العنوان المجتمع الثقافي (1514)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1514
نشر في الصفحة 50
السبت 17-أغسطس-2002
الأدب الإسلامي ومذاهب الأدب الوافدة
بسبب التقليد للغرب. كان تطور الحركة الأدبية والثقافية في العالم العربي خلال القرن الماضي عبارة عن وثبات من مدرسة لأخرى. دون تسلسل منطقي أو تدرج طبيعي أو مراعاة للتطورات الاجتماعية والفكرية والثقافية
د. وجيه يعقوب السيد (*)
(*) جامعة الكويت
الحديث عن موقف الأدب الإسلامي من المذاهب الأدبية والنقدية الوافدة حديث مهم؛ لأنه يعكس وجهة نظر الأديب الإسلامي بوضوح فيما يتعلق بقضايا الأدب، كما يلقي الضوء على مفهوم الأدب في نظرية النقد الإسلامي. وبداية فإن نشأة أي مذهب فكري أو أدبي ترتبط دائمًا بالظروف الحضارية والفلسفية والاجتماعية التي ينشأ في ظلالها.
فالواقعية كانت رد فعل وثورة على المذهب المثالي الذي كان يرى الأشياء على غير حقيقتها. وارتبطت نشأة الوجودية بحالة التمزق والضياع والفوضى التي كان يعيشها المجتمع الأوروبي، وكذلك كانت الواقعية الاشتراكية تعبيرًا عن المجتمع الصناعي الجديد، وتجسيدًا المشكلات الطبقة العاملة، وتكريسًا للصراع العنيف بين طبقات المجتمع المختلفة، وحين ظهرت الطبيعية فإنها ظهرت على أنقاض الواقعية. ويؤمن أصحاب هذا المذهب بأن المسيطر على البشرية هو حقائق حياتها العضوية كالغرائز وحاجات البدن المختلفة، وأما الروح فمظاهر ثانوية لا سلطان لها على البشر، ومن هنا يردون تصرفات الإنسان إلى عمل الغرائز الغامض.
ويراجع في هذا الصدد ما كتبه الناقد المعروف الدكتور محمد مندور في أكثر من كتاب، وقد عاش في أوروبا وخبر هذه المناهج والمذاهب عن كتب!
ويلاحظ أن هذه المذاهب الأدبية والنقدية الوافدة، لم تحتفظ بأهم ملامحها عند أصحابها حين نقلت إلى اللغة العربية-بل فهمها الأدباء-العرب على طريقتهم-فالواقعية لم تكن تعنى عند أصحابها الاهتمام بالواقع فحسب، ولكنها تمثل رؤية واضحة في العالم ووجهة نظر خاصة في الكون، فهي: تنظر إلى الإنسان على أنه شر محض وأن الأصل فيه هو الشر. ولذلك أسرفت الواقعية الغربية في تصوير لحظات الضعف والشذوذ البشري، كما قطعت الصلة بين الإنسان وخالقه واهتمت بحاجات الإنسان المادية فحسب.
وعلى هذا، فإن المذاهب الأدبية والنقدية، تنبثق عادة عن النظم الاقتصادية والفلسفية والاجتماعية. وليس بالضرورة أن تكون هذه المذاهب مناسبة لمجتمعنا وبيئتنا ما دمنا لم تمر بالظروف نفسها. فمن المعروف أن لكل ثقافة وسائلها الخاصة بها في التطور، والتي لابد أن تنبع من طبيعة المجتمع ومنظومة قيمه، وهذا لا يكرس مبدأ التفتيت أو الصراع، ولكنه يدعو إلى احترام خصوصية الثقافات المحلية.
وثبات... لا تطور
لقد لاحظ كثير من الدارسين الجادين للأدب العربي مثل الدكتور محمد مصطفى هدارة. والدكتور شكري عياد والدكتور عبد السلام المسدي وغيرهم -أن تطور الحركة الأدبية والثقافية في العالم العربي في القرن العشرين كان عبارة عن وثبات من مدرسة إلى مدرسة أخرى دون تسلسل منطقي أو تدرج طبيعي، وأن هذا التطور لم يأخذ في الحسبان التطورات الاجتماعية والفكرية والثقافية، ولا شك أن هذه الوثبات قد أصابت الأدب العربي في مقتل ووصمته بالتبعية والتقليد، ولذلك ينبغي مراعاة فروق الثقافة والبيئة، وضرورة وجود منهج نقدي عربي له خصائصه التي تناسب أدبنا، وأن ينظر الأدباء والنقاد بحذر إلى ما يفد إلينا من مناهج فكرية ونقدية، وأن يخضعوا هذه المناهج لعملية تقويم مستمرة من أجل التمييز بين ما يناسبنا منها وما لا يناسبنا. ومن الضروري أن ننظر في المذاهب الأدبية الوافدة نظرة متأنية، نتأمل عوامل نشأتها، وأسباب انتشارها وعوامل انحسارها والظواهر التي صاحبتها، والقضايا الفكرية التي حملتها، والتصورات التي قامت عليها، وارتباط ذلك كله بالعقيدة، ثم نحدد موقفنا من هذه المذاهب بعد ذلك.
وعلى هذا فإن الأدب الإسلامي، ينطلق من موقف واع ورؤية واضحة، إذ يرفض بشدة ما يتعارض من هذه المذاهب الأدبية الوافدة مع طبيعة التصور الإسلامي، ويرفض كذلك النقل غير الواعي واللا مشروط عن الآخرين، لأن هذه المذاهب لا يمكن نقلها من تربة وغرسها في تربة أخرى غير ملائمة.
لقد أخذ النقاد الإسلاميون على بعض أدبائنا المعاصرين نقلهم اللا مشروط عن المناهج الغربية دون مراعاة للاختلافات الجوهرية في اللغة والدين والعادات، وذلك بزعم عالمية الأدب، وإمكانية تطبيق المعايير النقدية على أدب أي أمة، ولا شك أن هذا الزعم باطل وغير صحيح، لأن لكل أمة ثقافتها الخاصة وذوقها الشخصي. وما يستحسنه الغرب ليس من الضروري أن نستحسنه نحن كما أن النقاد البارزين يجمعون على أن العالمية لا تعني الذوبان وفقدان الهوية، والتنازل عن ثوابتنا وشخصيتنا، ولكنها تعني الاهتمام بالمحلية وبالذات الشخصية للقطر والإقليم والأمة.
تأثير سلبي على الأدب العربي
لقد كان تأثير المذاهب الوافدة على الأدب العربي سلبيًا في كثير من الصور، حيث سار الأدب العربي في ركاب الآداب الأخرى، وصور أدباؤنا أنماطًا شاذة ومنحرفة من البشر، ليس لها وجود في عالمنا الإسلامي، وذلك بسبب التأثر بهذه الأنماط الشاذة التي يمتلئ بها الأدب الغربي، فالصورة النمطية للبطل الذي لا يفارق الخمر، أو يراقص الأجنبيات، وصورة الصداقة بين الشاب والفتاة، وغير ذلك لا وجود له في المجتمع الإسلامي الذي وضع من الضوابط والقوانين ما يضمن سلامة الفرد والمجتمع.
وقد أشار كبار نقادنا إلى خطورة ذلك على أدبنا ومجتمعاتنا، وحذروا من الاستمرار في التقليد والنقل، فالدكتور مصطفى هدارة-يرحمه الله - يرى - على سبيل المثال-أن تأثير المذهب الرومانسي في الشعر العربي الحديث كان تأثيرًا على جانب كبير من الخطر، إذ كان مفهوم الحرية فيه إطلاق النفس لشهواتها ونوازعها في غيبة العقيدة الصحيحة والقيم الإسلامية الأصيلة. والتقاليد القويمة، كما كان مفهوم الذاتية إشاعة للتشاؤم والحزن والانسحاب من المجتمع بقضاياه، والهروب من المشكلات الواقعية وتفضيل العزلة، وكما تأثر الشعر العربي بتلك الحركات الوافدة، فقد تأثرت الرواية بها. فصورت المجتمع مثلًا بالشرور والآثام، تموج فيه نوازع الشر.
على أنه ينبغي أن نلاحظ أن الأديب الإسلامي لا يرفض الآداب الوافدة جميعًا، ولا يقول بذلك. فهو صاحب نظرة متفتحة وواعية، لكنه يرفض ما يتعارض من هذه الآداب مع التصور الإسلامي وفي الوقت ذاته لا يرى بأسًا من اقتباس ما يتلاءم من هذه الآداب مع طبيعة هذا التصور، فإذا كانت الواقعية تهتم. من بين ما تهتم به-بالواقع وقضاياه، فلا بأس بذلك، فإن الإسلام يأمرنا بالاهتمام بالواقع، ويدعونا إلى الاهتمام بأمر الناس ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم.
ولا شك أن هذه النظرة العميقة الواعية، تؤكد أن الأدب الإسلامي، ينطلق من رؤية واضحة ويقف على أرض صلبة، كما أنه يؤمن بالوسطية فهو يرفض التبعية للمذاهب الغربية، لأن في هذه التبعية خنقًا لأدينا وخصوصيتنا، وفي الوقت نفسه لا يرى بأسًا من الانتفاع بما يتوافق مع التصور الإسلامي، وذلك من منطق القوة والوعي. لا من منطق الضعف والتقليد، ولعل هذه النظرة المتوازنة تعد بادرة طيبة تستحق أن تحظى بالاهتمام والمؤازرة من النقاد المعاصرين مهما كانت انتماءاتهم، لأنها تفتح الطريق أمام منهج أدبي له خصوصيته وشخصيته المتميزة.
واحة الشعر
القادمون غدًا
إلى القادمين على جياد المجد والعزة
شعر: عماد علىّ قطريّ (*)
(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
لجيل من رُبي طيبة
أحث الخطو مرتقبًا
خطى الفاروق ممتطيًا
دروب المجد للأقصى
والنصرةْ
أرى جيلًا تربى في رُبَى الآيات
يحفظها..
يطبق شِرْعَة دُرَّةْ
أراه يرتل الأنفال
كرَّارًا
صبورًا ساعة العُسْرَةْ
أرى جيلًا يعاهد ربه ليلًا
على الطاعةْ
ويقرأ في دجى الأسحار آيات
ترقق قلبه خوفًا
وتعلي شأن أسماعهْ
أرى جيلًا يردد في صفاء النفس
أمنية بها المختار أخبرنا
غدًا نلقى يهود الحقد
نقتلها
نشتت شمل أتباعه
أرى جيلًا ينادي في الورى عِزَّةْ
أرى بدرًا
أرى خيبرْ
أرى مؤتةْ
أرى حطين زلزلةْ
تدك الأرض من هِزَّةْ
وذي غَزَّةْ
تسوق الموتَ أصنافًا
لعلجٍ غاصبٍ أحمقْ
أرى جيلًا يعادي الجر والكسرةْ
ويأبي أن يضاف اليوم للكثرةْ
وراء السلم منتظرًا
خروج اللص مندحرًا
سلام الخزي والعار
على المفعول منصوبًا
ومفتوحًا... ومطروحًا على النار
ويا جيلًا رأى المفعول منصوبًا
على أعناق مدريد الهوى... أسلو
حذارِ... فذيل الكلب لن يسلو
حذارِ... لا... وكن فاعل
تكن أعلى.
مرفوعًا... ومضمومًا
لركب للفدا «مشعلْ»
ويا صبحًا
بدرب القدس أرهقه
ضجيج الجند والمدفعْ
غدًا نرفعْ
لواء الحق خفاقًا
فلا تحزن ولا تألم ولا تدمعْ
فإنا لا... ورب البيت
لن تركعْ
سوى للخالق الأوحدْ
ولن نرضى...
القدس الحق أن تخنع
لحقد غادر أسودْ
ولن نرضى...
لمسرى المصطفى يخضع
وفيه الحائط الأسعد
ولن نرضى...
قراءة نقدية: في «حواريات الأرض والقمر» لنافذة الحنبلي
حَيدر قُفه
في ليلة.. حواريات الأرض والقمر-للأديبة نافذة الحنبلي عمل أدبي فريد ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنه عمل غير مسبوق - فيما وصل إليه علمي. فلا هو بالرواية، وإن كان يحمل من مقومات تقنيتها شيئًا غير قليل، ولا هو بالقصة، وإن كان فيه بعض زهمها - بالهاء وليس بالخاء - ولا بالشعر وإن كان فيه بعض نبضه، إلا أنه يحمل الكثير من الخيال الخصب، والروح المتمردة والحزن النبيل، والجرأة المستوفزة ولا يملك القارئ إلا أن يتابع صفحاته بشيء من الترقب، ولا تعوزه الإثارة، ولا سيما وهو يدرك أن هذا العمل جزء من حياة الكاتبة نفسها، شاعت ام ابت ظهرت واضحة، أم-خلف كلماتها اختفت.
وهو العمل الأدبي الأول للأديبة، بما يحمله العمل الأول من خصوصية السيرة الذاتية التي يمتطيها كل أديب في مطلع مسيرته الأدبية، ولا يملك الفكاك منها، ربما لأنها المتكأ الذي يتوكأ عليه قبل أن يشتد عوده، ويصلب قوامه، فيقف على أرضية فنه بقوة وصلابة، تمكنه من الفكاك من أسر حياته الخاصة.
وهو العمل الأول بسلبياته وهناته التقنية والفنية واللغوية والنحوية ويغفر ذلك كله عثرات البداية التي لم ينج منها أحد، حتى قال العماد الأصبهـاني «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان. يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر».
يقوم العمل الأدبي هذا على تخيل علاقة غرامية بين القمر والأرض القمر بعلوه وشموخه ونوره وهيمنته وإحاطته، «وهي صفات رمزية لكل ذكر تتمناه أنثى» والأرض بسعتها وعطائها وصبرها وحنانها ودقتها «وهي صفات رمزية لأنثى متمناة»، فالحبيب والمحبوبة يملكان صفات مثالية جعلت منهما ثنائيًا متناغمًا، وربط الحب بينهما. يلتقيان في "ليلة"، ولليل رمزيته، ويجري بينهما حوار طويل يستغرق الليلة كلها، الأرض تشكو من بعض بؤر في جسدها والقمر بدوره يكشف بؤرًا أخرى، ويظل الحوار ممتدًا بين شكوى أسقام وتأوهات أحزان ودموع أسى، وكل منهما يطرح رؤاه وفلسفته، فيوافقه الآخر أو يختلف معه، لكن هذا الاختلاف لا يفسد للود-بل للحب -قضية فترى كل واحد منهما يأسوا جراح الآخر، ويهدهد احلامه، ويدغدغ مشاعره بكلمات الحب والشوق.
ومن خلال هذا الحوار، تتجول بنا الأديبة في أماكن عدة من الكرة الأرضية عارضة مأساة كل بقعة، وما حل بشعبها، وموقف هذا الشعب فهي طروحات سياسية وفكرية واجتماعية تبثها نافذة الحنبلي في عملها الفريد هذا، فهي في فلسطين ونكبتها وانتفاضتها ومقاومتها الاحتلال البغيض. وفي لبنان الأرز ومحنة الحرب الأهلية الطاحنة بين أبنائه، وفي مصر والسودان، وليبيا، وإفريقيا. وأوروبا إلخ ما هنالك من بلدان رأت فيها ما يؤذي ومن خلال هذه الجولات طرحت طروحات كثيرة فكرية واجتماعية وسياسية وثقافية وحضارية، وفي كل تبين وجهة نظرها ورؤاها لذلك. تلك الرؤى التي قد يتفق معها القارئ أو يختلف.
والملاحظ على الأديبة أنها تملك ثقافة واسعة، بنت بعضها خلال تضاعيف الكتاب، كما تملك جرأة عجيبة في طرح موضوعات الجنس، وإن كانت تسمو في أحايين كثيرة إلى ذروة «الرومانسية».
ولا يعوز القارئ اللبيب فهم ما تعنيه الكاتبة من خلال المعجم اللغوي للكاتبة نفسها، والألفاظ على لسانها، وأيم الله إنه لأبرع الأكثر دورانا كاشف عما استتر في أعماق النفس، ومكمن السر لكل كاتب من حيث لا يدري.
ومع ذلك فهي تطرح طروحات قد تجر عليها البلاء من النساء، لكنها تبقى في النهاية عقيدتها المستمدة من كتاب ربها، وسنة نبيها، والموروث من حياة الصالحين من أجدادها الأوائل. فهي تؤمن يتعدد الزوجات مثلًا، ولا تمانع في ذلك «ص ۱۰۲» وتؤمن بأن المرأة العاقلة عليها أن تخطب الرجل الكف بنفسها، ولا تنتظر أن يتقدم هو لخطبتها «ص ٦٨» وغيرها من الأفكار الجريئة.
إلا أن هذا العمل-وكما قلت سابقًا. فيه هنات لغوية ونحوية، والعتب فيها على غيرها!! إلا أن هنات أخرى يستطيع القارئ أن يسجلها، لكن يغفر ذلك لها أنه العمل الأول، مثل عدم وجود عنوانات في الكتاب كله من أوله إلى آخره، ومثل التكرار في بعض طروحاته كالانتفاضة في فلسطين، والحرب في لبنان وغيرها من الأماكن التي عادت إليها أكثر من مرة، مما يوحي بأن أجزاء الكتاب كتبت على فترات متباعدة، وتكرشار الحوادث المفجعة التي رأت الكاتبة ضرورة الإتيان عليها مع صعوبة العودة إلى إدماجها مع ما سبق في موطنها الأول.
كما لاحظت «اللا إسلامية»، في بعض الطروحات كاللعن والانتحار، فضلًا عن بعض التناقض في التصور، وإلا فكيف يرتطم رأس الأرض بهضبة الجولان «ص ۸۳»، أو تسند الأرض ظهرها إلى إحدى قاراتها «ص ۱۲۳»، أما الخطابية فقد كانت واضحة، وإن جاءت على شكل حوار، لكن الالتفات للقارئ وتوجيه الكلام المباشر إليه رفع نبرة الخطابية.
ومع هذا، فإن الأديبة نافذة الحنبلي، تملك من مقومات العمل الروائي الناجع الكثير، فهي تملك النفس الطويل الذي يمكنها من رسم الشخوص وتنمية الحدث، وصولًا إلى العقدة، ومن ثم الحل. وتملك الخيال الخصب المعطاء الذي يتيح لها التوليد والإبداع، كما تملك الجرأة في طرح ما يعتمل في نفسها، ولكنها في هذا العمل، إن ضلت طريق الرواية - والحقيقة أنها لم تدعه -فحسبها أن كتابها كلمات قلب مترع بالأحاسيس والمشاعر.
وإن كان لي أن أنصح الكاتبة فانصحها بأن تتجه نحو الرواية ولتأخذ إجازة من نفسها، فلا تزاول الكتابة الآن، ولكن تعكف على قراءة مجموعات روائية لروائيين ناجحين راسخي الاقدام في هذا الفن، ولا تقترب من الروائيين الذين يعلنون راية التجريب، فهؤلاء أوجدتهم. في الساحة ظروف غير مهارة الأدب.
فإذا عكفت على قراءة الروايات الجيدة، لكتاب مجاويد، مع دراسة بعض تقنية الرواية تكونت لديها الملكة الروائية، وعندي ثقة كبيرة بأنها ستنجح إن شاء الله.
الرواية الإسلامية بين: الرحلة المشرقية والرحلة المغربية (3-4)
تفشي الفساد في الشرق يحجب القيم النبيلة
يمثل «أندي» شخصية المسلم الذي يواجه المتاعب بالاستغفار ويسعى إلى كشف الشر والأشرار
د. حلمي محمد القاعود
«عبد الكريم مطرب الجاز الأمريكي السابق الذي كان يدعى «تومي»، كانت قصة إسلامه عامل تحول في شخصية «وليد» إلى شخصية سوية إسلامية، فقد دعاه عبد الكريم إلى الالتزام بالإسلام، مع أنه أولى منه بذلك، ثم شرح له كيف بدت الحضارة الغربية زائفة تتجه إلى الحضيض، بعيدًا عن هدى الله تعالى.
أسلم عبد الكريم بعد وفاة رفيق رحلته الفنية «هارولد». وكان شابًا قويًا، وافر النشاط، ولكنه توفي فجأة، مما اضطر عبد الكريم إلى زيارة طبيب نفسي، وتعاطي المهدئات حتى هداه الله إلى أحد المراكز الإسلامية واطلع على القرآن الكريم، وبعض الكتب الإسلامية، فاقتنع بالإسلام وصار داعية له.
هناك بعض الشخصيات الأخرى تؤدي أدوارًا ثانوية في بناء الرواية مثل «بهاء حناء». العربي المعادي للإسلام، وكونه عربيًا أعطاه قدرًا من التأثير لدى الجمهور، فضلًا عن تضييقه على كثير من الطلبة العرب الذين رفضوا البحث معه في الموضوعات التي تثير الشبهات حول الإسلام.
وهناك شخصية الثري العربي «أبو فهد» الذي تبرع لشراء أرض وبناء مسجد عليها في الولاية الأمريكية، بدافع إيماني، حيث تذكر لحظات الألم التي مر بها أو مرت به وهو في المستشفى وتمنى لو عاش صائمًا متصدقًا، فقد كاد يودع الحياة دون أن يفعل شيئًا ذا قيمة يقربه إلى ربه.
في رواية «مهما غلا الزمن» يمثل «أندى» الشخصية المحورية، وهو شاب متدين ملتزم «يشبه عبد المحسن في الرواية الأولى»، ينزح من القرية في منطقة «صولو» إلى العاصمة «جاكرتا»، ليلتحق بعمل بسيط بعد. جهد جهيد، ولكنه لا يهنا بالوظيفة، لأن رئيسه في العمل يدبر له مكيدة يدخل على إثرها السجن بسبب نظافته أكثر من اللازم وتستطيع أمه العجوز «إيبو فضيلة» أن تذهب إلى صاحب العمل «السيد غزالي»، وترجوه أن يسعى إلى إطلاق سراح ابنها البري، ويمثل «أندي» شخصية المسلم الذي يواجه المتاعب بالاستغفار والاستعاذة من الشيطان الرجيم، ومن الوساوس التي تجعله ضعيف الإيمان بربه، وضعيف العزيمة في مواجهة ظروف الحياة القاسية.
ويؤدي «أندي» واجبه في كشف الشر والأشرار، ويخبر السيد غزالي أن مدير المستودعات ووكيله يزوران في بعض المستندات ويختلسان. وأن الحريق الذي اتهم به «أندي» قام به المدير ليبعد التهمة عن نفسه من ناحية وليتخلص من شخص نظيف من ناحية أخرى.
وتدين «أندي» يجعله يسعى لدى السيد غزالي من أجل توسيع المصليات في المصنع وترتيب موعظة أو درس أسبوعي للمصلين وحين يخبره صاحب المصنع أنه يكثر من الطلبات يرد عليه أنه لا يطلب شيئًا لنفسه، ولكنه يريد مواجهة الآخرين الذين ينشطون في إندونيسيا لنشر مذاهبهم الباطلة وعقائدهم المزيفة.
و«أندي» من الشخصيات التي تواجه الواقع بصبر، ويستفيد من خبرة أبيه ومن دأب أمه ويطوي الماضي وراءه، ولا يشغل نفسه بغير المستقبل. لقد كان يخطط للزواج من الفتاة «نور حياتي»، ولكنها حين تقرر البقاء في الخليج وتدعوه كي يلحق بها، يستخير ربه، ويبقى في جاكرتا، ويتزوج من فتاة أخرى طيبة تقاسمه عناء الحياة ومتاعبها، وتبني معه عشًا سعيدًا. فالفتاة سارينا تملك من الصفات الطيبة مثلما يملك زوجها أندي الذي يخشى دائمًا من الوقوع في الحرام.
أما «نور حياتي»، فهي أيضًا، فتاة طيبة ومتدينة وتحفظ القرآن الكريم، ولكنَّ الظروف اضطرتها إلى السفر للعمل خادمة لدى أسرة ثرية، وتختبرها الأسرة أكثر من مرة فتعلم أنها أمينة. إن نور حياتي نموذج للألوف من الفتيات اللاتي يدفعهن فقر أهلهن إلى مغادرة إندونيسيا والعمل في مهن متواضعة لقاء لقمة العيش وتوفير بعض المال للعائلة أو المستقبل ومعظمهن يلتزم بالدين والعمل في إخلاص.
وهناك شخصيات أخرى ثانوية في رواية مهما غلا الثمن، تقوم بمهمة الكشف عن بعض جوانب الحياة في إندونيسيا أو معاناة أهلها، مثل مأمون والد أندي الذي يقوم بالزراعة البسيطة، وبعض الأعمال المتواضعة من أجل توفير الحد الأدنى للعيش، ولكنه يستدين بالربا، مما يجعل حياته صعبة وقاسية، وتضطر زوجه «إيبو فضيلة» والدة «أندي» إلى ترك القرية والذهاب إلى العاصمة كي تعمل شبه خادمة لتوفر بعض المال لتسدد ديون زوجها، وتقف إلى جانبه في شهامة ونيل كي يجتاز المحنة، وخاصة بعد أن مرض بالداء الذي اقتضى بتر ساقه كي يظل على قيد الحياة.
كما تقف بجوار ابنها «أندي» سندًا. له في المواقف التي يمر بها ويتعرض لها.
وهناك شخصية «يجو» صديق «أندي» الذي يعيش في القرية، ويقوم ببيع حبات الأناناس للمسافرين نظير اقتسام ثمنها مع «مأمون» والد «أندي». ويبدو «يجو» متأثرًا بمأمون في سلوكه وأخلاقه، وينقل لأندي أخبار شقيقته «نور حياتي». وهو بصفة عامة همزة وصل بين أندي والقرية التي طال غيابه عنها بسبب عمله في العاصمة.
أما الشخصيات الشريرة، فعلى رأسها شخصية «سودرمان»، مدير المخازن الذي يختلس ويزور في الأوراق الرسمية، ويدبر الحريق الذي دخل «أندي» بسببه السجن، ثم إنه يشير على السيد غزالي بالاستيلاء على بيوت الفقراء الملاصقة للمصنع، ويقترح عليه أن يتم ذلك عن طريق إشعال النار فيها فيضطرون إلى الهروب منها وتركها، بيد أنه يختلف مع نائبه حول خططهما الشيطانية والعائد منها، فيفضح كل منهما الآخر، وتكون النهاية التي يستحقها كل منهما.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل