; أين أخوة الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان أين أخوة الإسلام؟

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1985

مشاهدات 70

نشر في العدد 708

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 12-مارس-1985

         إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا وبعد:
فلقد صليت فجر الجمعة قبل شهرين تقريبًا وكنت إمامًا في إحدى كتائب المهاجرين الأفغان وكان القوم قرابة ثلاثمائة، فقرأت في الركعة الأولى سورة «ألم السجدة» حسب السنة ثم سجدت فانسحب حوالي خمسة وسبعون مجاهدًا من الصلاة وأخذوا يسخرون منا ويقولون انظروا! إنهم يصلون الصبح ثلاثًا.
وبعد أن أتممت صلاتي وسلمت نظرت فإذا أحد الشباب العرب المتحمس للجهاد، ولم يصل إلى أرض الجهاد إلا بعد أن بلغت القلوب الحناجر، وكان صحبه ومن حوله يثبطونه طيلة سنتين ماضيتين قائلين له الكلمة التي يرددها الذين لا يعلمون: «إن الجهاد الأفغاني بحاجة إلى مال وليس بحاجة إلى رجال».
قلت له: هل الجهاد بحاجة إلى رجال؟ كم تحمل الذين ثبطوك عن المجيء من إثم؟ وكم حملوا من وزر؟ فرد علي والألم يعصر قلبه: لا حول ولا قوة إلا بالله.
إن الدعاة إلى الله في كل مكان بحاجة شديدة لأن يراجعوا موقفهم من الجهاد الأفغاني.. عليهم أن يتفكروا في أنفسهم ويتدبروا فيما بينهم.. ماذا يمكنهم أن يقدموا للجهاد الأفغاني؟
إن الجهاد الأفغاني على مفترق طريق... إما أن ينتصر بإذن الله فيبدأ الخط البياني في حياة المسلمين في العالم أجمع في الصعود، ويعيد الثقة إلى نفوس الشباب والأجيال التي كادت تصل إلى حافة اليأس ووصلوا إلى حد الاستيئاس، بعد أن منيت بهزائم كثيرة وفي مواقع عديدة لحكمة يريدها الله، تأديبًا للنفوس كلما حادت عن منهج الله أو خالفت النواميس الإلهية في سلوكها وحياتها.. ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. (آل عمران: ١٦٥) وانتصار الجهاد الأفغاني بداية خط التحول التاريخي بالنسبة للمسلمين خاصة وللبشرية جميعًا؛ لأن الإنسانية تتضور في دياجير الظلام وتتخبط في وحدة العدم وتنتظر من يخلصها من شقوتها وضياعها. وانتصار الجهاد الأفغاني بداية الأفول للإمبراطورية الروسية ومسمار في نعش الشيوعية الدولية.
وانتصار الجهاد الأفغاني رفع لدار الإسلام إلى مصاف الدول العالمية، ووضعه في قائمة حساب الدول الكبرى، التي لا تنظر إلى الإسلام والمسلمين الآن إلا كسقط المتاع. وانتصار الجهاد الأفغاني إقامة أول قاعدة إسلامية صلبة تكون منطلقًا للصادقين وحصنًا حصينًا للمخلصين، ودارًا للإسلام يأوي إليها الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن قالوا: ربنا الله.
وانتصار الجهاد الأفغاني قطع لأطماع الذئاب التي تتربص بالمسلمين في كل مكان، وتراها كغنم في ليلة شاتية لمن افترس، وفرائس سهلة لكل من اصطاد.
وانتصار الجهاد الأفغاني فتح كبير في حل مشاكل المسلمين التي وصلت إلى طريق مسدود في نظر الكثيرين، وانطلاقة مباركة للذين يتململون ويبحثون عن المخرج سواء في فلسطين أو الفليبين أو لبنان أو كشمير أو أريتريا.
وانتصار الجهاد الأفغاني وقيام دولة قوية في أرضه هو الضمان الوحيد- بإذن الله- لإيقاف طوفان الشر الذي يتهدد العالم الإسلامي، ويطلق مؤشرات الخطر الذي يزلزل كيان الأمة المسلمة، ويتهدد عقيدتها وتراثها وقيمها وأبطالها وصفوة قادتها الأوائل الذين تعتز بهم.
كل هذه الآمال العريضة ستنهار- لا سمح الله- إذا انهار الجهاد الأفغاني، ودعك عن الشعب الأفغاني الذي يمثل الرصيد الضخم والكنز المدخر للأمة المسلمة، لأنه خامة طيبة صالحة لم تفسد طبيعتها ولم يتلف كيانها بالترف والثقافة الغربية السامة المخدرة لكيان الأمم.
يقول إقبال: «إن وسط آسيا كالجسم الحي... وأمة الأفغان هي قلبه النابض بالحياة... والقضاء على الأفغاني يعني القضاء على هذه القارة الضخمة في نموها وازدهارها... وما دام القلب طليقًا حيًّا فكل الجسم يتمتع بالعافية وإلا فإنه يصبح كالريشة في مهب الريح».
ويقول شكيب أرسلان: «لعمري لو لم يبقَ للإسلام في الدنيا عرق ينبض لرأيت عرقه بين سكان الهملايا والهندوكوش نابضًا وعزمه هناك وامضًا». إن الاكتفاء بالنظر إلى قوافل الشهداء التي تقدم يوميًّا فوق ذرى الهندوكوش والنظر إلى الجماجم المتناثرة واللحوم المطحونة تحت قذائف 3.M21 B.M13  والحمم من الكتل الحديدية من قذائف طائرات الميج والسوخوي والمدافع المركبة على دبابات ت ٥٢، ت ٦٢... أقول إن الاكتفاء بالحوقلة والاسترجاع إزاء هذه المآسي وقوافل الشهداء اليومية تحت أسماعنا وأبصارنا جريمة لا يقبلها دين ولا عقل ولا منطق... ولا أظن بيتًا واحدًا في أفغانستان قد خلص من تقديم التضحيات، ففي كل دار تجد مأتمًا... فهذه أرملة فقدت أولادها وزوجها، وهذا شاب قد فقد نصف أعضائه، وهذا بيت لم يبقَ فيه إلا بنت صغيرة بعد أن أتت القنابل على بنيانه من القواعد... وهذه عائلة قد خر عليها السقف من فوقها ولم يبقَ فيه سوى يتيم... وهكذا دواليك... وتدخل القرية فيعجزك البحث أن تجد سقفًا سليمًا قائمًا على جدرانه.
إن خطة الروس منذ أن جاء شيرننكو إلى الحكم أن يصفوا الجهاد والقواعد العسكرية للمجاهدين بأية وسيلة وبأقصى سرعة؛ لأن النفقات اليومية لهم تصل داخل أفغانستان إلى ٣٦ مليون دولار تقريبًا... بالإضافة إلى الخسائر المادية في المعدات والأرواح والتي تصل بالنسبة للدبابات والطائرات ما يزيد على مئات الملايين؛ إذ أن ثمن طائرة السوخوي ٢٥ مليون دولار... وفي جبهة واحدة قد تسقط أحيانًا أكثر من طائرة في يوم؛ ولذا فقد راهن الجنرالات الروس على الجهاد في الصيف الماضي واستعدوا لشيرننكو أن يصفوا الجهاد في مدة شهرين؛ فكانت خسائرهم باهظة حسب تقريرات المراقبين الرسميين «غير المجاهدين الأفغان» حيث قالوا: إن الروس خسروا في هذين الشهرين من أشهر الصيف الماضي أكثر مما خسروه في مدة السنوات الخمس الماضية مجتمعة.
وخطة الروس تتلخص فيما يلي:
۱ - إحراق المزروعات حتى تحدث مجاعة داخل أفغانستان ويضطر السكان لأن يهاجروا فتبقى ظهور المجاهدين مكشوفة لنيران الروس.
٢ - الاعتداء على الأعراض: فالكل يعلم اعتزاز الأفغاني بعرضه وشرفه؛ مما يجعل الكثيرين يهربون بنسائهم وأهلهم خوفًا على أعراضهم.
٣ - تكثيف الحملات وزيادة القصف الجوي والبري على المجاهدين؛ حتى لا يفكروا في خطة للهجوم على الروس. ولقد ضاعف الروس قواتهم داخل أفغانستان، وتتضارب الآراء في عددهم إلا أن الغالب أن عددهم يتراوح بين ۲۰۰- ٢٥٠ ألف مقاتل «قوات محمولة» بما يرافقها من طائراتها ودباباتها وصواريخ وقذائف.
٤ - أخذ الأطفال إلى موسكو لتربيتهم تربية شيوعية، فقد أخذوا في الأشهر الأربعة الأخيرة عشرة آلاف ولد ما بين «٨ -١٢ سنة»، والمقرر أن يعيشوا في روسيا عشر سنوات ليكونوا جنود الروس في المستقبل.
٥ - التركيز على بث الخلافات بين المجاهدين ولا يتركون وسيلة خسيسة إلا ويسلكونها، ومنها فرار قسم من الجيش يستسلم للمجاهدين. ثم يتبين بعد فترة طويلة أن قسمًا منهم من المخابرات الشيوعية «خاد» بعد أن يكونوا قد عملوا فتنًا راح ضحيتها الكثير.
٦ - المذابح الجماعية والمجازر العامة: وهذه خطة قد بدأ الروس يسلكونها لبث الرعب في قلوب الأفغانيين حتى يضطروهم إلى الفرار. ففي بلدة «زرغن شهر» في لوتجر جمع الروس (٤٣) ما بين طفل وامرأة وشيخ وقتلوهم بالسكاكين وحرقًا... وفي قرية في «غزني» نزلت طائرة هليوكبتر على حافلة تنقل المدنيين وأطلقت النار على السائق، ثم رشت حول الحافلة مواد كيماوية سريعة الاشتعال وأحرقوها، ولم يستطع أهل البلدة إنقاذ أحد... وفي يناير ۱۹٨٥م دخل الروس قريتي «عيسى خيل وقصاب كلي» في قندهار وجمعوا ٥٨٥ شخصًا «جميع السكان» ثم ذبحوهم بالسكاكين ووجد الناس وراء الروس (١٥) طفلًا لم يعرف لهم أهل لعدم بقاء أحد من أهل القرية، أما عن المجاعات والقصف فحدث عنها ولا حرج... فيواجه حوالي نصف مليون في تخار وهرات وقندهار المجاعة في هذا الشتاء.
حدثني كوهيار طبيب من هرات قائلًا:
إن في هرات (٢٦٠) قرية يكاد يعجزك البحث أن تجد فيها سقفًا واحدًا قائمًا على جدرانه... وكم من عائلة تعيش بين ركام الحجارة في بيتهم الذي تهدم. وأما بالنسبة للمجاعة التي يواجهها الشعب في هرات فقد حدثني كوهيار قائلًا:
لقد زرنا إسماعيل أمير المجاهدين في الولايات الثمانية الغربية ومنها هرات، فأرسل أربعة إلى أربع قرى ليأتوا بالخبر، وبعد بحث طويل رجعوا بأربعة أرغفة.
لقد قدم الشعب الأفغاني ما فيه الكفاية من التضحيات في النفوس والأموال وهو يملك الطاقة والإيمان والعزم، ولكنه بحاجة إلى إخوانه المسلمين في الأرض لتتكاتف الجهود وتمتزج الخبرات وتتعاون الطاقات، خاصة بعد أن أفتى العلماء الذين يشار إليهم بالبنان ورعًا وعلمًا- كما نحسبهم ولا نزكي على الله أحدًا- بأن الجهاد بالنفس الآن فرض عين على كل مسلم في الأرض، وعلى رأسهم هؤلاء العلماء:
فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد صالح بن عثيمين والشيخ سعيد حوى والشيخ حسن أيوب، والشيخ محمد نجيب المطيعي والشيخ عبد الله علوان والشيخ عمر سيف والدكتور جعفر الشيخ إدريس، فهل بقي لأحد عذر؟
وقد يقول آخرون: إن الجهاد فرض كفاية بالنفس، وهب جدلًا أنه كان فرض كفاية، فهل كفى أهل أفغانستان للقيام بهذا الفرض وهو طرد الروس؟ إن استئذان الوالدين والزوج والشيخ والدائن والسيد، كلها تسقط في هذه الحال بإجماع العلماء والفقهاء طيلة التاريخ الإسلامي.
إن الفرصة ما زالت سانحة لإنقاذ أفغانستان وبقليل من الجهود لإقامة مجتمع إسلامي ورفع راية الإسلام في أفغانستان... وعسى أن تكون منطلقًا لأنحاء كثيرة في الأرض.
وإذا انهار السد الإيماني الأفغاني- لا سمح الله- فالطريق من قندهار عبر بلوجستان مفتوحة بشريًّا وجغرافيًّا... فلا موانع جغرافية ولا معارضة سكانية... فإقليم بلوجستان الباكستاني من جوب إلى مكران قد تعب عليه الروس كثيرًا حتى باضت الشيوعية فيه وفرخت، فهناك غوث بخش بزنجو «مري» وهناك خير الله بخش مري «زعيم قبائل مري» وهناك عطاء الله منكل زعيم قبائل منكل البلوجستاني الشيوعي. وهم بقبائلهم يفتحون أذرعهم لاحتضان روسيا والسير معهم بمسيرة هادئة مريحة تحتمل سبع ساعات للوصول الى البحر «المياه الدافئة». إذ إن المسافة من نوشكي «بلد عطاء الله منكل» إلى البحر «المياه الدافئة» لا تتعدى 3٥٠ كيلومترًا، وهناك (BSO)  Blushistan Student Organisation (منظمة الطلبة البلوشية) وهي منظمة شيوعية تُسيِّر إقليم بلوجستان أكبر الأقاليم الباكستانية الأربعة، وقد رفعت الأعلام الروسية في ۲۷ ديسمبر ١٩٨٤- ذكرى اقتحام روسيا لأفغانستان- فوق مناطق بلوجستان، وأنزلت العلم الباكستاني ولمدة أسبوع كامل والعلم الروسي يرفرف فوق أكبر منطقة باكستانية وعلى سمع الدولة الباكستانية وبصرها ولم تستطع أن تحرك ساكنًا، فهل يستيقظ النائمون في العالم الإسلامي؟ ولا أظنهم يستيقظون لأن معظمهم في سكرتهم يعمهون... ألا ليت قومي يعلمون.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

الرابط المختصر :