; الوحدة والتعددية في العمل الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الوحدة والتعددية في العمل الإسلامي

الكاتب محمد ابو الفتح البيانونى

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 916

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 16-مايو-1989

تعدد اجتهادات العلماء مثل تعدد مناهج الأنبياء وشرائعهم من بعض الوجوه ووحدة ملتهم.

نستطيع أن نقرب بين الجماعات مثلما قرب أسلافنا أهل العقل وأهل النقل.

السعي إلى وحدة العمل الإسلامي وجمع الكلمة واجب شرعي على كل قادر.

مما لا شك فيه أن وحدة العمل الإسلامي اليوم أمنية كبرى وأمل منشود، تتطلع إليه النفوس المؤمنة في كل مكان، ولا سيما في مواطن المحن والشدائد.

 

إلا أن كثيرًا ما يقع المسلمون في الحيرة والاضطراب تجاه تحقيق هذا الأمل، وذلك عندما يواجههم واقع تعدد الجماعات الإسلامية العاملة، فتختلف مواقفهم منها، وتتنوع تحليلاتهم لها، وتبرز ردود الفعل والتعصبات مما قد يضعف الأمل في النفوس، ويزيد الحيرة في الأمر، فيستسلم كثير من المسلمين إلى اليأس تجاه هذا الواقع المؤلم.

 

كان هذا من أبرز الأسباب التي دفعتني إلى كتابة هذا البحث، ومعالجة هذا الأمر، حيث لم أجد فيه كتابة وافية، ومعالجة شافية، وهناك سبب آخر، هو إلحاح الحاجة إلى وضع الأسس النظرية والعملية لتحقيق هذا الأمل، فإن من العاملين للإسلام من يؤمن بضرورة وحدة العمل الإسلامي نظريًّا، ولكنهم لا يتمكنون من تطبيقه عمليًّا!

 

ومنهم من لا يستوعب فهم حقيقة تعدد الجماعات الإسلامية، فيسيئون إليها بتصرفاتهم ومواقفهم!

 

فكثيرًا ما تصور الشباب المسلم العامل للإسلام تعدد الجماعات الإسلامية العاملة في الساحة الإسلامية عقبة كؤودًا أمام تحقيق وحدة العمل الإسلامي، إذ كيف يمكن أن يكون هناك عمل إسلامي واحد مع وجود تجمعات وجماعات إسلامية متعددة؟!

 

وساعد على هذا التعجب واقع كثير من التجمعات الإسلامية الذي تسوده الفرقة والشحناء، وتحيط به الحزبيات البغيضة من كل جانب.

 

فإن مثل هؤلاء الشباب اليوم، مثل كثير من شباب المسلمين في الماضي الذين أساءوا فهم تعدد المذاهب الفقهية، والمدارس العلمية في حياة المسلمين، فقالوا: كيف تكون هناك مذاهب فقهية وآراء متعددة في مسألة شرعية واحدة وديننا واحد والقرآن، واحد، والسنة النبوية، واحدة؟!!

 

وساعدهم على ذلك أيضًا الواقع السيئ لبعض أتباع المذاهب المتعصبين لها والطاغين في غير مذهبهم.

 

وبقيت هذه الشبهة تدور في الأذهان، وتشغل بال بعض المسلمين، وتؤثر في مواقفهم العملية من المذاهب الفقهية وأصحابها، حتى قيض الله لهذه الأمة في ماضيها وحاضرها من أهل العلم من أوضح حقيقة الاختلافات العلمية، وكشف عن أسبابها، ورفع الملام عن أصحابها، وبين موقف المسلم منها.. وما أشبه مسألة تعدد الجماعات الإسلامية بهذه المسألة!

 

فإذا كان تعدد الآراء العلمية في المسألة الواحدة في الدين الواحد- أحيانًا- أمرًا طبيعيًّا وشرعيًّا لأسباب تعرف في محالّها(1) فإن تعدد الجماعات الإسلامية في الساحة الإسلامية في الإسلام الواحد أمر طبيعي وشرعي أيضًا، ولا سيما في هذا الزمن- كما سيأتي معنا في التمهيد هذا البحث- ولعلي أتمكن من خلال هذا البحث من وضع بعض الأسس النظرية والعملية لهذا الموضوع، فأكشف عن حقيقة تعدد الجماعات الإسلامية وأسبابها ودواعيها، محللًا سلبياتها وإيجابياتها، وأضع بعض المعالم الأساسية على طريق وحدة العمل الإسلامي، ذلك الأمل المنشود والله المستعان وعليه التكلان.

 

وقد جعلت بحثي هذا في تمهيد وموضوع وخاتمة.

 

التمهيد:

 

حقيقة تعدد الجماعات الإسلامية وأسباب نشأتها:

 

إن المتأمل في سبب تعدد الجماعات الإسلامية والمتفكر في طبيعتها يرى أنها تعود في كثير من الأحوال إلى اختلاف مناهج الدعاة وأساليب عملهم في العمل للإسلام، حيث يجتهد الدعاة والعالمون في وضع المناهج اللازمة لعملهم، واختيار الأساليب والوسائل الملائمة لدعوتهم، وذلك بحسب إمكاناتهم واجتهاداتهم فيختارون من ذلك ما يرونه أدعى إلى تحقيق الأهداف، وأقرب إلى الوصول للغايات، وذلك في ضوء النصوص الشرعية الثابتة، والمصالح الزمنية الراهنة.

 

وإن مثل تعدد اجتهاداتهم في ذلك مع وحدة الدين والقرآن والسنة، مثل تعدد مناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وشرائعهم- من بعض الوجوه- مع وحدة ملتهم(2).

 

فإن ملة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعًا واحدة، كما أن ملة الكفر واحدة، قال تعالى في بیان وحدة ملة الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّنِيْ هَدَانِيْ رَبِّيْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ دِيْنًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيْمَ حَنِيْفًا﴾(3) (الأنعام: 161).. وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيْمَ حَنِيْفًا﴾(4) (النحل: 123)، كما قال في بيان وحدة ملة الكافرين: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ ولا النَّصَارَى حتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾(5) (البقرة: 120)، وقال أيضًا: ﴿إِنِّيْ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ باللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِيْ إِبْرَاهِيْمَ وَإسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾(6) (يوسف: 37).

 

وإن مناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وشرائعهم متعددة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِن الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيْ مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخيَرْاَتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيْعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيْهِ تَخْتَلِفُونَ﴾(7) (المائدة: 48).

 

وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيْعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِيْنَ لَا يَعْلَمُونَ﴾(8) (الجاثية: 18) والفرق بين تعدد مناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع وحدة ملتهم، وبين مناهج الدعوة والعاملين مع وحدة دينهم ورسالتهم، هو في أن مناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي منزل معصوم عن الخطأ، وأن مناهج الدعاة والعلماء اجتهادات بشرية في ضوء الوحي تحتمل الخطأ والصواب، وتقبل المناقشة والنقد، ولكنهم في اجتهاداتهم تلك لا يعدمون أجرًا إن شاء الله على كل حال.

 

ابن تيمية واختلاف العلماء

وقد سبق إلى هذا التشبيه الإمام ابن تيمية رحمه الله، بعد أن تحدث عن وحدة الملة، وتعدد شرائع ومناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال في ذلك: «فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء، إذا قصدوا بها وجه الله تعالى دون الأهواء، ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم من الكتاب والسنة بحسب الإمكان بعد الاجتهاد التام: هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع والمناهج للأنبياء.

 

وهم مثابون على ابتغائهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك له وهو الدين الأصلي الجامع.

 

كما يثاب الأنبياء على عبادتهم الله وحده لا شريك له.

 

ويثابون (أي العلماء والمشايخ) على طاعة الله ورسوله فيما تمسكوا به من شرعة رسوله ومنهاجه، كما يثاب كل نبي على طاعة الله في شرعه ومنهاجه. ويتنوع شرعهم ومناهجهم مثل: أن يُبلَّغ أحدهم الأحاديث بألفاظ غير الألفاظ التي بلغت الآخر. وتفسر له بعض آيات القرآن بتفسير يخالف لفظه لفظ التفسير الآخر، ويتصرف في الجمع بين النصوص واستخراج الأحكام منها بنوع من الترتيب والتوفيق ليس هو النوع الذي سلكه غيره، وكذلك في عباداته وتوجهاته، وقد يتمسك هذا بآية أو حديث، وهذا بحديث أو أية أخرى.

 

وكذلك في العلم، من العلماء من يسلك بالاتباع طريقة ذلك العالم، فتكون هي شرعهم حتى يسمعوا كلام غيره ويروا طريقته، فيرجح الراجح منها.

 

فتتنوع فى حقهم الأقوال والأفعال السالفة لهم من هذا التوجه، وهم مأمورون بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، كما أمرت الرسل بذلك، ومأمورون بألّا يفرقوا بين الأمة، بل هى أمة واحدة كما أمرت الرسل بذلك، وهؤلاء آكد، فإن هؤلاء تجمعهم الشريعة الواحدة والكتاب الواحد.

 

وأما القدر الذي تنازعوا فيه، فلا يقال: «إن الله أمر كلًّا منهم باطنًا وظاهرًا بالتمسك بما هو عليه كما أقر بذلك الأنبياء- وإن كان هذا قول طائفة من أهل الكلام- فإنما يقال:

 

إن الله أمر كلًّا منهم بأن يطلب الحق بقدر وسعه وإمكانه فإن أصاب وإلا، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقد قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾(9) (البقرة: 286)، وقال الله تعالى: «قد فعلت»! وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾(10) (البقرة: 286).

 

فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه، فقد اعتدى، ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله، وينتصر لها بغير هدى من الله فقد اعتدى، واتبع هواه بغير هدى من الله.

 

ومن فعل ما أمر به بحسب حاله من اجتهاد يقدر عليه، أو تقليد إذا لم يقدر على الاجتهاد. وسلك في تقليده مسلك العدل، فهو مقتصد، إذ الأمر مشروط بالقدرة ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.(11) (البقرة: 286)

 

فعلى المسلم في كل موطن: أن يسلم وجهه لله وهو محسن، يداوم على هذا الإسلام، فإسلام وجهه إخلاصه لله، وإحسان فعله الحسن، فتدبر هذا، فإنه أصل جامع نافع عظيم.

 

أسباب التعدد

ويمكننا بعد هذه التجلية لحقيقة تعدد المناهج الدعوية أن نلخص أسبابها اليوم في ثلاثة أسباب أساسية، هي:

 

أ- طبيعة النصوص الشرعية المحتملة لأكثر من معنى، وتفاوت الآراء والاجتهادات البشرية في فهم أساليب العمل الإسلامي، المستقاة من مثل هذه النصوص، ومن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم.

 

 ولو دققنا النظر في هذا السبب، رأينا أن اتساع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه من بعده لتعدد الأفهام والاجتهادات أكثر من اتساع النصوص الواردة في الأحكام الشرعية.

 

فهناك مواقف يجعلها بعضهم من باب تصرفات الإمام والسياسة، ويراها آخرون من باب التبليغ والفتوى، وأخرى يعيدونها لتصرفات القاضي أو المفتي حسب فهم كل عالم أو مجتهد فيها، كما أوضحته في بحث «الأصالة والمعاصرة.. خصيصتان من خصائص الدعوة الإسلامية».

 

ومن مثل هذا وغيره من أسباب، اختلفت مناهج السلف العلمية، فكان منهم من يتمسك بالآثار، ويقلل من استعمال الرأي، وكان منهم من يتوسع في ذلك حتى تكونت مدرستا أهل الحديث، وأهل الرأي، وكان على رأس المدرسة الأولى أمثال الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، إلى أن تجسدت هذه المدرسة في شخصية الإمام مالك بن أنس- رحمه الله- إمام دار الهجرة.

 

وكان على رأس المدرسة الأخرى- مدرسة الرأي- أمثال الصحابي الجليل عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما إلى أن تجسدت هذه المدرسة في شخصية الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – (12).

 

ومن مثل هذا اختلفت مواقف السلف- رحمهم الله تعالى- من الفقه الفرضي أو التقديري، فكان منهم من يقره ويتوسع فيه. ومنهم من يرفضه ويتورع عنه، ويستدل كل طرف لرأيه بالأدلة النقلية والعقلية(13).

 

ومن مثل هذا أيضًا تنوعت مناهج السلف في التوسع أو الإقلال من الأخذ بالمباحات وتناول الطيبات فكان منهم من يتوسع في ذلك، ومنهم من يقل، واستدل كل طرف على منهجه ببعض الأدلة النقلية والعقلية(14).

 

إلى غير ذلك من مناهج قديمة وحديثة في مناهج المسلمين وطرائقهم شملت الجوانب الخاصة والعامة في حياة المسلمين.

 

ب- ومن الأسباب التي أدت الى تنوع مناهج المسلمين الدعوية اليوم غياب الوحدة السياسية في الساحة الإسلامية، المتمثلة في الخلافة الراشدة التي تحكم الأمة وتجمع الشمل، وترفع الخلاف.

 

وفى بيان هذا السبب يقول فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي- حفظه الله تعالى- في مقابلة أجرتها معه مجلة الإصلاح الصادرة في دبي، إحدى الإمارات العربية، وقد سئل السؤال التالي: عند الحديث عن الصحوة الإسلامية، تبرز بشكل لافت للنظر قضية تعدد الجماعات الإسلامية العاملة في ساحة الدعوة، دون أن يختفي الخلاف، وربما التنافر الذي يفصل بعضها عن بعض في أحيان كثيرة.. هل تعتقد أن ظاهرة التعددية ظاهرة صحية؟ وما هو المفهوم الصحيح الذي يجب أن يسود بين هذه الجماعات لتوظف طاقاتها مجتمعة فى خدمة مصلحة المسلمين كافة؟

 

فكان جواب فضيلته:

 

التعددية ظاهرة مفروضة، فرضها غياب فريضة كبرى من فرائض الإسلام، فإذا عدنا إلى الصدر الأول عهد النبوة المطهرة، وعهد الخلافة الراشدة التي أجمع عليها المسلمون، فلا نجد إلا جماعة واحدة، تحت قيادة واحدة، هي جماعة المسلمين تحت إمامة واحدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تحت إمامة الخليفة الراشد من بعده.

 

وظل العمل للإسلام على هدي جماعة واحدة وتحت إمامة راشدة واحدة حتى اختفت الخلافة الراشدة المبايعة بيعة شرعية من مسلمي الأرض، فقام أعلام الدعاة المصلحون المختصون بالدعوة إلى الله من أجل الإسلام، ومن ثم نشأت الجماعات وتعددت... أي أنه لا تعدد في الجماعات الإسلامية إذا كان المسلمون يعيشون تحت سلطان خلافة راشدة انعقدت ببيعة شرعية»(15) أما اليوم- وقد غابت الخلافة عن حياة المسلمين- فعلى الجماعات الإسلامية أن ينسق بعضها مع بعض، وأن يكون هناك قدر من التفاهم والتعاون بينها»(16).. إلى آخر حديثه الممتع المفيد.

 

ج- ومن الأسباب التي أدت إلى مثل هذا التعدد رغبة العاملين للإسلام في استيعاب أكبر عدد ممكن من المسلمين في إطار العمل الإسلامي وذلك حفاظًا على الشعوب المسلمة من الضياع. وصونًا لها عن مطامع الأعداء، وتجميعًا وتوجيهًا لجهودها نحو الأهداف المشتركة.

 

ولا يخفى على أحد مدى تفاوت أمزجة المسلمين ومشاربهم اليوم، وتعدد آرائهم واجتهاداتهم التي لا يمكن أن يستوعبها تنظيم واحد، أو تحكمها قيادة واحدة، ولا سيما في غياب الجماعة التي يعترف الجميع لها بالكمال، فينضوون تحت لوائها، ولا يجدون حاجة لوجود تجمعات أخرى مع وجودها.

 

وفى مثل هذا المعنى يقول الأستاذ الداعية أبو الأعلى المودودي- رحمه الله وهو يبين الأسباب الداعية إلى تشكيل جماعته الإسلامية ما نصه: (حاولت وحاول زملائي ممن يحملون معي فكرًا مشتركًا، حاولنا معًا خلال ثلاث سنوات، القيام بجمع الجماعات الإسلامية الموجودة في ذلك الوقت تحت ظل نظام واحد أو برنامج واحد يفي باحتياجات الدين الإسلامي بصورته الحقيقية، وكانت هذه المحاولة تهدف إلى تكوين وحدة مترابطة بين الجماعات القائمة، وبالتالي لا تكون هناك حاجة إلى تشكيل أية جماعة جديدة.

 

وللأسف لم تنجح محاولتنا، ولم يكن أمامنا من حل سوى أن جمعنا هؤلاء الناس الذين لا يقتنعون بطريقة عمل الجماعات الموجودة آنذاك. والراغبين في العمل طبقًا للأصول الإسلامية الصحيحة.

 

وهكذا في شعبان ١٣٦٠هـ، أغسطس ١٩٤١م عقدت اجتماعات لهؤلاء الناس، وبعد مشاورات واستشارات فيما بيننا، عقدنا العزم على إنشاء «جماعت إسلامي» أي «الجماعة الإسلامية»(17).

 

وإن مثل هذا السبب الذي أدى إلى قيام الجماعة الإسلامية قد تجده عند معظم الجماعات الإسلامية القائمة اليوم، مما يؤكد ضرورة تعدد الجماعات اليوم وحاجة المسلمين إليها.

 

وإذا كان المسلمون قد وفقوا في الماضي بعلماء أعلام، ودعاة صادقين، استطاعوا بإخلاصهم وجهودهم ووعيهم أن يقربوا بين مناهج مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي، كما فعل الإمام الشافعي- رحمه الله- وغيره، وكما فعل آخرون في مناهج أخرى.

 

فعساهم أن يوفقوا اليوم بأعلام مخلصين وعلماء عاملين، يقومون بأمثال تلك الجهود الكريمة بين العاملين للإسلام والجماعات المتعددة. فيتابعون جهود من سبقهم فى هذه السبيل. ويساهمون في ترسيخ الوحدة الإسلامية، والتقريب الممكن بين وجهات النظر المختلفة، فإن الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة إلى جماعات تتبني هذا الهدف، وتسلك السبل المؤدية إليه.

 

ومن عرف المستوى الذي وصل إليه بعض أصحاب المدرستين العلميتين في الماضي، أو بعض أتباع المذاهب الفقهية، من العداء والنفور، وتبادل التهم والطعون، وما وصلوا إليه بعد تلك الجهود الكريمة من تقارب وتفاهم فى معظم أحوالهم، هان عليه الأمر في هذه الأيام، وقوى لديه الأمل بالوصول إلى التقارب والتفاهم على جميع المستويات، فقد جاء في «ترتيب المدارك» للقاضي عياض رحمه الله تعالى: «قال أحمد بن حنبل: ما زلنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا، حتى جاء الشافعي فخرج بيننا».

 

قال القاضي عياض: «يريد أنه (أي الإمام الشافعي) تمسك بصحيح الآثار واستعملها، ثم أراهم أن من الرأي ما يحتاج إليه، وتبنى أحكام الشرع عليه، وأنه قياس على أصولها، ومنتزع منها، وآراهم كيفية انتزاعها والتعلق بعملها وتنبيهاتها، فعلم أصحاب الحديث: أن صحيح الرأي فرع للأصل، وعلم أصحاب الرأي أنه لا فرع إلا بعد أصل، وأنه لا غنى عن تقديم السنن وصحيح الآثار أولًا(18).

 

وفى ختام هذا التمهيد أحب أن أؤكد على أن السعي إلى وحدة العمل الإسلامي وجمع الكلمة بصيغة من الصيغ الممكنة، واجب شرعي على كل قادر، وذلك دفعًا للفرقة بين المسلمين، وتجميعًا لجهودهم من جهة، وتحقيقًا لوقوفهم صفًّا واحدًا أمام أعدائهم من جهة أخرى، فقد كفى المسلمين ما لاقوا من محن وويلات و يلاقون، بسبب تفرقهم وتباعد كلمتهم، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوْبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾(19) (آل عمران: 103)

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيْدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2).(20)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2059

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟