; من أجل ماذا يجاهد الأفغان؟ | مجلة المجتمع

العنوان من أجل ماذا يجاهد الأفغان؟

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1981

مشاهدات 67

نشر في العدد 518

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 03-مارس-1981

في هذه المجلة وبعد أيام قليلات من الغزو الروسي لأفغانستان المسلمة كتبنا مقالًا بعنوان «أفغانستان.. قلعة للجهاد عبر التاريخ»، وقد جاءت الأيام القادمات لتبرهن على ما قلناه، فبالرغم من كل أشكال وأساليب القتل والتشريد والدمار والخراب التي استعملها الغزاة، ما زال العزل يجاهدون ويحققون انتصارات تلو انتصارات، وما زالت عزيمة الجهاد تزداد مضاء وتصميمًا.

ونحن وإن كنا مقصرين إعلاميًّا تجاه قضية المسلمين في أفغانستان- نسأل الله أن يغفر لنا ذلك- إلا أن الإعلام الإسلامي والعربي والدولي- على اختلاف النوايا والمقاصد- قد نوه بجهاد المجاهدين وبطش الغزاة المجرمين أو حلل الوضع السياسي واستشرف آفاق اللعبة الدولية في آسيا والمياه الدافئة. ولكن الذين كتبوا عن أفغانستان من الصحفيين ممن اطلعوا عن كثب على ضراوة الصراع الدموي وصلابة المجاهدين أمام كل وسائل الفتك والدمار، ما زالوا حائرين في حل اللغز ومعرفة سر المقاومة والعزيمة على الجهاد من قبل إخواننا الأفغان العزل إلا من بندقية يدوية أو قطعة من سلاح حديث يغنمونها من عدوهم.

صحيح أن الصلابة أمام الغزو الروسي المكثف لمدة تزيد عن عام فيه دلالة قوية على عمق الإيمان والروح المعنوية للمجاهدين.. وصحيح ما قلناه نحن كذلك وما قاله غيرنا من أن الشعب الأفغاني المسلم يتميز بحب الجهاد والجلد عليه ومقاومة الغزاة الطامعين.. وصحيح كذلك أن طبيعة التضاريس الجغرافية قد جعلت من القبائل الأفغانية مقاتلين مستميتين.

وصحيح أيضًا أن عامل العزة القومية والشجاعة المتناهية المتأصلة لدى الأفغان يسهم في تأجيج العواطف وإذكاء مشاعر المقاومة.

ولكن جميع هذه الاعتبارات لا تصلح لمعرفة السر وحل اللغز، إذا ما استذكرنا حجم القوات الروسية الغازية وما تتمتع به من معدات حربية حديثة، وما اتبعته من طرق وأساليب في القتل والتشريد والدمار ضد الشعب الأفغاني برمته، وما كادت من حيل جهنمية ضد المجاهدين. وحتى نتصور مدى الهول والإجرام المبيت لدى الشيوعية الحاقدة، نذكر ما قاله أحد الضباط الشيوعيين الأفغان قبل الغزو بأشهر قليلة ونقلته الصحافة السوفييتية آنذاك.

يقول هذا الضابط: «أن نترك أكثر من مليون أفغاني أحياء فهذا كافٍ لبناء الاشتراكية» ولقد وصل الكيد السوفييتي في حربه ضد المجاهدين الأفغان إلى أن اتبع استراتيجية منذ الصيف الماضي ترتكز على رش الحدود الأفغانية الشرقية بالقنابل- وخاصة في منطقة نورستان بواسطة الطائرات العمودية- في حجم يد الطفل ملونة بألوان الطبيعة بحيث إذا داسها المجاهد بترت ساقه!

ولعل فيما كتبته مجلة لونوفيل أوبسرفاتور الفرنسية، وترجمته عنها صحيفة الأنباء الكويتية على حلقتين في الأسبوع الأول من الشهر الحالي ما يصور حقيقة الصراع الدائر في أفغانستان،والوحشية والهمجية التي تتخلق بها القوات الغازية وأمام هذه الحقائق نظل بحاجة إلى معرفة سر المقاومة الأفغانية.

صحيح أن الشعب الأفغاني شعب مسلم متمسك بتعاليم الدين.. وصحيح أن شعارهم في المعركة هو دائمًا الله أكبر.. ولنا أن نتصور الروح المعنوية التي يتحلى بها هؤلاء.. ولكني وبكل صراحة لم أكن أتصور أن الشعب الأفغاني باعتبارهم أعاجم لا يتقنون اللغة العربية، قد وصلوا إلى مرتبة الصفاء في التصور والنقاء في النية والعمق في الإيمان، إلى الحد الذي وجدته أخيرًا عندما سمعت أحد الأخوة القياديين في المجاهدين.. وقد عجبت والله من وضوح الرؤية وصفاء الإيمان لدى الإخوة المجاهدين!

في الجمعة قبل الماضية وبعد أن انتهت الصلاة وقف الأخ الخطيب جزاه الله خيرًا ليعلم المصلين أن أخًا لنا من المجاهدين الأفغان سيتحدث إليكم.. وقد قرأت السرور في وجوه المسلمين؛ فظلوا جالسين لينصتوا لصوت طالما اشتاقوا إليه.

وقف ولحيته كثة وملابسه أفغانية متواضعة وتكلم باللغة العربية الفصحى، فحمد الله وأثنى عليه وطلب من المسلمين أن يدعوا لإخوانهم الشهداء بالمغفرة والقبول سواء قتلوا في أفغانستان أو على أي أرض للمسلمين.. ثم قدم نفسه قائلًا: أنا أخوكم محمد يونس أمين الحزب الإسلامي الأفغاني.

وعندما قال إن القضية الأفغانية تحتاج إلى تجلية وتوضيح تشنفت الآذان لسماع قصة البطولة الأفغانية في المعارك والجبهات، ولكن الخطيب نحى منحى آخر.. لقد بدأ حديثه بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(النساء: ٧٦).

 ثم ألقى درسًا في التوحيد، مستشهدًا بآي الذكر الحكيم وما صح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن واقع السيرة العطرة من حين البعثة إلى إقامة الدولة الإسلامية.. ويعلم الله أني ما سمعت أيسر ولا أعمق ولا أشمل من هذا الدرس.. وزاد من تأثري أنني أسمعه من مسلم أعجمي وليس من عالم عربي.

بعد ذلك قال الخطيب مبينًا للمسلمين ومصححًا لتصوراتهم «إننا في أفغانستان لا نجاهد لتحرير أفغانستان ولا للحصول على مغنم دنيوي أو منصب رفيع، ولكنا نجاهد لنكون مجاهدين في سبيل الله حتى نقيم دولة إسلامية خالصة، تحمل رسالة التوحيد إلى البشرية جمعاء لتنقذها مما هي فيه من جاهلية.. وسنظل نقاتل من أجل ذلك ولو اجتمعت علينا الأرض بمن فيها.. وحتى لو لم يبقَ منا مسلم واحد.. فإما أن نقتل في سبيل الله أو أن ننتصر فنقيم دولة الإسلام».

ومما زاد في تأثري وتأثر الحاضرين أن الخطيب جزاه الله خيرًا عنده من العزة والغيرة على المسلمين ما يدعو إلى الدهشة والإعجاب. لقد قال بكل عزة المؤمن: «نحن لسنا نريد منكم دينارًا أو عشرة أو ألفًا أو مائة ألف.. لا نريد منكم شيئًا من ذلك، بل الذي نريده منكم أيها المسلمون أن تنتبهوا لأنفسكم فلا تتكرر مأساتنا في أفغانستان لديكم».

وفي الختام طلب من المسلمين الدعاء للمجاهدين بالصلاح والتقوى؛ لأن الصلاح والتقوى أساس النصر.

ويشهد الله أن هذا الدرس على الرغم من بساطته وعدم جدته عليَّ فإنه أخذ مني كل مأخذ، وأمضيت يومي ذاك وأنا أحمد الله على أن جعل في المسلمين من الأعاجم من وضحت له الرؤيا وصح عنده الإيمان على ذلك النحو.. لقد تذكرت حال المسلمين العرب وما هم فيه عامتهم وخاصتهم.. وشعرت أنني تلميذ صغير تتلمذ على أستاذ وقور.. واستذكرت قوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم(محمد: ٣٨).

وشاء الله أن ألتقي بالأخ محمد يونس وثلاثة من إخوانه المجاهدين في مجلس خاص فإذا به يؤكد ما قاله في المجلس العام! ولكنه ذكر أمثلة كأنها في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين.

في معرض إجابته عن سؤال: كيف يقف المسلم الضعيف في مواجهة القوي الكافر؟ فقال: كما نفهم من القرآن الكريم والحديث الشريف فالمؤمن ليس له أن يفر من الموت، بل الذي جربناه أن الذي يطلب الموت يفر منه.. ونحن في أفغانستان في بداية الجهاد لم نكن منظمين ولا مجهزين بطعام ولا لباس كافٍ.. لقد مشينا أول مرة فوق الثلوج لمدة ثماني ساعات كاملة، ولم يكن معنا إلا فكرة واحدة هي إما أن نقتل وإما أن نغلب.. لقد كان في نية كل واحد منا وفي عقيدته أن الأعداء لو قتلوا الإخوان جميعًا وأصبحت البشرية كلها كفرًا لبقيت أقاتل.

وفي مشهد آخر استشهد لنا أربعة وبقي أربعة هاجمتهم الدبابة وحاولت أن تقبضهم أحياء ولكنهم لم ينتحروا كما يفعل الكفار، بل رفضوا أوامر الأعداء بالصعود إلى الدبابة وظلوا يضربونها ببنادقهم إلى أن مل منهم العدو فقتلوهم رحمهم الله.

وأكد لنا من جديد أن المسالة ليس مسألة أفغانية بل هي قضية الإسلام،وقال إن أكثر أعدائنا هم من الأفغانيين أنفسهم.. وانظروا أيها المسلمون كيف تفعل العقيدة في نفس صاحبها، وانظروا عمق الإيمان كيف يخلص المسلم من ثقلة الأرض ورابطة الدم والقوم!

على الصعيد الجهادي أيضًا قال الأخ المجاهد ذهبنا مرة سبعين نفرًا ومعنا خمسة وثلاثون بندقية، فأكرمنا الله بغنائم قدرها حوالي ألفي قطعة سلاح، أما عن الروح القتالية فضرب مثلًا حيث قال: استشهد لنا مرة خمسة إخوة من المجاهدين فطالب أهلوهم بأن يعود إخوتهم «أشقاؤهم» ليعيلوهم، فما كان من إخوتهم إلا أن قالوا: والله لا نرجع لنترك مكان إخوتنا الذين ذهبوا إلى الجنة فارغًا!!

والإيمان لا يربي النفوس على البذل والتضحية والعزة فحسب، بل المؤمن كما في الحديث الشريف «كيس فطن»، وإخواننا المجاهدون في أفغانستان على الرغم من أنهم لم يدرسوا السياسة في المعاهد والجامعات، فإن بصيرة الإيمان وصدق النية أورثهم وعيًا كبيرًا.

لقد حاول الأعداء أن يرسلوا جواسيس كلاجئين إلى باكستان فأنشأوا منظمات كثيرة تدعي الجهاد وهي لا تجاهد، حتى إذا تم التوصل العاجل عن طريق المفاوضات كان لهذه المنظمات نصيب الأسد.

ولكن المجاهدين فطناء، وكما قال الأخ محمد يونس: «فنحنلا نفاوض أبدًا إن شاء الله».

وحول ما إذا كان المجاهدون يتلقون مساعدات قال: إننا لا نتلقى مساعدة من أحد اللهم إلا من إخواننا المسلمين المتبرعين، أما الدول فلا نقبل منها مساعدة لأن ذلك ليس في صالحنا من الناحية السياسية.. وما يقال من أن أمريكا تساعد بعض الجبهات الأفغانية قال الأخ: لا نعلمشيئًا من ذلك، وما نحن متأكدون منه أن أمريكا لا تريد من الروس أن ينسحبوا من أفغانستان.

وفي الختام طلب من الحاضرين أن يدعوا لإخوانهم المجاهدين بالصلاح والتقوى.

وهكذا إذن يكون الإيمان.. وهكذا إذن يكون الجهاد.. وما أنا إلا ناقل بعض ما سمعت أسأل الله أن يسدد خطى المسلمين أينما كانوا ..أيها المسلمون العرب.. أيها العاملون لمجد الإسلام.. هل وعيتم الدرس؟ وهلّا تفكرتم في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾؟ (محمد: ٣٨). وعلى الله قصد السبيل ولو شاء لهدى الناس جميعًا والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :