العنوان الوئام الجزائري تكتيك أم استراتيجية؟.. بوتفليقة وشرعية النظم الثورية
الكاتب محمد حمزة
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
مشاهدات 63
نشر في العدد 1369
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
الاستفتاء وسيلة مشروعة ودستورية، لكنها قد تستخدم لأغراض غير مشروعة، وليس أدل على ذلك من استخدام الاستفتاء ليكون بديلًا عن انتخابات الرئاسة في بعض البلدان بعد أن استخدمت الأحزاب «الوهمية» الحاكمة أغلبيتها المطلقة في البرلمان لضمان عدم مرور مرشح سوى الرئيس الحالي أو من تراه مناسبًا لكن نتائج هذه الاستفتاءات تصبح بعد ذلك ورقة الشرعية القانونية للسُلطة، لا تنفك عنها أبدًا، وربما تكون نسبة الحضور لا تتجاوز 10% في أفضل الأحيان، لكن الأرقام المعلنة عن نسبة التصويت قد تصل إلى 95% منهم 99,99% قالوا نعم․․
وقد يستخدم الاستفتاء لتخطي عقبة الأغلبية المعارضة في البرلمانات وما حدث مع اتفاق التسوية مع اليهود في مصر، والاستفتاء الذي أجراه الرئيس المصري السابق أنور السادات دليل واضح على ذلك.
وقد يستخدم الاستفتاء وسيلة للجوء إلى الجمهور ليكون الحكم الفصل في شرعية رئيس أو زعيم مارس السُلطة وطالبته المعارضة بالتنحي أو شعر بأنه غير مرغوب فيه من الأحزاب الفاعلة، هنا يلجأ إلى الشارع أو المواطن ليقول كلمته وهنا يصبح الاستفتاء أشبه بطرح الثقة في المسؤول، وهكذا يصبح الاستفتاء ورقة رسمية موقعة من الشعب تفوض أو تخول المسؤول في التصرف كيفما يشاء على الرغم من أن الاستفتاء يكون على سؤال أو أسئلة محددة.
ومن هذه النقطة يكون سوء استخدام ورقة الاستفتاء فالأسئلة المطروحة يمكن التلاعب بها لتكون تأكيدًا لشرعية الرئيس في ظل الضغوط التي تمارس عليه أو في ظل سعيه لتأكيد شرعيته كما هو الحال مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. فالذي طرحه بوتفليقة هو مشروع الوئام، ولكن ما تم طرحه في الاستفتاء كان عن تفويض الرئيس ودعمه في خطواته التي سوف يتخذها، وهنا يبدو أن بوتفليقة ربما يكون جادًا في المصالحة، ولكنه أكثر جدية في تثبيت قدميه في السُلطة وحتى إن لم
تحدث المصالحة.
ودليل ذلك ما أعلنه صراحة من: ألا عودة لمسؤولي الإنقاذ لممارسة السياسة ولا عودة للأحزاب الدينية أو ذات المشروع الإسلامي وهو ما يعني ببساطة أن ما يطرحه بوتفليقة هو «الأمن مقابل السُلطة».
وحيث إن الجزائريين من صوتوا للفكرة فإن الكاسب الوحيد مرحليًا هو بوتفليقة الذي يستطيع أن يواجه الانقاذيين والمعارضة بالتفويض الذي حصل عليه من الشعب على أي خطوة يراها في صالح الوئام بما في ذلك إبعاد هؤلاء عن السياسة وهمومها، ويمكنه كذلك رفع صوته في وجه الضغوط القادمة من الجيش القوي والمتنفذ، ولن يستطيع الجيش أن يفعل شيئًا، فالرجل جاء بتكتيك جديد منع به العنف، ومنع الإسلاميين من الوصول إلى السياسة لا السُلطة، في الوقت الذي فشل فيه كل رجالات السُلطة القادمين من عباءة الجيش.
هذه الخطوة ستلقى الدعم من الجيش خصوصًا بعد تصريح بوتفليقة قبل يوم من الاستفتاء «هناك خطوط حمراء وضغوط من قوى المجتمع» وستعمل على تبييض وجه السُلطة العسكرية امام المعارضة المتزايدة، خصوصًا من المجتمع الدولي، فها هو الجيش يقبل بالوئام مع «المتطرفين» وها هو يقبل بالتحاكم إلى الشعب وهكذا تحول قادة الجيش من مجموعة من محترفي السُلطة والمنتفعين بالصراع إلى رواد الحلول السلمية وصُناع السِلم في الجزائر.
أما على الصعيد الدولي، فالحل القادم على يد رجل سياسي أفضل ألف مرة من ذاك المحمول على ظهور الدبابات، كما أن دولًا مثل فرنسا تسعى للانتفاع من ثروات الجزائر ستجد وجهًا جديدًا ليس له معها تار تاريخي أو ديني كما ستستفيد من مناخ الأمن الذي سيسمح بعودة الذين فروا إليها وإلى أوروبا بوجه عام.
لكن أخطر ما في هذا الحل القادم مع بوتفليقة هو اختصار الطرق الديمقراطية المتعارف عليها من انتخابات وتبادل السُلطة واختزاله في خطوات تبدو ديمقراطية للوصول إلى نتائج غير ديمقراطية، وهي خطوة ترسخ للجيش والسُلطة العسكرية بدلًا من أن تدعوها إلى العودة إلى الثكنات، فإذا بها تدعوها إلى التترس في المقعد الخلفي للسُلطة أو خلف الستار لتحرك بمنتهى الحرية و«الشرعية» أمور الدولة.
إن قراءة شاملة لما يحدث للحركة الإسلامية المطالبة بالانخراط في المجتمعات المدنية وهي تحمل مشروع التغيير السياسي الذي يعترف بالآخرين، يجد أن المشروع بات محاصرًا بشكل كبير، بل إن رضا مالك الاستئصالي المعروف في الجزائر ألقي باللوم على الشاذلي بن جديد لأنه خرج على إجماع دول المغرب العربي القاضي بعدم السماح بتكوين الأحزاب الدينية أو ذات المشروع الإسلامي هكذا يتم التنسيق لا على مستوى فردي أو محلي.. وبالتالي يصعب تصور أن تصاغ الحلول بشكل منفرد أيضًا، وهذا ما يؤكد شكوك البعض في عدم جدوى ما ذهب إليه بوتفليقة، أو ما حاول تسويقه من أن هذه الخطوة ستكون فاتحة للإصلاح السياسي.
ولكن هل يمكن تصور أن الوئام مرفوض من التيارات السياسية المختلفة؟
الحقيقة أن التيارات السياسية المعارضة في العالم العربي -إلا القليل- هي التي تطالب بالمصالحة الشعبية ومنذ زمن طويل، وأن الحكومات المستمسكة بالسُلطة هي التي تمسكت بالرفض بحجج متعددة، وما أفصح عنه رضا مالك كشف وبصراحة عن السبب الحقيقي، وهو الخوف من وصول التيارات الإسلامية إلى الساحة، ومن ثم التوغل في الشارع، وكسب أرضية جديدة تمكنها من الوصول إلى السُلطة، والملاحظ في الجزائر لجوء السلطة إلى خيار لمصالحة في هذا التوقيت بالذات، وهو ما يمكن تفسيره بأن بعضها قد تعب من ممارسة دور الدمية خلف الستار وربما تكون هذه صحوة جديدة، وخصوصًا أن هناك أصواتًا مماثلة في بلدان أخرى مثل مصر، تعلن عن رغبتها في المصالحة وفتح بعض النوافذ. والحقيقة الأخرى أن النظم التي أغلقت الأبواب في وجه المصالحة منذ وقت طويل، فشلت في تحقيق ما وعدت به شعوبها في غياب المشاريع البديلة، ورفعت شعارات البحث عن مصالح الشعوب، وتطوير عجلة الاقتصاد بهدف رفع مستوى المعيشة كمسوغات لسياسة التعتيم والإغلاق والتسلط ومازالت الشعوب تعاني رغم أن المعارضة كانت إما بالمنفى أو السجون.
من هنا يجب أن تفرق بين مصالحة وطنية تسعى إلى لم الشمل وتسخير القوى كافة لصالح الأوطان، وبين الدعوة للمصالحة من خلال اجتزاء مدروس لمشروع المصالحة بحيث يستوعب البعض ويصب في مصلحة الحكم.
وحتى يكون المرء منصفًا فإنه في ظل التغيرات الجبارة التي تمر بها المنطقة العربية ومع زيادة الضغط الشعبي الباحث عن الحلول المحلية لا المستوردة فربما تكون هذه بداية جيدة.. لكن الطريق إلى المصالحة الواسعة النطاق والشاملة في بلد ما تستحق التضحية من الجميع.. والصبر وعدم استغفال الشعوب أو استدراجها لأنها ملت كثيرًا من تكرار اللعبة.