العنوان الجامعات الأجنبية في مصر للنهضة أم التبعية ؟!
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006
مشاهدات 79
نشر في العدد 1685
نشر في الصفحة 26
السبت 21-يناير-2006
(*) جامعة برمنجهام - لندن
يقف الإنسان متسائلًا: أليس من غايات التعليم بناء الشخصية والمواطنة والهوية والتنمية الذاتية وإعمار الوطن ومجد الدين فهل يتحقق ذلك باللجوء إلى التعليم الأجنبي؟!
في الفترة من عام ٧٠٠ م إلى عام ۱۲۰۰م برز الرواد المسلمون في جميع المجالات وترجمت كتبهم وبحوثهم إلى اللغة اللاتينية وقامت على أيديهم أولى خطوات الحضارة الإسلامية التي تزعمت العالم
في القرن التاسع الميلادي أرسل الخليفة العباسي هارون الرشيد، هدية عجيبة إلى الملك شارلمان كانت عبارة عن ساعة ضخمة بارتفاع حائط الغرفة تتحرك بواسطة قوة مائية، وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد معين من الكرات المعدنية بعضها في إثر بعض بعدد الساعات فوق قاعدة نحاسية ضخمة فيسمع لها رنين موسيقي يسمع دويه في أنحاء القصر .. وفي الوقت نفسه يفتح بابًا من الأبواب الاثنا عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منها فارس يدور حول الساعة ثم يعود إلى حيث خرج، فإذا حانت الساعة الثانية عشرة يخرج من الأبواب اثنا عشر فارسًا مرة واحدة، ويدورون دورة كاملة ثم يعودون فيدخلون من الأبواب فتغلق خلفهم، كان هذا هو الوصف الذي جاء في المراجع الأجنبية والعربية عن تلك الساعة التي كانت تعد وقتئذ أعجوبة الفن، وأثارت دهشة الملك وحاشيته...
ولكن رهبان القصر اعتقدوا أن في داخل الساعة شيطانًا يحركها.. فتربصوا به ليلًا وأحضروا البلط وانهالوا عليها تحطيمًا إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئًا «1»
أما أحفاد هارون الرشيد اليوم فقد ذهلوا بشيطان التكنولوجيا الغربية ورحبوا به على عواهنه في عقر دارهم. نعم.. ذاكرة التاريخ تملأ وعي المسلم بالمرارة، كان لديننا ولغتنا وعلمنا الكلمة العليا ثم انقلب الحال، وبدل أن نبدأ في الإصلاح الذاتي النابع من أسباب نجاحنا السابق ارتمينا في أحضان من يضعون شروطًا لنهضتنا أصابتنا عقدة الانبهار بالأجنبي في الوقت الذي يسعى فيه هذا الأجنبي المسخ هويتنا وتحريف ديننا.
لخمسة قرون من عام ٧٠٠ إلى عام ۱۲۰۰ ميلادية ظهر الرواد المسلمون في جميع المجالات، ولمعت أسماء العباقرة العرب والمسلمين الذين طبقت شهرتهم الآفاق، ونبغ في كل فن أو علم عشرات الأفذاذ من أبناء الإسلام، وانتقلت كتبهم وبحوثهم إلى اللغة اللاتينية فكانت على أيديهم أولى خطوات الحضارة العربية الإسلامية التي جعلت الإسلام يتزعم العالم كله في القوة والنظام وتطور الحياة الإنسانية في الأدب والبحث العلمي والعلوم والطب والفلسفة. وقال المؤرخ الإنجليزي جورج ميلر في كتابه فلسفة التاريخ: إن مدارس العرب في إسبانيا كانت هي مصادر العلوم، وكان الطلاب الأوربيون يهرعون إليها، ويتلقون فيها العلوم الرياضية والعلوم التطبيقية، وما وراء الطبيعة، لقد أصبح جنوب إيطاليا منذ عمره العرب واسطة لنقل الثقافة إلى أوروبا.
وممن وردوا تلك المناهل الراهب "جريرت" الفرنسي، فإنه بعدما درس اللاهوت في أوروبا، ورد إشبيلية فدرس فيها، ثم في قرطبة الرياضيات والعلوم والفلك ثلاث سنين، ولما عاد إلى قومه ينشر فيهم نور الشرق وثقافة العرب رموه بالسحر والكفر، ولكنه ارتقى سدة البابوية عام ٩٩٩م باسم «سلفستر الثاني»، كذلك تخرج على علماء قرطبة ملك ليون وأولع بعض أمراء إيطاليا باللغة العربية، وعدوها لغة الأدب الرفيع (۲).
أما اليوم فتحتل مصر الجامعات الأجنبية
الجامعة الأمريكية
الجامعة الفرنسية
الجامعة الألمانية
الجامعة البريطانية
الجامعة الكندية
في تسارع محموم يتحول التعليم الجامعي في مصر إلى تعليم خاص وأجنبي، لا يخلو من سلبيات ولا تبتعد عنه رائحة الشبهة وليس أقلها الربح التجاري على حساب الشعب الكادح، فهناك الجامعات الخاصة بمصروفات باهظة جامعة أكتوبر للعلوم والآداب جامعة مصر الدولية، جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا.
ويقف الإنسان متسائلًا: ما الغايات والأهداف للتعليم الجامعي أصلًا؟ أليس منها قضايا بناء الشخصية والمواطنة والهوية والتنمية الذاتية، وإعمار الوطن ومجد الدين وهل يتحقق ذلك باللجوء إلى التعليم الأجنبي؟ لاشك أن هذا التعليم يتصف بإيجابيات ليست بعيدة المنال عن أيدينا وعقولنا - إن لم تنهب موارد الدولة - مثل تطور الوسائل التعليمية والتقنيات الحديثة وتطور الإدارة التعليمية والعناية الكبيرة بالتعليم والطالب، وقلة عدد الطلاب، واعتماد الأساليب التربوية الحديثة في العملية التعليمية، لكن السلبيات لا يمكن غض الطرف عنها، بالنظر إلى طبيعة مجتمعنا المحافظ المتدين، وطبيعة الظروف الراهنة من الضغط على المسلمين.
إن الإقبال على التعليم الأجنبي يحتاج إلى مال، فمن خلال الموقع الإلكتروني للجامعة البريطانية الجديدة في مصر فإن مصروف الدراسة السنوية مثلًا لدراسة الهندسة هو أربعة آلاف وخمسمائة جنيه إسترليني، أي ما يعادل ٥٠ ألف جنيه مصري «3» بخلاف المصروفات الحياتية الأخرى، مما يعني أن فئة ثرية معينة، سواء أثرت بالحلال أم بالحرام هي التي ستنضم إلى هذه المنظومة التعليمية ويبقى الفقراء في نظام التعليم والعمل في الجهة الأخرى المهملة من الوطن التي تعاني الفقر والبطالة وقد يكون التعليم الجامعي الأجنبي عند بعض الفئات لونا من الهروب من المجتمع وما فيه، ومحاولة للانصهار في الآخر الذي يمثل ما يعتقده الحداثة، والحرية، والتقدم. أو نوعًا من التمايز الاجتماعي، وإعلان الانتماء إلى طبقة اجتماعية ثرية عند البعض، بصرف النظر عن الخلفية الثقافية للأسرة.
الأسباب
فشل نظام التعليم الحكومي: أعتقد أن أهم الأسباب ذلك اليقين بفشل التعليم الحكومي، ومن ثم ينشأ الحرص على تعليم أفضل، ويعود فشل التعليم الحكومي إلى انحراف المنظومة الأخلاقية العامة في الدولة وبعض الأفراد، وكذلك إلى أزمة المناهج والإدارة والتخطيط، والسياسات التعليمية، والحالة الاقتصادية الناتجة في معظمها عن الفساد، وإهدار الموارد، وسوء توزيعها.
الأسباب الثقافية: قد يكون التعليم الأجنبي أو باللغة الأجنبية وسيلة لتكوين عقلية وثقافة تخفف ما يزعمونه من أن نظم تعليمنا ومناهجها وأجواءها مصادر لتوليد العنف والتطرف، وبذلك يصبح التعليم الجديد، وما يتبعه من حياة جامعية متعددة الأنشطة، وكون معظم هيئة التدريس من الأجانب مثال ذلك الجامعة البريطانية ٧٠٪ من أعضاء هيئة التدريس من إنجلترا. يصبح أداة للاندماج بلا وعي في ثقافة الغرب وقيمه الصالح منها والطالح.
الأسباب الاقتصادية: إنشاء الجامعات الأجنبية وتزاحمها على هذه المنطقة مرتبط بخدمة الاستثمارات المتزايدة لتلك الدول الأجنبية، وتشابك مصالحها مع استغلال موارد المنطقة، بخاصة موارد البترول الهائلة فضلًا عن مصالح واحتياجات فروع شركاتها المتعددة الجنسية والمنتشرة في مدننا وقرانا. وهذه الاستثمارات في مصر والمنطقة العربية تقتضي إنشاء جامعات تقوم بإعداد أفراد من أهل البلد، وبتكلفة أقل من تكلفة إعدادهم في جامعات المنشأ، ليتولوا هم مسؤوليات تلك المشروعات الاستثمارية وليقوموا بأدوار الوكلاء والسماسرة. فضلًا عن أنه يمكن حفز هؤلاء الخريجين المصريين على الالتحاق بالدراسات العليا بجامعاتهم في الخارج وإغرائهم بالاستقرار هناك للعمل في مجالات التنمية بتلك البلاد، خصوصًا مع تناقص الفئة العمرية للشباب في بلادهم بفعل العامل الديموغرافي حيث يتناقص النمو الطبيعي للسكان هناك.
الأسباب السياسية: قد تكمن في اتفاقية الدول الثمانية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فيما عرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير من أجل إعادة تشكيل خريطة المنطقة وقبول الدولة الصهيونية، وتفكيك الروابط والوشائج التاريخية والثقافية بين الدول العربية. وإذ تعتبر تدريس اللغة العربية والتعليم من خلالها عقبة في تحقيقه، ومن هنا حرصوا على استبدالها بلغة أجنبية، بما يعين على التخلخل الثقافي، وهجر لغة القرآن الكريم، بل ذوبان ما تبقى من عوامل التواصل والتفاهم والتلاقي في العالم العربي «4».
علينا ألا نخلط بين التعليم من الآخر والانصهار به فالتعليم عملية معرفية، أما الانصهار فهو سلوك ثقافي يؤدي إلى التبعية . العمياء للآخر، والتخلي عن الهوية والدين. وما زالت نماذج المصري الملتزم والمصرية المحجبة في أروقة الجامعة الأمريكية بالقاهرة تتعلم ولا تنصهر شاهدًا على أصالة معدن الشعب المصري، ورمزًا على تمكن روح المقاومة فيه .. ولكن إلى متى؟
المراجع
1&2-wwwm www.acmls.org.
3-www.bue-egypt.com
4- الدور المشبوه للجامعات الأجنبية في مصر الدكتور حامد عمار، صحيفة القاهرة ٢٠٠٥/١٠/٢٥م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل