العنوان هجرة إلى فهم قويم
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010
مشاهدات 78
نشر في العدد 1898
نشر في الصفحة 54
السبت 17-أبريل-2010
المجتمع التربوي
يعجب المرء حين يرى المشكلات الأسرية المتفاقمة داخل الأسر المسلمة، مما يجعلنا نتساءل: أين اختفت تلك القدوة التي تركها فينا رسول الله؟ أين أودعناها؟ ولماذا أهملناها واختطفتنا العادات والتقاليد؟ لنكون أمام ذلك المجهول الذي يختبئ لنا في كل زاوية من حياتنا الأسرية خلافات لا حدود لها، وتعاسة لا تبقي من الحياة إلا النكد، وطلاق يركض إلى نسب لا تصدق، وأيام أسرية مطلية بالنفاق والغموض، وتراكم الحيرة والضياع.
ولو أننا فهمنا معنى الآية الستين من سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)﴾ (الرحمن: 60) لقدمنا بين يدي نجوانا الأسرية صدقات من الإحسان إلى الابنة والأخت والزوجة، لنحصد في مآل الأمور إحسانًا أكبر وأضوأ وأنقى وحياة أسعد، ومجتمعا يربأ بأهله أن تتحكم فيهم عادات وأوهام وأعراف ما أنزل الله بها من سلطان، وهي التي كانت مسؤولة منذ زمن بعيد عن هذا العثار الذي يلف أسرنا ونظام مجتمعاتنا بغلاف جاهلي، بدعوى العلم والتعلم والتقدم، وكانت البداية حين غادر الناس بأول خطوة بوابة الهدي الرباني والرسالي، ثم انزلقت الخطى مع الوقت إلى أن غلبت قوانين الجهل والعادات على النص القرآني والنص الرسالي، وأصبح التعامل داخل الأسرة هوى متبعا، وهولا يقضم أطراف العقل، ويطمس معالم فجر القرآن وإشراقاته الفذة.
الأخذ بالشريعة:
فها هي أقدامنا تتعثر وتتأخر عن الأخذ بما شرعه رب العزة في التعامل مع الزوجة بقوله جل من قائل: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ﴾ (البقرة: ۲۲۸)، أو قوله جل وعلا في التعامل معها زوجة وأختا وابنة بقوله السامق المغدق: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ....﴾ (آل عمران: ١٩٥)، أو قوله لو فهمنا قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)﴾ ( الرحمن: 60),لقدمنا بين يدي نجوانا صدقات من الإحسان إلى كل فرد في المجتمع.
سبحانه وتعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ﴾ (النساء : ۱۹)، وقوله جل من قائل: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7)﴾ (النساء: 7)، أو قوله وأمره وهو الذي له الخلق والأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ...﴾ (النساء : ١٩)، ثم يشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين بشرحه وبيانه ما يوافق أوامر ربه القرآنية، فيقول فيما يتعلق بشأن المرأة زوجة وأختا وابنة: «استوصوا بالنساء خيرًا», (رواه البخاري ومسلم).
وقوله: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم» (رواه الترمذي), وقال:« حديث حسن صحيح».
قدوة حسنة:
وقد دل فعله عليه الصلاة والسلام على خيريته لأهله، فكان القدوة الحسنة، حتى أنه يتبسط مع أزواجه ويلاعبهن، فقد سابق زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إذ قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملت اللحم، فسبقني، فقال: «هذه بتلك» (رواه أحمد).
ومن هذه الأدلة التي صنعت من التعامل مع المرأة بجميع أشكال تموضعها في المجتمع وكانت قدوة أهداها رسول الله صلى الله عليه وسلم تشريعًا هذا الشأن إلى أن يرث الله الأرض ماضيًا فيه فعله ومن عليها وما عليها أقول: إن من هذه الأدلة قوله: «النساء شقائق الرجال»، ثم ، يوم أن بايع النساء الأنصاريات في بيعة العقبة الثانية مثلما بايع الرجال، في إشارة أكثر من صريحة على مساواتهن بالرجال في الاختيار العقدي والسياسي والمجتمعي.
جهاد النساء:
ثم كان القدوة المثلى برضاه عن جهاد النساء ومشاركتهن في الدعوة والقتال والدفاع عن حياض الإسلام ورسالته، وخروجهن معه في المعارك، حيث حضرت أم عمارة «نسيبة» وغيرها من المجاهدات المسلمات المربيات لأبنائهن على حب الله ورسوله أكثر المشاهد مع رسول الله وأصحابه من بعده، كما شاركن في الاختيار والبيعة كبيعة العقبة الثانية وبيعة الرضوان وصلح الحديبية، وها هن يصاحبن الرجال في خيبر حيث كان منهن عشرون من الصابرات المجاهدات وعلى رأسهن أم عمارة، وفي غزوة حنين شاركت أم عمارة وعدد من النساء الصحابيات المربيات، منهن أم سليم، وأم سليط، وأم الحارث، وقد عملن مع رسول الله لإعادة الفارين في بداية المعركة، حين فاجأ المشركون ركب الجيش المسلم بكمائن أعدت بليل وهن يصرخن بهم أيها الأنصار، ما لكم وللفرار؟! ما هذه العادة، إنها غريبة ولا تكتفي أم عمارة وشقيقاتها بذلك، بل حملت أم عمارة سيفها على رجل من المشركين كان يهم باللحاق بالفارين فوق ناقته حتى أثبتته رضي الله عنها، وبذلك نالت نسيبة بنت كعب رضی رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها إذ قال لها: «ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة»، وأضاف عليه الصلاة والسلام: لمقام نسيبة بنت كعب خير من مقام فلان وفلان».
هذه هي المرأة ومكانها ومكانتها في دين الله الإسلام، وهذه هي نصوصه التي شرعت لها أن تكون شقيقة للرجل أما وزوجة وابنة وأختًا، وكان لها من الحقوق ما له، وعليها من الواجبات ما عليه مع الأخذ بعين الاعتبار ما فضل الله به بعضهم على بعض، بحيث لا يطغى أحد منهما على الآخر، ولا ينقص من حقه نقص.
سلام الأسرة:
وأخيرًا وليس آخرًا، لنبتدر الهجرة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ... ﴾ (النساء: ۳۲)؛ لتقرر لنا الآية ما يجب علينا اتباعه، فنصنع سلام الأسرة والمجتمع والأمة، وذلك من خلال تقرير: أن المرأة شقيقة الرجل، فهي الأم الرؤوم وهي الشريكة الودودة، وهي الأخت والابنة في أسرة يسودها الحب والسكينة، إن لزم الجميع شرع الله له من مساواة ومن تفاضل دون اعتداء من أحد على فضل الآخر، فقد فضل الله الرجال بأشياء أهمها الرجولة والقوة اللتان تعينان على أن يكونوا الكادحين القائمين على حماية الأسر وتلبية حاجاتها، وإقامة العدل فيها ، وفضل الله النساء بأشياء أهمها العاطفة الجياشة والصبر والحنان وهي التي تعينهن على أن يكن راعيات مديرات لبيوتهن يدرن فيها الحب والحنان والسكينة والمودة، ويؤدين دور الملطف لخشونة الحياة وتفاعلاتها في مجتمعاتهن .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل