العنوان التصور الإسلامي للثقافة والحضارة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012
مشاهدات 53
نشر في العدد 2030
نشر في الصفحة 48
السبت 08-ديسمبر-2012
رأينا أن كلمة Culture، تستعمل حديثًا في الدلالة على الجانب الروحي والمعنوي من الحضارة، وكلمة Civilization - تستعمل للدلالة على الجانب المادي، كما أوضحنا في مقال سابق، لكن دون توسيع الهوة بين المفهومين؛ لأن كل مظاهر الحضارة المادية ووسائلها وأدواتها ترتكز على مقومات وتصورات عقلية ومعارف نظرية مجردة .
وكما جرى الاستعمال لكلمة ثقافة وتثقيف في اللغة العربية حديثًا للدلالة على جملة التراث الإنساني، وعلى تكوين الإنسان الناشئ، وتنمية مواهبه بعناصر المعرفة النظرية والعملية التي يحتاج إليها فكذلك جرى استعمال كلمة Culture، في الدلالة على جملة الحضارة، وعلى ترقية ملكات الإنسان والسمو بها عن طريق التربية والتدريب. دراسة ثقافة أي أمة صارت من حيث أصول هذه الثقافة وعناصرها الرئيسة وتطورها وارتقاؤها ومكانها بين الثقافات الأخرى من أهم الدراسات العلمية، كما صار تكوين أفراد المجتمع على أحسن نموذج يجمع بين التقدير لتراث الماضي والإدراك المقتضيات الحاضر وتطويره لتحقيق آمال المستقبل أهم واجب تنهض به الجماعة الإنسانية ممثلة في هيئاتها ومعاهدها الثقافية، وذلك لأن كل أمة لها ثقافتها التي هي عنوان عبقريتها وثمرة اجتهادها وهي المعبرة عن روحها وشخصيتها والعلامة الكبرى المميزة لها بين الأمم، والدالة على الدور الذي لعبته، وعلى النصيب الذي أسهمت به في تاريخ الحضارة الإنسانية.
وتظل للأمة الإسلامية خصوصيتها الحضارية النابعة من انسجام عناصر دينها وتكامل رسالته، فإذا كانت بعض الحضارات أو الفلسفات غالت في نظرتها للمادة وتعاطيها معها إلى درجة تصويرها بأنها كل شيء، فإن المادة في الفكر الإسلامي ليست محتقرة، لا في صورة النظرية باعتبارها يتألف منها هذا الكون الذي نعيش فيه، وتؤثر فيه أيضا... ولا في صورة الإنتاج المادي.. فالإنتاج المادي من مقومات الحياة.. ولكنه فقط لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص الإنسان ومقوماته، وتهدر من أجلها حرية الفرد وكرامته، وتهدر فيها قاعدة الأسرة ومقوماتها، وتهدر فيها أخلاق المجتمع وحرماته، إلى آخر ما تهدره المجتمعات التي طغت عليها المادة من القيم العليا والفضائل والحرمات، لتحقيق الوفرة في الإنتاج المادي وربما استخدامه في تدمير الإنسانية، كما هو حال أسلحة الدمار الشامل، وغيرها من المنتجات التي لا توظف في مصلحة البشرية.
وحين تكون القيم الإنسانية، والأخلاق الإنسانية التي تقوم عليها، هي السائدة في مجتمع، يكون هذا المجتمع متحضرا .. والقيم الإنسانية، والأخلاق الإنسانية، ليست مسألة غامضة، وليست كذلك قيمًا متطورة متغيرة متبدلة.. لا تستقر على حال، ولا ترجع إلى أصل، كما يزعم التفسير المادي للتاريخ، وكما تزعم الاشتراكية العلمية إنها القيم والأخلاق التي تنمي في الإنسان خصائصه وصفاته العقلية والإدراكية والنفسية والاجتماعية التي يتفرد بها دون الحيوان، والتي تجعل منه مخلوقاً متوازنا لا ملائكيا ولا حيوانيا، وحين توضع المسألة في هذا الإطار يبرز فيها خط فاصل وحاسم وثابت لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها التطوريون والاشتراكيون، ولا عملية البهيمية التي غرقت فيها بعض التيارات الغربية.
والإسلام لا يحتقر الإبداع المادي، كما أشرنا إنما يجعل هذا اللون من التقدم - في ظل منهج الله - نعمة من نعم الله على عباده يبشرهم به جزاء على طاعته، ﴿وَفقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرسل السماء عَلَيْكُم مَدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾ (نوح: الآيات من 10 ل 12) ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات منَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (الأعراف: الآية 96).
وهذه البركات ألوان شتى، وأطياف شتى، تصور الفيض الهابط من كل مكان النابع من كل مكان بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان.. والذين يتصورون الإيمان بالله مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة في رحاب الإيمان، وما أجدرهم أن يستقرئوا التاريخ يوم كان أسلافنا مؤمنين حقاً، فقد دانت لهم الدنيا وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض.
ولا شك في أن الحيطة في دراسة العلوم البحتة واجبة ومطلوبة لبحث أية تفسيرات معادية للتصور الإسلامي للثقافة والحضارة، وتفنيدها والرد عليها كما يجب العمل على سد هذا الفراغ في النفوس العطشى التي تنتظر الري بلهفة بالغة وترقب شديد ، نتيجة الحضارة المادية البحتة، وما أكثر هؤلاء الذين إذا عرفوا الحق اعترفوا منه، ونشروه بين الناس عن حب وقناعة.
ولن يكون هذا إلا إذا ارتفع المسلمون إلى التصور الإسلامي للثقافة والحضارة حتى يسعدوا هم أولا، ويعيدوا إلى الوجود نضارته ويتزعموا القافلة البشرية، كما كان السلف الصالح.. فكرًا وسلوكًا.. ثقافة وحضارة.. تقدمًا وإبداعًا.. إمامة وقيادة.
وحتى يسدوا هذا الفراغ في النفوس العطشى، ويرفعوها إلى مستوى ثقافة الأمة الوسط الخيرة اللائقة بالإنسان والحضارة اللائقة بالإنسان والحياة المباركة الطيبة في رحاب الإيمان، وتلك رسالتنا في الحياة.
والله ولي التوفيق.