العنوان السراب الاستراتيجي في معاهدات الصداقة الروسية
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 576
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 22-يونيو-1982
•السلوك السياسي الروسي في المنطقة العربية لا يخرج عن فكرة ضمان وجود إسرائيل التي كان أول المصوتين لها المندوب الروسي عام ١٩٤٨ في الأمم المتحدة.
•الروس يملكون قوات وأساطيل تتحرك في عدن وعلى محور اللاذقية- طرابلس الغرب مهمتها حماية الأنظمة فقط.
•الروس لا يملكون أي خيار عسكري خارج حدود لعبة الوفاقالدولي.
•سوريا طورت معاهدتها مع الروس تطويرًا نوعيًا... ومع ذلك فالطرفان يتفرجان على المجزرة في لبنان.
•المعاهدات مع الروس لا تهتم بالدفاع عن الأرض العربية بقدر ما تهتم بتحقيق المصلحة الروسية الخاصة.
•الروس كالأمريكان ينطلقون من مصالحهم ويلعبون بالسياسة العربية في تنسيق وكما يشاءون.
الدكتور «إليكسي فاسيليف» المستشرق الروسي وأحد كبار محللي صحيفة «البرافدا» السوفياتية الحكومية الرسمية كتب مقالًا مفصلًا تحدث فيه عن العلاقات السوفياتية- العربية من وجهة نظر سوفياتية. وقد نشر المقال في إحدى الصحف الكويتية يوم 23/ 4/ 1982.
على أن «فاسيليف» ركز- ومن وجهة نظر بلاده- على نقطتين أساسيتين:
الأولى:
بدء دخول الاتحاد السوفياتي إلى العالم العربي عام ١٩٥٥ مرورًا بموقفه من العدوان الثلاثي على مصر، وانتهاء بالمعاهدات والاتفاقات التي تربط موسكو بكل من سورية وليبيا واليمن الجنوبي.
الثانية:
اعتقاد موسكو أن الدول العربية التي لم ترتبط بالاتحاد السوفياتي باتفاق أو علاقة إنما هي دول فاقدةلحرية المناورة السياسية.
وحول النقطة الأولى ذكر «فاسيليف»:
• «إن سورية ترتبط بمعاهدة تعاون وصداقة مع الاتحاد السوفياتي تهدف إلى تطبيع الوضع في الشرق الأوسط وإحلال سلام حقيقي عادل في تلك الربوع، وليس للمعاهدة أهدافٌ أخرى، وهي ليست موجهة ضد أي بلد إنها معاهدة من أجل السلام لا من أجل الحرب»
• «وإن الاتحاد السوفياتي وليبيا حليفان في النضال من أجل حقوق الشعوب وحريتها ومن أجل السلام العادل والوطيد والتقدم الاجتماعي، ولهذا التعاون أهمية خاصة في الوضعالدولي الراهن المعقد».
• «وإن بين الاتحاد السوفياتي واليمن الجنوبي تعاونًا هادفًا في إطار معاهدة للصداقة بين البلدين يسعى الاتحاد السوفياتي من خلالها إلى جعل البحر الأحمر بحيرة سلام على أساس الاحترام الصارم لحقوق ومصالح جميع الدول الواقعة عليه».
ثلاث ملاحظات:
ثمة رابط يربط بين الاتفاقات الروسية الثلاث هو العمل من أجل السلام العادل في المنطقة، ولما كانت دائرة «الحرب والسلام العربية» تخص العلاقة مع دولة إسرائيل، فإن المعاهدات الروسية مع كل من دمشق وطرابلس الغرب وعدن تدور في فلك السلام «العربي- الإسرائيلي». وهذا يعني بكل وضوح أن موسكو تلعب على الخط الأخر لكامب ديفيد لعبة السلام مع إسرائيل بشكل يختلف عن الشكل الأمريكي اختلافًا لا يؤثر على مضامين المستقبل السلمي في المنطقة العربية.
إن «دمشق- وطرابلس الغرب وعدن» هي عواصم الدول المسماة «بالصمود والتصدي» وهي نفسها ترتبط مع موسكو باتفاقات ومعاهدات هدفها العمل من أجل تحقيق السلام الدائم في المنطقة العربية.. وبمعنى آخر فإن الدول العربية التي تسمي نفسها بهذه الأسماء الثورية متفقة مع الروس على إحدى صبغ إنهاء الحرب مع العدو الإسرائيلي وذلك خلافًا لما تعلنه أجهزة الإعلام في كل من دمشق وطرابلس وعدن.
إن الروس يعتقدون أن معاهداتهم مع العرب لا تخص عداء غيرهم، وليس لها أهداف أخرى غير تحقيق السلام، فهي كما قال الخبير الروسي من أجل السلام لا من أجل الحرب.
ضمان الوجود الإسرائيلي:
والمتأمل في الملاحظات الثلاث السالفة يستخلص موقفًا روسيًا من القضية العربية متناسقًا من حيث المبدأ والسلوكية مع تأييد الروس لوجود إسرائيلي في قلب العالم العربي، كما هو موجود في ملفات الأمم المتحدة لعام ١٩٤٨ حيث كان المندوب الروسي أول المصوتين لقرار تقسيم فلسطين ومنح مشروعية دولية لليهود يقيمون على أساسها دولتهم على أرض فلسطينالعربية الإسلامية، وهذه المشروعيةللاغتصاب والتي ساهم في حصولها الاتحاد السوفياتي بصناعته وانطلاقًا من سياسته جعلت قادة الكرملين يؤيدون إيجاد الضمان الدائم للوجود الإسرائيلي، لذا فليس غريبًا أن تنص المعاهدة الروسية السورية على هدف أساسي هو تطبيع الوضع في الشرق الأوسط، وإحلال سلامٌ حقيقي عادل في تلك الربوع، وليس من قبيل المفاجأة أن ينص الاتفاق مع ليبيا على السلام العادل والوطيد، وليس بالمستغرب أيضًا أن تهتم المعاهدة مع اليمن الجنوبي على جعل البحر الأحمر بحيرة سلام.. بحيث تحترم حقوق جميع الدول الواقعة عليه.. ومنها إسرائيل التي تشرف على هذا البحر من الشمال.
وهكذا تبدو المعاهدات الروسية مع دول «الصمود» العربية معاهدات تطبيع تستهدف إنهاء حالة الحرب مع العدو اليهودي لضمان وجوده على أرضنا الطاهرة في فلسطين وغيرها من الأراضي العربية المحتلة.
على أن الروس كالأمريكان ينظرون إلى الموقف العربي وقضية العرب من خلال مصالحهم الخاصة، ولعل قضية العرب مع الوجود اليهودي هي الباب الذي أدخل الروس إلى المنطقة تحت حجج وشعارات مختلفة، وقديمًا كتب أحد المراقبين في مجلة النهار العربي والدولي!
•المعاهدات الروسية مع الأنظمة العربية تركز على هدف أساسيهو إقامة سلام دائم في المنطقة العربية.
«الاتحاد السوفياتي تمكن من الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط مستغلًا الصراع العربي الإسرائيلي مثله مثل الولايات المتحدة التي مازالت تبحث عن حل للقضية الفلسطينية».
الاتفاق الاستراتيجي مع سورية:
في التاسع من شهر يناير «كانون الثاني» الماضي قام وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام بزيارة لموسكو- تردد في حينها أن الأسد زار موسكو أيضًا ولكن بالسر.
وقد نقلت وكالة سانا للأنباء السورية يومها أن نظام دمشق سيبحث مع الكرملين اتفاقية الصداقة والتعاون المعقودة بين البلدين، وللانتقال إلى تحقيق خطوة نوعية جديدة مع الاتحاد السوفياتي توازن كما ذكرت- سانا السورية- الدعم الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة، وحينها تحدث الدبلوماسيون في دمشق عن زيارة الأسد السرية لموسكو وقيام اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين موسكو ودمشق يقابل الاتفاق الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية.
وعلى الأثر لوح السوريون في الأفق أن العلاقة مع الروس دخلت في مرحلة نوعية جديدة تشمل:
مناورات عسكرية مشتركة تقوم بها القوات الروسية- السورية على الساحل السوري.
زيادة الخبراء والمستشارين العسكريين في سورية.
حماية روسية لصواريخ سام في البقاع اللبناني ولقوات الردع السورية من أي عدوان إسرائيلي محتمل.
وعقب هذا الاتفاق النوعي الجديد أبرمت سورية مع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقا استراتيجيا ينص على دخول الفلسطينيين في حماية سوريا مع اعتبار حكومة الأسد مصير الفلسطينيينمصيرها بالكامل.
وجاء بعد شهور من الاتفاق الاستراتيجي مع الروس غزو إسرائيل للبنان، ووقف السوريون.. ووقف الكرملين الروسي أيضًا موقف المتفرج- غير بعض الطلقات السورية الاستعراضية، وتساءل العالم عن اتفاقية «موسكو- دمشق» ليجيب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في موسكو: «إن الروس لن يرسلوا قوات أو خبراء للمساعدة في صد الغزو الإسرائيلي».
ليثبت للعرب والمسلمين وللعالم أجمع أن اتفاقات الروس ومعاهداتهم ليست مهتمة أصلًا بموضوع الدفاع عن الحق العربي.. وإن كل ما يسمى باتفاق استراتيجي مع أي نظام عربي إنما يكرس لقضايا خاصة بالنظام العربي نفسه، وعلى هذا فإن الاتفاق الروسي- السوري يخرج عمليًا ونظريًا من الموضوع الفلسطيني لأن أي فهم يصنف الموقف الروسي إلى جانب القضية العربية أو المسألة الفلسطينية سيخرج نهائيًا عن التصور الروسي لأي اتفاق مع العرب. إن الروس كما يصرحون يرتبطون مع بعض الأنظمة العربية على أساس جعل المنطقة مؤهلة لسلامٍ دائمٍ مع العدو الصهيوني.. وكل فهم للطبيعة الروسية لا يتناسق مع هذا التصور يخرج عن الأهداف الروسية من التسلل إلى المنطقة العربية.
حقيقة المعاهدات مع الروس:
لعل من شرائط الاتفاق مع الروس في بعض العواصم العربية تكثيف الوجود العسكري ومنح التسهيلات الخاصة للأساطيل الروسية في الموانئ العربية، مع إنشاء القواعد العلنية والقواعد السرية في بعض المواقع التي تشكل جزءًا من الاستراتيجية الروسية في منطقتنا.
لكن بِمَ تفسر الوجود العسكري في بلد كعدن جنوب الجزيرة العربية.. وأساطيل تمخر عباب البحر على محور اللاذقية- طرابلس الغرب؟؟
إننا نميل في إجابتنا على هذا التساؤل إلى الرأي القائل بأن لعبة الوفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي هي التي أفسحت مجالًا للتواجد الروسي ولمعاهدات موسكو في بعض العواصم العربية، وللقوات الروسية في بعض المواقع العربية فضلًا عن الأساطيل الروسية في كل من البحر المتوسط وبحر العرب.
على أن لعبة الوفاق التي حددت مهمة الوجود العسكري الروسي في المنطقة العربية لا تسمح بحال من الأحوال للقرار الروسي بالاستقلال بتسيير قواته، ويستشهد المراقبون على هذه الحقيقة أنه عندما ضج حكام سوريا ومصر بالصراخ عقب حرب «۱۹۷۳» لإيقاف الحرب، أرسل بريجينيف لنيكسون رسالة تتضمن الاستشارة حول تحريك القوات البحرية الروسية لوقف إطلاق النار على الحدود العربية مع إسرائيل. جاء الرد الأمريكي يوم 25/ 2/ 1973 بوضع القوات الأمريكية في جميع أنحاء العالم في حالة تأهب من الدرجة الثالثة، وسحب الروس على الفور استشارتهم ودللوا للعالم أجمع أنهم لا يملكون أي خيار عسكري في المنطقة.
وهنا نقول: ما هي إذًا مهمة القوات الروسية بالتحديد؟!
من استقراء الواقع السياسي والأمني للدول العربية المرتبطة مع الاتحاد السوفيتي بمعاهدات واتفاقيات نلاحظ أن تلك الدول مثقلة باضطرابات داخلية ومشاكل أمنية تحدد حرب تلك الأنظمة مع شعوبها.
هنا تبدو مهمة الوجود الروسي واضحة ومحصورة بحماية تلك الأنظمة العربية من ثورة مضادة.
يقول محلل استراتيجي للسياسة الروسية: «لولا حصول ثورة مضادة في تشيكوسلوفاكيا «ثورة دوبتشك» في الستينيات لما تدخلت القوات الروسية.. وهذا ينطبق على حال المعاهدات مع العرب.. وهي معاهدات تجعل الاتحاد السوفيتي أقل التزامًا في حماية الأقطار العربية المرتبطة فيه من أي خطر خارجي».
ومثل هذه الحال تنطبق على أفغانستان.. فلولا حصول الثورة الإسلامية لما دخل الجيش الروسي في بلاد الأفغان ولأكتفى الكرملين بحكم أفغانستان من خلال عملائها الشيوعيين المحليين.
وهكذا تتلخص مهمة الاتفاقات الروسية مع العرب بحماية الأنظمة المهتزة من أن تعصف بها رياح الشعوب الثائرة. والتي يمكن أن تشكل عائقًا كبيرًا أمام الحل السلمي الذي يسعى إليه الروس كما تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية.
معاهدات الروس وغزو لبنان:
من مطالعة ما سبق.. ومن استكشاف الأحداث الروسية في المنطقة يمكن لنا أن نؤيد القناعة القائلة: أن ما يجري في لبنان لعبة دولية تستهدف إخضاع منطقة الشرق الأوسط بأسرها بخطة دولية اتفقت عليها سائر الأطراف وتشمل:
إنهاء النزاع العربي- الإسرائيلي والوصول به إلى شكل من أشكال السلم، خططها الكبار ولم يغب عن حقيقتها الصغار.
تحويل العمل العسكري الفلسطيني إلى صورة سياسية مشلولة خاضعة لإرادات الأنظمة العربية وبالتالي للعبة الكبار.
تقسيم لبنان وإقامة الدولة المارونية الطائفية على غرار الدولة الصهيونية.
ولما كان الروس طرفًا أساسيًا في لعبة الأمم في المنطقة.. ولما كان وجودهم أصلًا محكومًا بتلك اللعبة، فإنهم لن يكونوا أكثر من مساهم في تكريسالوضع السياسي- والعسكري الذي تتطلبه مقتضيات تلك اللعبة. لذلك فهم صامتون إلا ما صدر عنهم من بيانات تشبه البيانات العربية الصامدة. وهم كذلك متآمرون كتآمر البيت الأبيض الأمريكي.. وهم ماضون في سياسة إقامة صلح دائم بين الأنظمة العربية وحكومة مناحيم بيغن كما تقتضي السياسة الدولية، وإذا كان لهم من دور فهو حماية العملاء والمتخاذلين من غضبة الشعوب التي عرفت الحقيقة.. الحقيقة التي يتواطأ فيها الروس والأمريكان مع بعض الأنظمة في عواصم عربية معروفة.. وتحت هذه الحقيقة يتحقق ضمان أمن إسرائيل.. وضمان استمرارها في قلب العالم الإسلامي.. وضمان المصالح الدولية للروس والأمريكان ولغيرهم في هذه المنطقة من العالم.
وهذه هي خلاصة مصداقية المعاهدات العربية مع دول العالم.. ومع الروس على وجه الخصوص.