العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1614)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004
مشاهدات 63
نشر في العدد 1614
نشر في الصفحة 50
الجمعة 20-أغسطس-2004
قراءة في ملتقى الأدباء الشبان برابطة الأدب الإسلامي العالمية
• حين تزغرد الأحزان أمام جدار الصمت
الرياض: محمد شلال الحناحنة.
أقامت رابطة الأدب الإسلامي العالمية مؤخرًا ملتقى الأدباء الشبان الدوري الشهري في مكتبها الإقليمي في الرياض، الذي يشرف عليه الناقد د. حسين علي محمد الأستاذ في جامعة الإمام، وقد حضره حشد من الأدباء وجمهورهم الذي أثرى اللقاء بكثير من الأسئلة في حوار تميز بالحميمية والصدق.
• حين تزغرد الأحزان:
قصيدة «يس والفجر» للشاعر سعد خضر المهداة للشهيد البطل أحمد ياسين الذي أضحى فرقدًا في ليل بهيم، يصنع الكرامة لهذه الأمة التي تعيش رعبًا وخوفًا من أعدائها، لكن ثلة من المجاهدين الصادقين تصنع العز تلو العز، فوهج التفاؤل رغم الأسى والمواجع:
لا تسلني
عن رحيل العز
رتل سورة الفجر.. لتشهد
عود أحمد
وخيوط النور
تنسج الرايات أكفانًا
وتكسوها الفرقد.
ثم يمضي الشاعر ينطق التاريخ قابسًا نبضات حروفه المضيئة من خلال واقع جهادي يجعله نموذجه العظيم لينزل الشهيد المجاهد منزلته الكريمة السامية في قلوب الجماهير التي أحبته في عالمنا العربي الإسلامي، فيقول:
كلنا يس نفخر
بيننا ألف كعياش
ومئات من هنادي
وألوف وصفوف
إن ترى الأحزاب
تشهد
باقتراب الفتح
ثم تتلو سجدة الشكر
وتحمد.
هذه القصيدة لسعد خضر تنهل من معجمها القرآني «الأحزاب، الفتح، تشهد، تحمد، سجدة» وهي تستهدي بهدي القرآن الكريم في معانيها ورؤيتها، فنحس بعفويتها وصدقها وصورها التي تنزف أشجانها، وتحزّ على وجداننا بلوعة وألم:
فجر يس ترقرق
بالضحى والدم القاني
في رواح العصر
بالنصر
تألق
همسة في ختام المشهد الدامي
تردد:
انتهت رحلة الإسراء
بالمعراج فاسعد)
ولم يغادر هذا الأسى الشاعر مقعد السعدي في قصيدته (بكت الجروح) وهي تفتح آفاقها المواجع الأمة، من خلال صور شعرية مبتكرة وقدرة واضحة على التجديد في الألفاظ والمعاني المشحونة، يحفزنا لمقاومة الجراح بعزيمة الرجال:
بكت الجروح على الجروح *** إذ ليس من أحد يلوح
مع أن رعشة خافقي *** تبدو على وجه الوضوح
أواه يا حلم هوى *** وامتد كالشفق الذبيح
وتطايرت أشلاؤه *** كسفًا بقبضة كل ريح
وبقيت أرسم حسرتي *** قمرًا على طلل الطموح
ولولا الاستغراق بالحزن في كثير من أبيات القصيدة أمام ومضات قليلة من التفاؤل لكانت هذه القصيدة من أرقى قصائد هذا الملتقى فنيًا، فهو يصدمنا بمفارقات كثيرة مثل قوله (قمرًا على طلل الطموح)، وقوله (أواه يا حلم هوى وامتد كالشفق الذبيح).
وفي قصيدة (كلمات خلف جدار الصمت) للشاعر هيثم السيد استنهاض لأوطاننا الجريحة للعودة إلى مرجعيتها الإسلامية أمام مصائب متتالية، ولذلك نراه ينزف قوافيه حين يتلفت حوله فلا يرى إلا الأنفس المنكسرة المنتحبة أمام واقع يجتاحنا فيقول:
أغضت بيارق عز في مشاعرنا *** من بعد ما خفقت في رأسها لهب
صرنا نعيش بلا حول ولا أمل *** تجتاحنا نوب من بعدها نوب
ما غير الحال فينا غير أنفسنا *** والله قدر في ما صار ما يجب
القلب ينزف والإحساس منكسر *** العين تبصر والأعماق تنتحب
قد جاوز الأمر حد الصبر من ألم *** فهل لأسوأ مما صار ترتقب؟!
وجاءت قصيدة الشاعر محمد منذر قبش (يس) في رثاء شيخ الشهداء أحمد ياسين، تغمده الله بواسع رحمته- لترسم طريق الشيخ القائد بلغة حارة وأسلوب عذب، ورؤى استشرافية تعبر عن نقاء الموقف ونصاعته، الشاعر يحمل هم القضية الأولى، قضية الأقصى وفلسطين، والحق أن في شعر منذر قبش الكثير من الوهج الفني الصادق والمتقدم
يا شيخنا
يا أروع الشهداء
فينا سكنت
هوية للمجد
قد علمتنا
كيف العطاء
من فوق كرسي
القعيد
أشدت صرحًا للبطولة
والكرامة والوفاء
يا أيها العبق المضمخ بالمشموخ
ويا نميرًا من ضياء
سنغذ سيرًا
في الدروب رسمتها
لنحرر الأقصى
ونمحو عار أمتنا
التي خنعت فأنكرها
الحياء.
كما شارك في الملتقى شعراء آخرون تنوعت قصائدهم بين التأملية والوجدانية والوطنية والاجتماعية، منهم سامي البكر، ومحمد السعيد، وخضر الزهراني، وحسن القرني ومحمد نادر فرج، وغيرهم.
• الحنين إلى الماضي:
أما في مجال القصة القصيرة فينقلنا القاص الدكتور أسامة المجالي إلى عبق الماضي في قصته انتظار، وهو يميل في قصصه عمومًا إلى التفاصيل الدقيقة، والإطناب في الوصف والعناية في إبراز معالم شخوصه بلغة رزينة، وأسلوب متدفق، وتستلهم قصته مواجع القرية بكل ماضيها وآهاتها وآمالها.
ويتحدث القاص المبدع أحمد محمد صوان كعادته عن الطفولة في قصته «بطل مقعد» المعبرة عن بطولة الشيخ الشهيد أحمد ياسين، واستطاع أن يوظف هذا الحدث العظيم من خلال حوار حي بين الأب وابنه الطفل، غارسًا بذور الإعجاب بالسيرة العطرة لشيخ المجاهدين في فلسطين الجريحة، وتأتي قصة «سحابة من عالم وردي» لسعيد عاشور معبرة عن براءة الطفولة في مواقفها، ودفء حركاتها، ولا شك أن القاص يعيدنا إلى الفطرة السليمة أمام جدب الحياة المادية اللاهثة.
أما قصة «وجبة إفطار» للقاص فهد الجديد فهي تعالج حالة من الفقر، وتتكى على تداعي الأفكار، ولكنها لم تتخلص من الأخطاء النحوية التي تعيق تدفقها الأسلوبي، وتعالج «مقالة الصابون وخيط نسيجي من المودة» الحياة الزوجية بصدق وحميمية، وتتداخل هذه المقالة في أسلوبها مع الخاطرة والقصة مما يسمى بتعدي النص من الناحية الفنية، وكثيرًا ما يلجأ أبو البراء خالد اليوسف كاتب هذه المقالة إلى هذا التداخل في كتاباته المتنوعة.
أما خاطرة (عندما انتفض الجماد) لسعود محمد الرشود، فهي تخاطب تاريخ الأمة في ماضيها المجيد، وتقوم على أسلوب المفارقات في لغتها ومضمونها، موقظة هذا السبات الذي نعيش، ومع هذا تظل هذه الخاطرة بحاجة إلى مزيد من العناية بمستواها النحوي.
•نبض الأسئلة:
جاءت الأسئلة خلال الملتقى ثرية معبرة عن كثير من القضايا الأدبية والثقافية شارك فيها عدد من الأدباء، منهم: الشاعر د. عبد الجبار دية، والكاتب على الغريب والأديب شمس الدين درمش، والشاعر يوسف الدوس، كما أجيب عن تساؤلات الجمهور.
واحة الشعر.
على خط النار:
شعر: مبارك بن عبد الله المحيميد.
أي سلم والقدس أمسى جحورا * * * وبنو قينقاع جاست غرورا
أي سلم والقدس من حوله الأن * * * ياب حمراء كشرت تكشيرا
أي سلم والطفل كالعهن يفري * * * ه اليهودي ضاحكًا مسرورا
أي سلم هذي قريظة عادت * * * بعد نقض العهود كلبًا عقورا
أي سلم سلامهم حينما الجراف * * * يعوي وسط القرى مسعورا
طفح الكيل والزبي بلغ السي * * * ل بها مبلغا كثيرا كثيرا
أمض جرافك اليهودي في الجد * * * ران وانثر على الطريق صخورا
إنما تنثر الرصاص بأحجار * * * على الأرض طهرت تطهيرا
حينما شدها الصبي بكف * * * خضبت بالدماء صارت سعيرا
واحفر الأرض بالقنابل ما تح * * * فر إلا للغاصبين قبورا
قبر شارون هاهنا واردموا من * * * جلد «باراك» خندقًا محفورا
نحن إما الحياة والعز والإس * * * لام أو ضربة تقد المصيرا
يرضع الطفل عزة الحق والأظ * * * فار في كفه تبيد النسورا
سائلًا أين حتفه هذه الأكـ * * * فان من تحته تفوح عطورا
مقبل والرصاص يرسم في عيـ * * * نيه نهرًا وجنة وقصورا
ومضى للنزال في ساحة المو * * * ت مضي الشهاب نارًا ونورا
يقذف القهر بالحجارة والمو * * * ت مروع يزداد منه نفورا
واليهوي عاد أدراجه من * * * هلع مقسمًا بأن لن يحورا
يحتمي بالجدار من خلفه الرش * * * اش يرنو من كوة مذعورا
للطريق الذي تجمعت الآ * * * ساد فيه تواثبا وزئيرا
ذاك طيف الفاروق يسعى إلى الأق * * * صى يشق الوهاد ليثًا هصورا
لابسًا ثوبه المرقع والبغ * * * ل عليه الغلام يقفو الأميرا
نحن قوم أعزنا الله بالإس * * * لام، لو أننا عقلنا الأمورا
إنه الدين يا بني الدين يشكو * * * رقة منكم ويشكو فتورا
حين ألصقتم إلى الأرض وأثا * * * قلتم تجمعون فيها الدثورا
ذهبت ريحه وضاع صداه * * * وخبا ضوؤه فخبتم دهورا
خافقي خافق من الشوق يا أق * * * صى وفي صدره غدا مأسورا
يرمق الواقفين في حائط المب * * * كى يهزون في الصلاة الظهورا
قائم تحته خنافسه السو * * * داء مصطفة تفوح شرورا
ويرى في العراء أمًا وأطفا * * * لًا كزغب القطا وشيخا وقورا
خرجوا مكرهين والبيت أنقا * * * ض ومن حولهم يرى خنزيرا
ويرى قاصفًا من الريح للظ * * * لم ويومًا على العدا قمطريرا
ويرى في الغيوم رعدًا وبرقًا * * * آذنت أن تفيض سيلًا غزيرا
ويرى في السماء وعدًا مع الأي * * * ام ينمو حتى رأه كبيرا
فهو القدس قدسنا ولنا الله * * * نصيرًا ونعم مولاي نصيرا
مصارحات مع د. عبد القدوس أبو صالح- رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية:
•رسالة الأدب الإسلامي تمتد من عالم الوجود إلى عالم الخلود.
•بسقوط الشيوعية دخل أدب الواقعية الاشتراكية متحف التاريخ.
• كما أن الحلال بين والحرام بين، فإن أدبنا العربي فيه الحلال البين والحرام البين.
• النتاج الإبداعي الإسلامي في القصة والمسرحية والرواية متوافر لمن يريد أن يقدم الأعمال الفنية المصورة الراقية.
القاهرة: محمود خليل
الشاعر الدكتور عبد القدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية أحد أبرز الجنود الأمناء على إعادة استنبات فكرة الأدب الإسلامي في الميدان الأدبي المعاصر بكل تعقيداته وتشكيلاته، وقد شغل رئاسة الرابطة خلفا للعلامة الجليل الراحل سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي الذي احتوى الفكر بذرة ونماها حتى استوت على سوقها شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، التقينا د. عبد القدوس وكانت هذه الشهادة.
• يرى البعض أن الأدب الإسلامي يمارس نوعًا من الفرز والمغايرة بالنسبة المذهبية الأدب الأخرى، ما رأيكم؟
لا نمانع من أن يكون هناك أدب مسيحي أو يهودي أو بوذي، ولا يعد هذا الطرح حجة ضد الأدب الإسلامي، كل الفرق بيننا وبين ما يفترض في آداب العقائد الأخرى هو أن الأديان الأخرى لها رسالة محددة، وتمثل في حياة الإنسان الممتدة رسالة نوعية جزئية، أما الإسلام فهو رسالة للعالمين جميعًا، وهو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية كلها بمختلف شعوبها وأجناسها وعصورها، وهو يحمل منهاجه العالمي الشامل، الذي يمتد من عالم الوجود إلى عالم الخلود، ومن ثم فليس هناك أيديولوجية معارضة ولا مغايرة بخصوص المذهبيات الأخرى، إنما هي طبيعة الإسلام الذي ينبثق هذا الأدب من عيونه، ويتغيا تحت ظلاله خير الإنسانية جمعاء، وحمل همومها وأشواقها جميعًا، والتعبير الفني الصادق عن أفرادها وجماعاتها جميعًا، فما عند هؤلاء من أيديولوجيات هو جزء من الأدب الإسلامي.
•فما الأساس الأيديولوجي للأدب الإسلامي؟
الأساس الأيديولوجي ثابت في التصور الإسلامي من القرآن والسنة، وعليه فنحن نملك الأساس الإلهي الدائم الثابت القوي الذي لا يهتز، وذلك هو أساس عالمية الأدب الإسلامي.
• إذا كان الأدب الإسلامي يدور مع رسالة الإنسان في الكون على هذا النحو... فما الفرق بين الأدب الواقعي وواقعية الأدب الإسلامي؟
الأدب الواقعي وكل المذاهب الأدبية الأخرى ترتكز على أفكار بشر؛ لأن المذاهب الأدبية لا تجيء وحدها، إنما تأتي عبر فلسفاتها وتصوراتها التي تصيب وتخطئ، أما الأدب الإسلامي فإنه يركن إلى دين شامل كامل: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ﴾ (سورة فصلت: 42) ومن المعروف أنه بسقوط الشيوعية دخل أدب الواقعية الاشتراكية متحف التاريخ. وواقعية الأدب الإسلامي واقعية إيجابية كما يقول الشهيد سيد قطب، وهذه الواقعية الإيجابية لا تلتقي مع الواقعية التي اصطلح عليها النقاد في العصر الحديث؛ لأنها تمثل وجهة نظر تخالف قيم الإنسان الصحيحة، حيث ترى الحياة من خلال منظار أسود، وترى أن الشر هو الأساس في الحياة.
•ضرورات وضوابط:
•إذن الأدب الإسلامي شيء، والأدب العربي شيء آخر؟!
عندما نقول أدب عربي فإنه ينتسب إلى اللغة، وعندما نقول أدب إسلامي فإنه ينتسب إلى الإسلام.
• وهل ترى أن ثمة ضرورة لطرح الأدب الإسلامي بهذا المسمى الصريح؟
نعم هناك ضرورات عدة تتمثل أولاها في ضرورة مواجهة محاولات الغزو الفكري والثقافي من جانب الماديين والعلمانيين للثقافة الإسلامية والأدب الإسلامي، والوقوف بقوة وحسم في وجه هذه المحاولات، وتتمثل ثانيتها في ضرورة تواصل الأدب الإسلامي وربط عصوره الماضية الزاهرة بعصرنا الحاضر المتأزم.
والثالثة: تتمثل في ضرورة الاهتمام بآداب الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثًا في آسيا الوسطى، ومحاولة ربطها بآداب دينها وأمتها بعد طول فراق، والعمل على تناغمها مع سائر آداب اللغات الإسلامية الأخرى.
وأما الرابعة فهو العمل الجاد على التوصل إلى إجابات شافية وردود وافية على كل من تقول أو أشاع شيئًا بغير حق على الأدب الإسلامي، أو جهل بمفهومه وأهميته وموقعه من الثقافة الإسلامية وموقفه من النظريات الأدبية والتيارات الفكرية المعاصرة القادمة إلينا من الشرق والغرب من المستشرقين والمستغربين على السواء.
• لكن هناك من يرى أن الأدب العربي في جملته أدب إسلامي؟
كما أن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، كذلك فإن أدبنا العربي فيه الحلال البين، وهذا أدب إسلامي صراح، ترفعه فوق العين والرأس، وفيه حرام بين، وهذا نرفضه رفضًا صريحًا لا مواربة فيه، وفيه أدب مشتبه مخلوط بحاجة إلى إعادة فرز وتصنيف، فالأدب العربي في جملته أدب إسلامي، نعم، لكن لا ينكر أحد أن هناك شعراء وأدباء في كل العصور قد خرجوا على خط الإسلام، وانفلتوا من إطاره.
• وماذا بخصوص الأدب العربي المعاصر؟
الأدب العربي المعاصر فيه مذاهب وتيارات متناقضة وبعيدة جدًا عن الإسلام، كما أنه أدب موزع، فما ينعق ناعق في أوروبا وأمريكا بصيحة ما إلا وتجد صداها عندنا، انحدارًا أو اندحارًا أمام عقدة النقص والهزيمة والتخلف، ووقوع المغلوب أسيرًا لعقدة تقليد الغالب، مما عبر عنه المفكر المسلم «مالك بن نبي» بـ«قابلية» الشعوب للاستعمار، وما عبر عنه «ابن خلدون» تفصيلًا في تحليله القيم لمفهوم العمران الحضاري.
• الصحوة قائمة وقادمة:
•على الجانب الآخر هناك من يرى أن الأدب الإسلامي كان مواكبة للصحوة الإسلامية، وأن هذه الصحوة قد تبددت وتناثرت، ومن ثم سينعكس هذا حتمًا على أدب هذه الصحوة المسمى بالأدب الإسلامي؟
قلنا آنفًا إن الأدب الإسلامي ينبثق من دين شامل دائم خالد رباني محفوظ، ارتضاه الله -تعالى- لخلقه أجمعين، وبعث به خیر رسله وخاتم أنبيائه، وأنزل معه خير كتبه القرآن الكريم، ومن هنا فهو لا ينحصر بصيحة، ولا يعلو على موجة، ولا يصحو مع صحوة، ثم ينام بنومها، وعلى ذلك فإن الأدب الإسلامي خالد بخلود الإسلام، ويملك كل أدواته التي تنطلق من رؤية إسلامية عالمية تشكل واقع الحياة، ولا تنحصر في إطار زمني، ولا يتقيد بأسوار الأحداث التاريخية ذات الإيقاع الحماسي، «بل يتجاوز هذه الأحداث إلى التغلغل في صميم الحياة الإسلامية الناطقة بالوجه الحضاري للإسلام، كما يرى د. صابر عبد الدايم في الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق».
ثم من قال لك إن الصحوة الإسلامية قد تبددت وتناثرت؟ كلا، فالصحوة قائمة وقادمة في مظاهر الحياة، ولكنها جوبهت في ظرف تاريخي بالغ التعقيد باستنفار عالمي علماني ضدها، ولكنها رغم هذه المواجهة غير المتكافئة بالمرة تعمل بقوة في إعادة صياغة وتشكيل الوعي وبناء الشخصية على عين الإسلام، قوة الغد القادمة كما يؤكد مفكرو الغرب نفسه.
•ولكن ألا ترى أن الدعوة إلى هذا الأدب الإسلامي قد تأخرت كثيرًا خاصة في نتاجه الإبداعي؟
هذا صحيح، ولكن هذا التأخر النسبي يرجع لسببين، هما: أولًا- أن الكتاب والمفكرين الإسلاميين قد شغلوا لفترة ليست بالقصيرة بالردود العلمية على من تصدوا للإسلام فخرجت نتاجات فكرية رصينة نقضت هذا الغزل أنكاثًا.
ثانيًا- أن المبدعين الإسلاميين في ميدان الأدب الإسلامي على وجه خاص قد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى معارك جانبية لدحض الشبهات المثارة أمامهم بشأن مفهوم الأدب الإسلامي ونظريته وميادينه وغاياته وتصوراته، مما استنزف قدرًا كبيرًا من طاقاتهم الإبداعية، ولكن الآن خفت حدة هذه المعارضة بشكل كبير.
•باعتباركم رئيسًا لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، هل يمكن أن يكون رصيد أعضائها النظري والتطبيقي كافيًا لتمثيل هذا الأدب العالمي المشنود في مواجهة غيره من الآداب المنتشرة على الساحة بقوة وفاعلية؟
نحن لا نكتم أصوات غيرنا، وإن كانوا هم يحاولون بكل السبل كتم صوتنا فنحن لا نضرب على أيدي الناس، ولكن نستطيع أن نقرر باطمئنان أننا نملك ماء الحياة لهذه الأمة؛ لأن الحاجة الماسة للكلمة الطيبة أمام التحدي الفني والأدبي الغازي كانت هي المقدمة الطبيعية للدعوة للأدب الإسلامي، ولقد كنا في بداية الدعوة إلى الأدب الإسلامي لا نملك إلا عشرات المراجع والمصادر، الآن أنا أعطي طلابي أكثر من مائة مصدر للأدب الإسلامي المعاصر، ثم إنني أدعوك أن تدلني على رابطة لها سبع مجلات منتشرة في أنحاء العالم بلغات عدة، اللهم إلا رابطة الأدب الإسلامي العالمية، على الرغم من أننا نواجه تيارًا رأسماليًا ظالمًا، وتيارًا شيوعيًا بفلسفته الإلحادية المادية، هذا فضلًا عن المرتابين والمتشككين والعملاء في الداخل، ولكن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• وأين دور الرابطة في مجال الفيلم السينمائي وشريط الفيديو والمسلسل التلفازي؟
نحن لا ننكر أن الصورة المرئية لها خطرها وتأثيرها البالغ، ولكن يجب أن يعاملنا الناس على قدر إمكاناتنا البسيطة، فلسنا مؤسسة حكومية ترصد لها الميزانيات، وتفتح أمامها القنوات، فنحن نحفر في الصخر لنقش كلمتنا الطيبة على وجه هذا الزمن الصعب الذي تحياه أمتنا، ولدينا -رغم كل الصعوبات- نتاج طيب وعريض في الرواية والقصة والمسرحية، وكلها تصلح لمن يريد أن ينتجها فنًا إسلاميًا مصورًا وله الأجر والمثوبة، أما الفنون السهلة الإنتاج مثلًا كالأنشودة وقصة الطفل فقد قدم أدباؤنا فيها نتاجًا ضخمًا منتشرًا بكل البيوت والأسواق، والرابطة بصدد تقديم العديد من الأعمال الفنية الراقية المصورة وترشيحها لجهات الإنتاج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل