا وجبنًا، ولم يلبث أعوان السلطان أن أمسكوا به، ولما مثل بين يدي كبير من كبرائهم فعنفه فسأله عن سبب صنيعه وجهره بقوله مع علمه بمخالفته لأمير المؤمنين قال ما أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه، وتم له ما أراد فناظر بشرًا المريسي بين يدي المأمون وعلاه بالحجة، فسر المسلمون بذلك وجعل الناس يجيئونه أفواجًا يهنئونه ويسألونه عن المناظرة.

قام مصطفی کمال أتاتورك بأعظم جريمة ضد العالم الإسلامي، عندما أصدر في ١٥ فبراير عام ١٩٢٤م ثلاث قرارات هي:

1- إلغاء الخلافة الإسلامية.

2- إلغاء وزارة الأوقاف والأمور الشرعية.

3- توحيد التعليم.

وقرر في الواقع العلمي المنهج العلماني في فصل الدين عن الدولة، ونادى بأن تركيا جزء من العالم الغربي، ومضى يغير كل شيء له صلة بالإسلام في تركيا، حتى أصدر في عام ١٩٢٥م قانون الملابس الذي ينص على إبدال القبعة بالطربوش، ويقرر عقوبة على من يلبس الطربوش الذي كان اللبس الشائع بين المسلمين ويلزم بلبس القبعة تأسيا بالغربيين وتشبهًا بهم وتعظيمًا لهم، وهنا برزت نماذج عديدة من جرأة العلماء العاملين والدعاة المصلحين، ومن بينهم الشيخ عاطف أفندي الإسكيليبي الذي تصدى لهذه الهجمة التغريبية الكفرية، حتى ذكر في كتبه أن بيعة المسلمين للخليفة أمر واجب وهو ثابت بالعقل والشرع، ثم دلل على ذلك وقرر أن وجوب تعيين الخليفة بإجماع الأمة بطريق الأدلة الشرعية، ثم كتب رسالة عن المرأة المسلمة وحجابها بعنوان «التستر الشرعي»، وذلك في مواجهة التهتك العلماني الغربي، ثم ألف رسالته الشهيرة «تقليد الفرنجة والقبعة» نعى فيها المقلدين للغرب تقليدًا أعمى، والمتشبهين بالكفار وحكمهم، وذكر القبعة مثالًا على ذلك، وكان لهذه المواقف والرسائل أثرها الكبير في نفوس المسلمين ومواقفهم وصداها الواسع في منتدياتهم ومجالسهم، مما حدا بأتاتورك وزمرته أن يقبضوا على الشيخ عاطف، وقدم بعد ذلك للمحاكمة بخصوص رسالة القبعة في ٢٦ يناير ١٩٢٦م، وصدر بحقه حكم الإعدام ونفذ فيه رحمه الله وتقبله في الشهداء.

وهكذا فنحن نرى لمواقف الجرأة أثرًا عظيمًا في المجتمعات، وخاصة في الأزمات، والملمات وما لم يكن الداعية هو المتقدم الباذل فمن يكون؟ كلا.. ليس لها إلا أنت أيها الداعية فما أجدى أن يكون الداعية «صلب العود عظيم المراس»، لا يميل مع كل ريح، ولا يضعف أو يلين أمام أي قوة، ولا ينحني مع أي خلة، ولا يندهش أمام أي مفاجأة، أو يحزن عند أي مصيبة لتوجهه إلى الله بكليته، واعتماده عليه في كل نائبة واحتسابه العوض منه عن كل شيء، فحبيبه الأوحد هو الله، وهو ذخيرته وملجؤه وهو هدفه وغايته، وبذلك تكون شجاعته كاملة وبطولته خالدة وأخلاقه فاضلة، وصبره معينًا لا ينفد» (العثمانيون في الحضارة والتاريخ ص ۲۲۱).

▪ الإدارة.. بين الدعوة الإسلامية والحياة العامة (2 من 2)

▪ اختلاط الإدارة بالأمراض الضاربة في واقع المسلمين

▪ الإدارة الإيمانية لا تتحقق بالشعارات وحدها لكنها تتحقق في مدرسة النبوة الخاتمة

بقلم: الدكتور عدنان على رضا النحوي

اختلطت الإدارة بكثير من أمراض واقع المسلمين، فلم يعد العهد مع الله ولا الولاء الأول لله، ولا ما يتبع ذلك من خشية لله، لم يعد هذا كله يوفر الرقيب الذاتي الداخلي، ولم يعد الإيمان بكامل خصائصه الربانية ولا العلم بمنهاج الله يحكم الإدارة وسيرها، لقد غاب معنى العهد مع الله عن وعي المسلم، حتى كأن القرون طوته، فغاب في مجاهل النسيان، وغاب عن النهج والتخطيط والتربية والبناء، وغاب عن ميدان الممارسة في واقع الحياة.

وكان من أخطر آثار الغزو الفكري الغربي أن تلقى كثير من المسلمين أفكار الغرب ونظرياته بالاستسلام والقبول مع غياب معاني العهد والولاء وغيرهما من الخصائص الإيمانية، وكان من أخطر نتائج هذا الاستسلام الانفصال الكامل في الوعي في حياة الإنسان بين الفكر والممارسة في الواقع، وبين التصور للدار الآخرة، فانفصلت الدار الآخرة عن الوعي والشعور، ومن ثم عن الممارسة، حتى حين يحمل الفكر والممارسة شعار الإسلام أحيانا، لقد أصبح الفكر ماديًا في حقيقته وانعكاساته وممارساته، مرتبطًا بوقائع الحياة الدنيا وحدها، ثم تبعته الممارسة في معظم ميادينها، وفي ميدان الإدارة بخاصة، وأخذ شعار الآخرة ينحصر شيئًا فشيئًا في المساجد، والمحاضرات والندوات أحيانا، والمؤتمرات أحيانًا أخرى، وفي الكتب أو بعضها إلا من رحم الله.

لو تدبرنا كتاب الله وسنة نبيه r فلا نجد قضية من قضايا الدين إلا وهي مرتبطة بالدار الآخرة برضوان الله بالجنة بالإيمان والتوحيد، سواء أكانت القضية قصة أم خلقًا، أم تشريعًا أم سياسة، أم اقتصادا، أم إدارة، أم غير ذلك، لينبغ الفكر كله لدى الإنسان، ولتنبع الممارسة كلها من الإيمان والتوحيد، ومنهاج الله، ووعي الواقع من خلال منهاج الله.

▪ الانفصال بين الدنيا والآخرة:

إن هذا الانفصال في واقع المسلمين بين شؤون الحياة الدنيا وبين الدار الآخرة، ولد اضطرابا خطيرًا في شخصية المسلم وصراعًا كبيرًا في داخله، سواء وعى المسلم الصراع أو لم يعه.

ربما تجد بعض المسلمين يؤدون الشعائر كلها، حتى إذا خرجوا إلى الحياة الدنيا وميادينها انكشف الانفصال الذي عرضناه، فإذا مارسوا التجارة انتهت قواعد الإيمان وأحكام القرآن إلا من رحم الله، وإذا مارس الأدب أصبح حداثيا غربيًا ماديًا، وقد يرفع شعار الإسلام، وإذا مارس الاقتصاد أصبح رأسماليًا أو اشتراكيًا، يُحل الربا، ويسوغ أفكار الشرق والغرب، وإذا مارس السياسة كان غادرًا مخادعًا لا يرعى إلًّا ولا ذمة، يسوغ الوسيلة مهما كانت غارقة في الفساد والإجرام، وإذا عمل في الإدارة حركته مصالحه وغلبته أهواؤه، ووجهته مخاوفه الدنيوية وعصبياتها الجاهلية، حتى كان خشية الله غابت عنه، أو خشية عذاب النار طُويت عنه.

إن بعض المسلمين لم يعد يري اليوم أن الحياة في جميع ميادينها نهجًا واحدًا ممتدًا مرتبطًا بالدار الآخرة ارتباط إيمان ويقين على قواعد المنهاج الرباني المتكامل، ومع بعض مظاهر ضعف الإيمان والجهل بمنهاج الله وضعف اللغة العربية زادت حدة الأمراض في واقع المسلمين وزادت شدة انعكاساتها على الإدارة، ثم على غيرها من الميادين.

عندما تنعكس الأمراض على الواقع يهدر الوقت، ويثور صراع داخلي في نفس المسلم، صراع خفي لا يظهر إلا بسوء الممارسة وسوء الإدارة، وقلة الإنتاج وضعفه، ونرى الاضطراب والتناقض حين يعمل هذا المسلم نفسه في شركة أجنبية مثلًا لها نظامها الإداري الحازم، فإنه ينضبط كل الانضباط وينهض باكرًا إلى عمله ليحترم وقت العمل ومدته وأداءه، تحكمه المصلحة والحزم، بعد أن انفصلت الدنيا عن الآخرة في شعوره ووعيه.

ونكتشف هذه الظاهرة أكثر ما نكتشفها في واقع الدعوة الإسلامية، فحين يراد أن يكون العمل لله، خاضعًا لأحكام الإيمان ومنهاج الله وحوافزهما تغذيها الحوافز الأخرى، فإنك قد تجد المسلم يتوانى في عمله، وقد يغلبه الاسترخاء ويجد الأعذار ليسوغ تفلُّته وضعف جهده وعطاءه في الدعوة.

▪ تذكرة للدعاة:

قد يغيب أحيانًا عن بال بعض الدعاة أنهم يحملون أعظم رسالة للناس، وأكبر أمانة في الحياة الدنيا، وينسون عظيم الأجر عند الله ويلهثون وراء الدنيا وأجرها وحده:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: 134) وكذلك: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 15-16).

▪ وكذلك:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (الشورى: 20).

حين يغيب هذا التصور عن واقع الممارسة. كيف يمكن أن تقوم الإدارة الإيمانية أو أي نشاط إيماني آخر، إنها حالة الانفصال التي عرضناها بين الدنيا والآخرة في الوعي والممارسة، وإنها تقود الإنسان إلى الفساد في الأرض، والله لا يحب المفسدين.

المسلم الداعية الصادق يظل في امتداد عمل منهجي، وخطة تطبيقية إدارة لها نظامها وقواعدها، مهما تبدل وضعه أو تغير مكان عمله، وحيثما نقل، وتصبح الراحة المطلوبة جزءًا من النظام لا فرصة للتفلت والإهمال الدعوة الإسلامية يجب أن تجعل من أبنائها أشد الناس حرصًا على الوقت والنظام والإدارة، حين يظل مرتبطًا بالدار الآخرة، يصل دنياه بآخرته، ولنتدبر قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77).

ولا يرفض الإسلام الاستفادة من التجربة الإنسانية في ميادين الحياة التطبيقية، سواء أكان ذلك في الإدارة أم غيرها، على أن تكون الاستفادة خاضعة للشروط التالية:

1- ألا نأخذ عن الحضارة المادية أي تصور للكون والحياة والموت لا أي فلسفة من فكر أو أدب يرتبط بذلك، فنحن المسلمين نحمل التصور الأوفى والتصور الحق عن هذا كله، ونحن المكلفون بأن ننقل هذا التصور الحق للناس كافة، للشعوب جميعها، ولتنطلق منه بعد ذلك تصوراتها كلها في مختلف ميادين الحياة، وفي الإدارة نفسها، وليصبح هذا التصور هو أساس التعاون بين الشعوب.

2- أن نأخذ تجاربهم وخبراتهم في ميادين العلوم التطبيقية والصناعة وما يرتبط بذلك، لنعيد صياغتها صياغة إيمانية جديدة، ولنعيد صياغة استخدامها وأهدافها ووسائلها، حتى يرتبط ذلك كله بالإيمان والتوحيد، وحتى «نأخذ من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين»، بدلًا من أن نأخذ الفرث والدم في تبعية ذليلة عمياء.

3- أن يكون أساس التعاون بين الشعوب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

فقد جعلت الآية الكريمة أساس التعاون على التقوى، ولتكون التقوى بكامل خصائصها أساس الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى وعلومهم، لتصبح هذه العلوم والصناعات مسخرة لخدمة الإنسان، لخدمة الناس كافة لخدمة البشرية، لا لتدميرها وسحقها، واستغلال الشعوب للشعوب، ونهب ثروات الأمم، كما هو الحال في حضارة عصرنا الحاضر.

▪ حضارة النهب والعدوان:

في مثل هذه الحضارة حضارة التدمير والاستغلال والعدوان والنهب، لتصبح الإدارة مسخرة لتأمين مصالح المجرمين في الأرض، وزيادة قهر الضعفاء، وإذلال المستضعفين، وزيادة نهب الشعوب وخيراتها لتصب كلها في جيوب المجرمين، ثم يمتد الفقر في الأرض والتخلف على سمع الحضارة المزعومة وعينها، وتحت شعارات حقوق الإنسان ورعاية الطفولة، ورعاية الأمومة، على يد مؤسسات دولية تدعى أن لديها النظام الإداري الراقي الذي يعرف كيف يدمر ويميت ويسحق، وحسبك ما يجري في رواندا، وبوروندي، والفقر الممتد في بقاع كثيرة من الأرض.

الإدارة الإيمانية لا تتحقق بالشعارات وحدها ولا بالعواطف والارتجال ولكنها تتحقق في مدرسة النبوة الخاتمة مدرسة الإسلام، مدرسة الدعوة الإسلامية التي تظل مصنعًا يدفع الأجيال المؤمنة القادرة الصادقة إلى ميادين الحياة مزودة بالإيمان والتوحيد، والعلم بمنهاج الله والواقع الذي يدرس من خلال منهاج الله، وبالتدريب المنهجي على قضايا كثيرة على رأسها الإدارة والتنظيم، والنهج والتخطيط والشورى والنصيحة، والموازنة الأمينة.

من هنا تتضح مسؤولية الدعوة الإسلامية في البناء والتربية، وفي الإعداد والتدريب المنهجي، لتبرز عظمة الإسلام وتميزه عن النظم المادية مهما حملت من زخرف، فزينة الإيمان أجمل وأجل، وليدفع المؤمنون في الساحة البشرية عظمة النظريات الإيمانية في الإدارة والسياسة والاقتصاد، والتربية وعلم النفس، وسائر ميادين الحياة، ذلك لإنقاذ البشرية من الظلام الدامس الذي تسير فيه إلى هلاكها في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :