العنوان المجتمع في رحلة مثيرة إلى الفلوجة
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر الجمعة 23-يوليو-2004
مشاهدات 82
نشر في العدد 1610
نشر في الصفحة 34
الجمعة 23-يوليو-2004
الفلوجة: محمد صادق أمين
المجتمع في رحلة مثيرة إلى الفلوجة
زيارة المدينة بعد انتصارها على الاحتلال ليست أقل إثارة منها أثناء المقاومة
• ممنوع دخول الأمريكان
أول لافته يقرأها الزائر عندما مدخل المدينة
• تاجر خليجي اشترى قطعه من قميص احد الشهداء 80 ألف دولار
• خسائر الجيش الأمريكي في محيط الفلوجة كانت ضعفي خسائره داخلها
الفلوجة مدينة نائمة على ضفة الفرات، تعداد سكانها لا يتجاوز نصف المليون، تصل إليها من بغداد وأنت تتجه إلى غرب العراق، لم يسمع بها أحد من قبل بل لا تكاد تعثر عليها وأنت تبحث في خريطة العراق، إذ هي ليست من مدن العراق الرئيسة، فهي حسب التقسيم الإداري العراقي أكبر أقضية العراق، خرجت الفلوجة من دائرة المجهول المحلي إلى دائرة الأضواء العالمية بسبب المعركة الدامية التي خاضتها على مدى شهر مع قوات الاحتلال الأمريكي في العراق، فبات اسمها معلمًا من المعالم العالمية، وذهب البعض إلى أنها ستكون نقطة حاسمة في تاريخ أكبر دولة في العالم، جاء ذلك على لسان أحد المحللين الأمريكيين على محطة (NBC) حين سأله مقدم البرنامج هل تعتقد أن ولاية فلوريدا هي التي ستقرر من سيكون الرئيس المقبل لأمريكا كما فعلت في انتخابات عام ٢٠٠٠؟ أجاب لا لن تكون فلوريدا لكنها بلدة بعيدة عن هنا.. سأله المذيع مستغربًا ما اسم هذه البلدة ؟ قال: إنها ببساطة مدينة الفلوجة العراقية..
في الطريق إلى الفلوجة: كنت أرغب بشدة في أن أدخل إليها حين طلبت مني المجتمع أن أنقل لقرائها الوقائع من أرض المعركة، لكن الحصار المضروب حول المدينة من جهاتها الأربع جعل من المستحيل تحقيق ذلك، زهدت في الرحلة إلى الفلوجة بعد انتهاء المعارك لأنني اعتقدت أن التشويق زال بانتهاء المعارك العسكرية، لكنني حين رحلت إليها وجدت عنصر التشويق قائمًا في كل لحظة وكل شارع وبيت في الفلوجة، فشوارعها وبيوتها ومساجدها تحكي لك القصة بلسان الحال قبل أن يحدثك أهلها بلسان المقال اتصلت بصديقي حسن وهو من أهالي الفلوجة وعضو في الحزب الإسلامي العراقي الذي وافق على مصاحبتي انطلقت معه على الطريق السريع من بغداد إلى الفلوجة، ومررنا بقرية أبو غريب -الشهيرة- وعبر النافذة شاهدت آثار الآليات العسكرية الأمريكية التي احترقت بنيران المقاومة أثناء قيامها بنقل الإمدادات للقوات الأمريكية المحاصرة للفلوجة، يقول صاحبي حسن: لقد بلغت خسائر الجيش الأمريكي في محيط الفلوجة ضعفي خسائرها داخل الفلوجة والسبب أن العشائر والقرى والقصبات المحيطة بالفلوجة انتفضت انتفاضة رجل واحد وأوجعت القوات التي تحاصر الفلوجة، وقطعت الإمدادات عنها حتى إن بعض القطع الأمريكية عانى جنودها من الجوع وهو من أرعب المحتلين». سألت صاحبي عن السبب الكامن وراء هجوم الجيش الأمريكي على مدينة صغيرة مثل الفلوجة قال: السبب الظاهر هو الثأر لدماء الأمريكان الأربعة الذين قيل إن العامة مثلوا بهم في شوارع الفلوجة بعد أن قتلوا في إحدى هجمات المقاومة، والحقيقة التي لا يعرفها إلا القليل هي أن الفلوجة أوجعت الاحتلال منذ التاسع من أبريل نيسان يوم سقوط بغداد وإلى اليوم، وما تعرفه عن خسائر الأمريكان في الفلوجة نحن أبناءها يفوق التصور رغم الأسلحة الخفيفة والإمكانات المتواضعة للمقاومة إلا أن معية الله فوق كل شيء. حين دخلت الفلوجة وجدت على أول شوارعها لافتة مكتوبًا عليها باللغتين العربية والإنجليزية ممنوع دخول الأمريكان ولا يكتب مثل هذا الكلام إلا من كان واثقًا من نفسه تمام الثقة.
الفلوجة بعيون صحفية
أول محطة لي في الفلوجة كانت منزل الشيخ «ط.. ر»... وهو أحد شيوخ المقاومة الإسلامية، رجل في الخمسين من العمر طريف إلى أبعد الحدود، مضياف إلى حد الإفراط بشوش متهلل الوجه، لا يمل من ترديد عبارات الشاء والإطراء على مدرسة الإخوان المسلمين، ويكثر من الترحم والاستشهاد بأقوال الشيخ حسن البنا وسيد قطب سألته عن مجريات معركة الفلوجة فأجاب: في البداية فرضت قوات الاحتلال الأمريكي حصارًا شديدًا على منافذ المدينة. ثم قامت بهجوم مفاجئ على حي الجولان الواقع في الجزء الشمالي الغربي حيث بدأت هناك أول معارك الفلوجة، ومع اختلاط دماء الشهداء بأنقاض البيوت انطلقت قذائف المجاهدين وبدأ «سلاح الهجوم» كما أسمته شبكة (CNN). وقد سبق ذلك فرض حظر للتجوال من السابعة مساءً إلى السابعة صباحًا. وقد طلبت القوات الأمريكية من أهل المدينة أن يلزموا بيوتهم ويفسحوا الطريق أمام القوات الأمريكية للتجول في المدينة ومداهمة وتفتيش المنازل وتسليم الأشخاص الذين مثلوا بالجثث الأمريكية. وحين رفض أهل المدينة هذه الشروط بدأ يوم الاثنين الدامي، كانت معارك الفلوجة حرب إبادة لم يأل الأمريكان جهدًا في استخدام أسلحتهم الفتاكة فيها ولكن عناية الله حفظت المدينة، فقد كادت تواجه كارثة حقيقية، ولا تصدق من يقول لك إن الأمريكان لو أرادوا الدخول لدخلوا، لأنهم لو استطاعوا لفعلوا.
سياقات المعركة
التكبير كان الصوت الوحيد الذي ينطلق عبر المآذن ليل نهار دون توقف من مدينة الفلوجة طوال حصارها الذي دام أسابيع وعلى الجانب الآخر كان الجنود الأمريكيون يستمعون لموسيقى الروك الصاحبة التي تحجب عنهم صوت المآذن، وهذا هو سر الانتصار حسب رأي شيخ المجاهدين الشيخ عبد الله.. هكذا يسمونه في الفلوجة، والذي زرته مع مضيفي في مسجده الذي بات شبه إدارة للمدينة حيث تحل جميع إشكالياتها اليومية، هناك حدثني مضيفي أن الشيخ عبد الله كان من مقارعي النظام السابق حيث منع من المنبر مرارًا واعتقل عدة مرات، وهو اليوم شيخ للمجاهدين.
أخذني مضيفي بعدها في جولة عبر أحياء الفلوجة التي يسيطر عليها الجيش والشرطة العراقية علمت أثناء الجولة أن الدوريات في المدينة تتم بالتعاون بين المجاهدين ورجال الشرطة والجيش، وما يلفت النظر في الفلوجة حجم الدمار الذي لحق بمساجدها وخصوصًا المنائر التي كانت تستهدف بشكل متعمد من الطائرات أما المنازل ففيها من الدمار ما يوحي لك بحدوث زلزال شديد. وهذا دليل على استخدام أسلوب البطش في المعركة من قبل الأمريكان.
في مستشفى الفلوجة
هذا المعنى الذي توصلت إليه من خلال مشاهدة آثار العدوان أكده لي الدكتور محمد أحد أطباء مستشفى الفلوجة حين سألته عن ذلك حيث قال: هناك إشارات وآثار واضحة في أجساد الشهداء والجرحى الذين نقلوا إلينا من مناطق العمليات على استخدام الجيش الأمريكي للأسلحة المحرمة في المعارك مثل تمزق أنسجة الجسم بشكل غير طبيعي، كما أن التغيرات النسيجية كانت غير مرتبطة بالإصابات الظاهرة على جسم المصاب.
الدكتور «عبد السلام» شارك معنا في الحديث وقال معقبًا: بدأ جنود المارينز وكأنهم قادمون من العصور الوسطى، فهمجية رعاة البقر كان لها حضورها في أحياء المدينة. فبعض المرضى ماتوا في بيوتهم لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى المراكز الصحية بسبب ظاهرة القنص التي انتشرت في أحياء المدينة، وقد اتخذ جنود المارينز من أسطح المنازل ومنارات بعض المساجد عند أطراف المدينة مراكز للقنص، ولم ينج من نيران القناصة أحد، بل إن بعض سيارات الإسعاف احترقت بنيرانهم وتفحم بعض المرضى والجرحى داخلها، وقد رأينا بعض الشهداء وقد قطعت رؤوسهم ذبحًا بالسكين، وآخرين مثل بهم بقطع أيديهم وأرجلهم، ولا ندري هل مثل بهم وهم أحياء أم بعد استشهادهم. وفي الحي الصناعي الواقع جنوب شرق المدينة كان هناك الكثير من الجثث المتفحمة وجثث أخرى أكلتها الحيوانات السائبة لتعذر إخلائها بسبب نيران القناصة، لكن أكثر الضربات إيلامًا للفلوجة كانت في احتلال مستشفاها العام الواقع على الجانب الآخر عند الضفة الغربية للفرات، وكان ذلك أشق ما واجه أطباء المدينة، حيث اضطرت الكوادر الصحية إلى فتح مستشفى بديل في مقر الحزب الإسلامي العراقي فرع الفلوجة، وقد علمت من مصادر موثوقة أن الجنود الأمريكان اقتحموا بعض مستشفيات بغداد فقتلوا بعض المقاتلين الجرحى الراقدين فيها.
كرامات الشهداء
تواترت الأنباء من عشرات ممن قابلناهم في الفلوجة حول كرامات الشهداء.. يقول أحد الأطباء الذين قابلتهم في ليلة من ليالي الحصار وبينما كنت في المستشفى البديل جيء بشاب يحمله إخوانه على أكتافهم، بدا لي للوهلة الأولى وهو ممدد فوق سرير الفحص وكأنه حي فقد ارتسمت على وجهه إشراقة وابتسامة ملائكية لم أر مثلها في حياتي، في العشرين من عمره نحيل تكسوه ملابس بسيطة جدًا. كان الدم يسيل من جرح صغير في رقبته، فحصته ولم أجد في جسده غير هذا الجرح وكان جسده لينًا دافئًا وكأنه نائم. وفجأة انتشرت في المستشفى رائحة ما شممت مثلها في حياتي، أيقنت فورًا أنها رائحة المسك كانت تفوح من ملابسه ومن الدم الذي يخرج من جرحه، تجمع حوله كل من كان في المستشفى وكبروا بصوت واحد وبادر الجميع بأخذ قطع صغيرة من ملابسه وقد حصلت على قطعة كبيرة من قميص الشاب الشهيد وما زالت رائحة المسك تفوح منها رغم مرور أكثر من شهر على الحادث. وقد رأها أحد التجار الخليجيين واشتراها بمبلغ (۸۰۰۰۰) آلاف دولار... وسيتم بناء مستشفى في الفلوجة بهذا المبلغ. سمعت العشرات من أمثال هذه القصص غير أني أثرت أن أنقل هذه الحادثة فقط لأن راويها رجل علمي وطبيب ومن المستحيل أن يكذب أو تختلط عليه الأمور.
بطولات المجاهدين
كما أن قصص كرامات الشهداء كثيرة كذلك قصص بطولات المجاهدين كثيرة جدًا. يتحدث مرافقي الشيخ (..) عن قصة أحد المجاهدين الذي أصر على قتل أحد القناصة الأمريكيين الذي اتخذ منارة مسجد مركزًا له. وهي مهمة ليست سهلة، فعليه أولًا أن يقضي على قافلة الجند التي تحرس المنارة أسفل منها إلا أن المجاهد بفضل الله تسلل من بينها دون أن يروه وصعد إلى المنارة وأفرغ مسدس في رأس القناص فما كان من رفاقه في الأسفل إلا أن فروا بعدتهم وعتادهم فور سماع أصوات زخات الرصاص قادمة من الأعلى فنزل المجاهد يتبختر وعلى كتفه السلاح الذي كان يقنص به الأمريكي الأبرياء، واكتشفنا أن السلاح يصيب الهدف على بعد 5 كم.
قبل الختام
الجهاد في الفلوجة يحتاج إلى كتاب كامل غير أني أريد أن أنقل صورة عشتها في الفلوجة عندما زرت مقبرة شهداء.... الذين دفنوا في ملعب لكرة القدم اتخذه أهالي المدينة مقبرة جماعية لشهدائهم بعد منع قوات الاحتلال إياهم من الدفن في مدافنهم فعندما دخلت المقبرة سمعت صوت الزغاريد اقتربت من مصدرها فإذا بسيدة تدعى أم أحمد وقفت عند قبرين متجاورين زغردت ونشرت الحلوى عليهما.. سألتها عن قصته فقالت: هذا قبر ابني أحمد والآخر لأخي، لقد ربينا أولادنا لمثل هذا اليوم، كانت أمنيتي أن أقدم أحد أبنائي شهيدًا في سبيل الله، وقد سمعت من إخوان أحمد عن شجاعته وبطولته ما أنساني أحزاني.
في مقر هيئة علماء المسلمين فرع الفلوجة كانت نهاية رحلتي، حيث حضرت صلاة الجمعة التي تحدث فيها الخطيب عن.... النصر فكان مما قاله من فقه النصر شكر الله تعالى عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ( النصر: ١-٣) فالنصر نعمة وشكرها فيه دوامها ومن شكر النعمة ألا تستعملها في معصية الله فليكن من أنعم الله تعالى به على أهل الفلوجة مدرسة لتقويم أخلاقنا وتهذيب نفوسنا..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل