العنوان محبة الله.. أسبابها- علاماتها- نتائجها (الجزء الثاني)
الكاتب عبد الله الجار الله
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1978
مشاهدات 61
نشر في العدد 385
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 07-فبراير-1978
هذا، ومن علامات المحبة الصادقة لله ولرسوله التزام طاعة الله والجهاد في سبيله واستحلاء الملامة في ذلك واتباع رسوله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31) وصف سبحانه المحبين له بخمسة أوصاف:
أحدها: الذلة على المؤمنين: والمراد بها لين الجانب والرأفة والرحمة للمؤمنين وخفض الجناح لهم كما قال تعالى ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 215) ووصف أصحابه بمثل ذلك في قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ ﴾ (الفتح: 29). وهذا يرجع الى أن المحبين الله يحبون أحبابه ويعودون عليهم بالعطف والرحمة.
الثاني: العزة على الكافرين: والمراد بها الشدة والغلظة عليهم كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: 73) وهذا يرجع إلى أن المحبين له يبغضون أعداءه. وذلك من لوازم المحبة الصادقة.
الثالث: الجهاد في سبيل الله وهو مجاهدة أعدائه بالنفس واليد والمال واللسان وذلك أيضًا من تمام معاداة أعداء الله الذي تستلزمه المحبة.
الرابع: أنهم لا يخافون لومة لائم والمراد أنهم: يجتهدون فيما يرضى به من الأعمال، ولا يبالون في لومة من لامهم في شيء إذا كان فيه رضى ربهم وهذا من علامات المحبة الصادقة أن المحب يشتغل بما يرضى به حبيبه ومولاه ويستوي عنده من حمده في ذلك أو لامه.
الخامس: متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وطاعته وأتباعه في أمره ونهيه وقد قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (التوبة: 24) والمراد: أن الله لا يوصل إليه إلا عن طريق رسوله -صلى الله عليه وسلم- باتباعه قال ابن رجب ومحبة الرسول على درجتين أحداهما فرض وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به من الواجبات والانتهاء عما نهى من المحرمات ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة فهذا القدر لا بد منه ولا يتم الإيمان بدونه والدرجة الثانية: -فضل: وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة الراقية والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه واهتزاز القلب عند ذكره- وكثرة الصلاة والسلام عليه لما سكن في القلب من محبته وتعظيمه وتوقيره ومحبة استماع كلامه وايثاره على كلام غيره من المخلوقين ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا الفانية والاجتزاء باليسير منها والرغبة في الاخرة الباقية. أ. هـ..
ومن علامات محبة الله ورسوله:
أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله ويؤثر مرضاته على ما سواه وأن يسعى في مرضاته ما استطاع وأن يبعد عما حرمه الله ويكرهه أشد الكراهة ويتابع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويمتثل أمره. ويترك نهيه كما قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ ﴾ (النساء: 80) فمن أثر أمر غيره على أمره وخالف ما نهى عنه فذاك علم على عدم محبته لله ورسوله فإن محبة الرسول من لازم محبة الله كما تقدم فمن أحب الله وأطاعه أحب الرسول وأطاعه ومحبة الله تستلزم محبة طاعته فإنه يحب من عبده أن يطيعه والمحب يحب ما يحبه محبوبه ولا بد ومن لازم محبة الله أيضًا. محبة أهل طاعته كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده فمحبة ما يحبه الله ومن يحبه الله من كمال الإيمان ومن أحب الله تعالى أحب فيه ووالى أولياءه وعادى أهل معصيته وأبغضهم وجاهد أعداءه ونصر أنصاره وكل ما قويت محبة العبد لله في قلبه قويت هذه الأعمال المترتبة عليها وبكمالها يكمل توحيد العبد هذا وقدئها الله سبحانه عن موالاة أعدائه في مواضع كثيرة من القرآن وأخبر أن موالاتهم تنافي الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وأنها سبب للفتنة والفساد في الأرض وأن من والاهم ووادهم فليس من الله في شيء وأنه من الظالمين الضالين عن سواء السبيل وأنه مستوجب لسخط الله واليم عقابه في الآخرة والآيات في هذا كثيرة منها قول الله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1). وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ﴾ (المائدة: 51).
فمن أطاع الرسل ووحد الله لا يجوز له موالاة ومحبة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب قال تعالی: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (التوبة: 23) وفي النص على الاقارب دليل على أن مصادمة من سواهم من الكفار مطلوبة بطريق الأولى والأخرى وقال تعالى ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ﴾ (المجادلة: 22) قال البغوي رحمه الله تعالى: أخبر الله أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار وأن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر وإن كان من عشيرته. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يولد كافرًا فمن واد الكفار فليس بمؤمن. أ. هـ وقال تعالى ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113)، والركون: هو المحبة والميل بالقلب. إذا علم تحريم موالاة أعداء الله تعالى وموادتهم فليعلم أيضًا أن الأسباب الجالية لموالاتهم وموادتهم كثيرة جدًا ومن أقربها وسيلة مساكنتهم في الديار، ولا سيما في الأعمال ومجالستهم ومصاحبتهم وزيادتهم وتولى أعمالهم والتزيي بزيهم والتأدب بآدابهم وتعظيمهم بالقول والفعل وكثير من المسلمين واقعون في ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة بالنهي عما فيه تعظيم لأعداء الله تعالى. فمن ذلك بداءتهم بالسلام ومصافحتهم والترحيب بهم والقيام لهم وتصديرهم في المجالس والتوسيع لهم في الطريق لما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام- وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه».
وقد ورد النهي عن مجامعة المشركين ومساكنتهم في ديارهم لأن ذلك من أعظم الأسباب الجالية لموالاتهم ومحبتهم والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله -صلى الله عليه وسلم- «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» رواه ابو داود. ورواه الترمذي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم» وقوله -صلى الله عليه وسلم-، «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» رواه أبو داود والترمذي. فليتأمل المسلمون الساكنون مع أعداء الله تعالى هذه الأحاديث وليعطوها حقها من العمل فقد قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 17-١٨) فالحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله من أهم أمور الدين وأوثق عرى الإيمان وأفضل الأعمال عند الله وبالله التوفيق -وصلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم-.
عبد الله بن جار الله الجار الله
في رحاب القرآن
الفاتحة
توحيد وشريعة وسلوك
بقلم عبد التواب هيكل
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. أما بعد فان حديثنا هذا ليس تفسيرًا لفاتحة الكتاب فذلك أمر يحتاج إلى مجلدات وإنما هو نظرات خاطفة حول العملية التي يجب أن تنتجها البشرية في حياتها العامة والخاصة سواء في العبادات أو في المعاملات.
أو بعبارة أخرى: بيان السراط السوي الأوحد في العقيدة والشريعة والسلوك الذي يكفل لسالكه سعادتي الدنيا الآخرة أما من تنكبه أو أعرض عنه فقد باء بغضب من الله وضل ضلالًا بعيدًا.
أيها القارئ الكريم: لا شك أن كل من تدبر سورة الفاتحة -وكل مؤمن ومؤمنة مطالب بتدبرها في تلاوته عامة وفي صلاته خاصة- أدرك من غزارة المعاني وجمالها وروعة التناسق وجلالة ما يأخذ بلبه ويضيء جوانب قلبه ويزيده إيمانًا بأن قائل هذا الكلام هو صانع هذا الوجود وخالق هذا الكون العظيم ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفرقان: 6) وأن خلائق الأرض والسماء لا تستطيع أن تأتي بمثله أبدًا ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88).
أيها الاخ المسلم: ليس هدفنا كما ذكرنا أنفًا -تفسير الفاتحة ولكن هدفنا هو استنباط عقيدة المسلم وسلوكه من خلال آياتها السبع- هذا:
ويجدر بنا قبل البدء في ذلك أن تلقى نظرة سريعة على الاستعاذة وهي «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» منقول وبالله التوفيق: إن الاستعاذة ليست آية قرآنية ولكنها تنفيذ لنصوص قرآنية وردت في كتاب الله تعالى تأمر بالاستعاذة به سبحانه من نزغات الشيطان ونفثه ووسوسته وهمزه سواء شيطان الإنس أو شيطان الجن- ومن شر كل ذي شر في هذا الوجود: قال تعالى ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ﴾ (الأعراف: 200) وقال ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 97-٩٨) وقال: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾ (الفلق: ١-٥) وقال: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (1) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (2) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ (3) مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (4) ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ (5) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (6)﴾ (الناس: ١-٦).
ثم صدر أمر إلهي كريم بالاستعاذة به سبحانه من الشيطان الرجيم عند البدء في قراءة القرآن فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98).
لأن القرآن هو مصدر الهداية، أما الشيطان فهو مصدر الضلال وهو العدو الذي لا يفتا يتربص بقارئ القرآن بكل مكره وكيده ليثير في نفس القارئ ألوانًا من الشكوك الخبيثة حتى يفوت عليه الانتفاع بهدى القرآن ونوره.
أو يخرج به عن الهدف المقصود منه إلى مزالق أخرى بعيدة عن سراط الله المستقيم.
ومن هنا أمر الله تعالى القارئ أن يلجأ إلى ربه عند شروعه في القراءة بقوة المؤمن وعزيمته مستعيذًا به سبحانه من الشيطان ووسوسته مستقبلًا هدى الله ونوره بقلب واعٍ راسخٍ فإن فعل أعاده الله من الشيطان واضلاله. وأنعم عليه بالهداية إلى الحق، ووفقه العمل به والثبات عليه.
والآن ننتقل إلى الحديث عن الفاتحة بادئين بالبسملة أو التسمية وهي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ (الفاتحة: 1) «البسملة في أول كل سورة أشعاربأن هذه السورة من عند الله» ليس المقصود بالبسملة في أول أي سورة قرآنية هو مجرد التبرك أو الاستعانة فحسب بل المقصود بها قبل هذا هو التنبيه إلى أن هذه السورة وما يتلى فيها من آيات وما تشتمل عليه من أحكام، أو ما تتضمنه من ترغيب وترهيب أو أوامر ونواه أو قصص وعبر، ليست من عند محمد فما كان لمحمد ولا لغير محمد من أهل السماء أو أهل الأرض أو هم جميعًا مجتمعين أن يأتوا بها أو بمثلها، إنما هي من عند الله وحده وباسمه وحده وله وحده، أنزلها برحمته هدى ورحمه للعالمين. فهى بسم الله الرحمن الرحيم نزلت، ومن لدنه تعالى هبطت ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 4)، ﴿ الرَّحْمَٰنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن: 1)، ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفرقان:6).
«البسملة شعار المسلم».
ثم صارت البسملة بعد ذلك شعارًا للمسلم في كل أمر يأتيه، أو حركة يتحركها، حتى عند مضاجعة أهله أو تناول طعامه أو شرابه- كما هو ثابت في هدى المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الأحاديث المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم في هذا المقام قوله «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر، وفي رواية: فهو أجذم، وفي رواية: فهو أقطع، والمعنى في الجميع واحد».
ومن هذا الشعار الإلهي العظيم «بسم الله الرحمن الرحيم» ينطلق المسلم في ميدان حياته رابطًا أعماله كلها.
«من عادات وعبادات» باسم الله الذي وسعت رحمته كل شيء، فإذا حياته كلها عبادة يتجه بها باسم الله إلى الله راجيًا رحمته ومبتغيًا رضاه ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162-١٦٣).
«البسملة إظهار العجز وتبرؤ من الحول والقوة»
لا شك أن المرء حين يعنون عمله باسم الله فإنما يعترف بعجزه كبشر ويتبرأ من حوله وقوته مستمدًا قدرته وطاقاته من حول الله وقوته.
فهو يعمل عمله بأمر الله وإرادته وتوفيقه وقوته، يعمله باسمه إذ لولا الله لما فعله ولما قدر عليه، لأن الله هو الذي خلفه وأمده بالقوى الجسمية والعقلية والفكرية وبجميع الوسائل التي يستعين بها على إنجاز عمله ...، ثم هو أخيرًا الذي وقعه للإتيان بعمله على الوجه الذي أنجزه، ولو تخلت عنه رحمه الله وتوقيفه طرفة عين ما استطاع أن يتقن عملًا ولا أن يحسن صنعًا ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 96).
فالإنسان في حياته كلها، وفي كل ما يزاوله من عمل في دنيا الناس يحتاج إلى قوتين: إحداهما مادية يباشر بها عمله، وأخراهما روحيه يقوي بها روحه المعنوية، وكلنا يعرف ما للقوة المعنوية من أثر فعال في جودة العمل وحسن الإنتاج لذلك فإن المؤمن حين يعنون عمله باسم الله مع تفاعله وإيمانه بهيمنة الله على الوجود كله وتمول رحمته التي وسعت كل شيء، واستمداده من حول الله وقوته فإنه يأوى إلى ركن شديد، ويقبل على عمله مطمئن النفس ثابت العزم قوى الإرادة فيكون النجاح ويكون الانتصار.