; «المجتمع» ترصد معاناة خمسة آلاف فلسطيني أمام «معبر رفح»- حصار ذوي القربى.. أشد إيلامًا على النفس! | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» ترصد معاناة خمسة آلاف فلسطيني أمام «معبر رفح»- حصار ذوي القربى.. أشد إيلامًا على النفس!

الكاتب إيمان يس

تاريخ النشر السبت 18-يوليو-2009

مشاهدات 57

نشر في العدد 1861

نشر في الصفحة 24

السبت 18-يوليو-2009

أجرة سيارة النقل من العريش إلى معبر رفح 450 دولارًا.. رغم أنها لا تتجاوز 30 دولارًا في الظروف الاعتيادية

مئات من عربات الكارو يستخدمها الفلسطينيون لنقل حقائبهم وأغراضهم لمسافة 40 كم.. لرخص أجرتها نسبيًّا!

دموع وتوسلات من مسنة لا تقوى على الانتظار، وصرخات تطلقها طفلة لا تعرف أين بقية أفراد أسرتها، وأصوات رجال ونساء ترتفع بنداءات واستغاثات مختلفة.. الجميع يهفو قلبه، ويرمق ببصره ذلك السور الصخري الذي تتوسطه بوابة حديدية يطلق عليها اسم «معبر رفح» ... ومن فوق البوابة، يتم قذف الحقائب بين أيدي المسافرين، فهذه هي أحدث صيحات نقل الأمتعة في ميناء دولي يفصل بين بلدين شقيقين في القرن الحادي والعشرين!

هذا المشهد الأليم عاشه ما يقرب من خمسة آلاف فلسطيني على مدار ثلاثة أيام تم فتح المعبر فيها، ومن قلب المعاناة كان لـ «المجتمع»، هذه الجولة بين المسافرين.

صنوف من العذاب

تقول «آمال» (57 عامًا): لم أنم منذ يومين منذ سمعت خبر فتح المعبر، فقد كان عليّ أن أحمل معي كل ما أستطيع لأولادي الذين لم أرهم منذ خمسة أعوام... وتتابع بصوت حبسته الدموع: حاولت الدخول في العام قبل الماضي وقضيت شهرًا كاملاً في العريش على أمل أن أتمكن من حضور عرس ابني الأكبر إلا أنني عدت بدموع الحسرة، فبيتي لا يبعد عن المعبر سوى بضعة كيلومترات ولا أستطيع الوصول إليه، والآن وقد أصبحت جدة للمرة الأولى منذ عام تقريبًا، حملتني لهفتي لرؤية حفيدي فتناسيت عذابات المعبر واضطررت لترك أحد أبنائي مع والده، وجئت يسبقني شوقي للأحباب الذين أذابت قلوبهم ويلات الحرب لعلي أخفف عنهم شيئًا من معاناتهم.

وإن كانت آمال، قد تناست عذابات المعبر، فإن إيمان، قررت أن تتحداها وليست وحدها من فعلت ذلك فقد كان هذا حال الجميع.

جاءت «إيمان» (37 عامًا) تجر أطفالها الأربعة قبل فتح المعبر بأسبوع كي تتمكن من شراء احتياجات أفراد عائلتها وعائلة زوجها المحاصرين في غزة منذ أربعة أعوام.. وتقول: أقف في هذا الطابور الذي يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات منذ الفجر وأعلم كم هي المشقة التي سألاقيها حتى الوصول، إلا أن هذا لم يمنعني من حمل عشر حقائب كبيرة وثلاجتين إحداهما لأخي والأخرى لشقيق زوجي، فنحن لا يمكننا أن نعيش ونستمتع بالحياة وأهلنا يعانون ويلات الحصار، وليس أمامي إلا أن أتحمل جزءًا من آلامهم وأحمل معي بعض ما يخفف عنهم.

طوق أمني

ثمة وسيلة أخرى تم استخدامها لنقل الحقائب والثلاجات والغسالات والمواقد (البوتاجازات) بل والأطعمة والأدوية، وربما المسافرين أيضا لمسافة 40 كيلومترًا تفصل بين مدينة العريش ومعبر رفح.. هذه الوسيلة تمثلت في عربة خشبية يجرها حمار!! أو ما يطلق عليها اسم عربة «كارو»، وقد اصطفت مئات من هذه العربات أمام المعبر لمسافة تمتد إلى ألفي متر في انتظار السماح لها بالتقدم، بعد أن فرضت قوات الأمن طوقًا أمنيًّا يبعد عن المعبر مسافة 200 متر تقريبًا!

وإن كانت ظروف إيمان الاقتصادية قد ساعدتها بعض الشيء في دفع 450 دولارًا أجرة للسيارة التي ستنقلها من العريش إلى رفح (في الظروف الاعتيادية لا تتجاوز 30 دولارًا) فإن سماح قررت -مثل معظم المسافرين- أن تحمل حقائبها على عربة «کارو».

تقول «سماح» (طالبة بكلية طب الأسنان جامعة القاهرة)، وقد أنهكها التعب وتمكنت منها الحيرة: استطاعت أمي وإخوتي التقدم باتجاه بوابة المعبر، وكنت أسير خلفهم ببضعة أمتار لأن حقائبي ثقيلة، وفجأة قامت قوات الأمن بفرض طوق أمني على مسافة 200 متر من المعبر لمنع المزيد من المسافرين من التدفق باتجاه المعبر، فتفرقنا وبقيت أنا وأخي الرضيع وحقائبي الثقيلة، لا نعرف أين وصلوا ولا متى يمكننا اللحاق بهم!

فإذا أضفنا إلى هذه المعاناة عدم وجود دورات مياه أو «كافيتريات» إلا داخل صالة المعبر الصحراوي حيث حرارة الجو تجاوزت 45 درجة عرفنا السبب الذي دفع بعضًا من المسافرين إلى محاولات التسلل في الصحراء أملاً في أن يتمكنوا من القفز عبر السور بدلاً من انتظار مصير لا يعلمه إلا الله.. وقد باءت جميع محاولاتهم بالفشل حيث كانت قوات الأمن المصري لهم بالمرصاد!

سراب الوعود!

أما صاحبة أشهر قصة على المعبر فهي «ألونا» والتي رغم أنها تحمل الجنسية الألمانية -وقد جرت العادة على احترام الأوروبي في كل مكان- إلا أنها يبدو أنها فقدت هذه الميزة وفقدت معها كل شيء عندما قررت أن تتزوج من فلسطيني.

«ألونا» أم لسبعة أبناء، يعيش ثلاثة منهم مع والدهم الفلسطيني داخل غزة، بينما تحاول هي وأطفالها الأربعة منذ عامين أو أكثر اللحاق بهم دون جدوى!

قدمت ألونا إلى رفح منذ ثلاثة أسابيع حيث انضمت إلى ثمانية ناشطين عقدوا العزم على الاعتصام أمام البوابة لحين فتح المعبر، إلا أنها اضطرت للمغادرة بعد خمسة أيام عندما أصيبت طفلتاها بحالات قيء وإسهال حادة، فعادت إلى العريش بعد أن حصلت على مختلف الوعود من جميع المسؤولين بأن تكون أول المارين إلى غزة بمجرد اتخاذ السلطات المصرية قرارًا بفتح المعبر.

وتقول «إيمان بدوي» (ناشطة مصرية وإحدى المتضامنين المرابطين على المعبر منذ ثلاثة أسابيع) كانت صدمتنا كبيرة عندما عادت لنا ألونا بأطفالها بعد أن ودعناها وتأكدنا أنها لن تعود إلينا أبدًا، ولم نستطع سؤالها عن السبب فنحن على يقين بأنه ليس هناك سبب!

نكبة أخرى!

واستنكرت إيمان بدوي أن يكون عدد المعتصمين من جميع الدول العربية بدأ بامرأتين اثنتين ثم انضم إليهما فيما بعد شاب وسيدة وابنتها، بينما تكبد أربعة فرنسيين وثلاثة أمريكيين وعشرة إيطاليين مشقة الإقامة على رصيف المعبر عازمين على ألا يناموا في منازلهم قبل أن تفتح الحدود ويتمكن الفلسطينيون من الدخول والخروج بطريقة قانونية مثل باقي شعوب العالم، وتساءلت: «هل أصبحت الدوافع الإنسانية لدى هؤلاء أوثق من صلات الإسلام والعروبة والجيرة التي تربط بيننا؟!»..

وعن سبب استمرار المتضامنين في الاعتصام رغم أن المعبر مفتوح أشارت إيمان بدوي إلى الساحة أمام المعبر التي ضجت بالمسافرين والأمتعة وعربات الكارو، لمسافة تجاوزت الكيلومتر، وكأننا في نكبة أخرى، وقالت بنبرة غاضبة: «ليس هذا ما نرضاه لإخواننا وجيراننا، لن نبيت مع أولادنا حتى يبيت كل فلسطيني مع أولاده ويفتح معبر رفح كما يفتح أي ميناء بري يفصل بين أي بلدين، أما أن يصل الحال إلى أن سيارات الإسعاف تقوم بنقل المصابين بحالات إغماء وضربات شمس بدلا من نقل المرضى من غزة إلى مستشفيات القاهرة، فهذا غير مقبول ولا يمكننا أن نعتبر المعبر مفتوحًا»!

معاناة واضحة

وعن أحوال المغادرين من غزة إلى مصر تقول ندى القصاص، إحدى (الناشطات المعتصمات على المعبر): تم الاتفاق مع الجانب المصري على السماح بمرور عشر حافلات كبيرة (أوتوبيسات أو باصات)، ولأن عدد المواطنين الذين هم بحاجة إلى السفر يفوق ذلك بكثير فقد اضطر الإخوة في غزة إلى «حشر» ضعف العدد في كل حافلة، ومما زاد من معاناتهم طول الفارق الزمني بين كل حافلة وأخرى حتى وصل إلى ثلاث ساعات وقد بدا ذلك واضحًا عليهم.

بهذه المعاناة التي لا يعرفها إلا من عاشها مرت الأيام الثلاثة المقررة لفتح المعبر، ولم يحالف الحظ «عبد الله» في السفر إلى ماليزيا لاستكمال دراسته، كما لم تتمكن هدى من زيارة من تبقى من أفراد عائلتها واضطرت إلى العودة بعد أن زارت الحجارة التي نحت عليها أهل غزة أسماء شهدائهم في «معركة الفرقان»، وأقاموا بها نصبًا تذكاريًّا على أحد أرصفة المعبرة ليكون شاهدًا على ظلم ذوي القربى.

الرابط المختصر :