العنوان ظاهرة الاعتراض على الأئمة
الكاتب عابدة المؤيد العظم
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 85
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
«كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر»، نحن المسلمين نؤمن بهذه المقولة، ونعمل بها؛ لأننا نعرف أن الإنسان مهما تعلم وفقه فإنه معرض للخطأ، وقد سمعنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد اعترض بعضهم على رأي الآخر واختلفوا.. ونحن نعلم أيضًا أن الله قد «يضع سره في أضعف خلقه» فيجري الحق على لسانه، ومن ذلك ما نقل إلينا من أن امرأة مؤمنة اعترضت على عمر رضي الله عنه فرجع فورًاعن قوله، وقال: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».. ولكن هل يعني هذا أن يتجرأ عامة الناس على علماء الأمة الميسرين ويعترضوا على فتاواهم؟ وهل يبيح هذا أن يعترض أي مسلم وبأي أسلوب على كلام الفقيهالمتمرس والعالم المتمكن العدل الثقة؟
فقد كثرت اليوم ظاهرة الاعتراض في القنوات الفضائية وفي المجلات وفي غيرهما، وفشت واستشرت حتى صارت مستساغة، وأصبحنا نقرأ ونرى ونسمع من لم يتخصص في علوم الدين يعترض على فتاوى الفقيه المتبحر بجهل وغفلة، وأحيانًا بقسوة وبحدة، وتارة أخرى بهجوم وعنف وجرأة.. والسبب: أن الفتوى ما أعجبت ذلك الرجل المسلم لأنه لمس فيها رفقًا ورحمة، وتيسيرًا على الأمة؟ أو لأنه رآها تخالف عرفًا متبعًا؟ أو لأنه وجدها تخالف حديثًا سمعه عن هذا الموضوع «وقد لا يعرف سواه في هذا الباب؟!» أو يعترض لأن الفتوى خالفت ما يعتقده ذلك الرجل المسلم، وتعارضت مع الدليل الذي يحفظه، والحكم الذي يتبعه؟فيرى المعترض -لأجل ذلك- أن المفتي قد شد وخالف الجماعة، ورخص في أمر قد بانت حرمته وتبين فساده، فيجب على العالم -بناء عليه- أن يرجع عن فتواه تلك وإلا خسر مكانته العلمية في الدنيا وحاسبه الله في الآخرة؟ لا تعجبوا:
- فقد سأل أحدهم شيخًا فقيهًا وعالمًاكبيرًا سؤالًا غير لائق، وبلهجة غير مناسبة فيها هجوم واتهام، فقال له: «كيف ستلقى الله وأنت تقول هذا؟ وبماذا سترد عليه عندما يسألك عن فتواك في هذا الأمر؟». فهل ترون أن هذا الأسلوب مناسب ليخاطب به عالم كبير وفقيه عظيم؟
- وسمعت ناسًا يسألون ويستفسرون: «إن كان من الممكن أن نأخذ بفتاوى الشيخ... بعد أن تبين لنا تساهله؟!».. فهل يصح أن نشكك الناس بكلام فقيه قد درس علوم الدين وتبحر فيها، وشيخ جليل طاف في بلاد الله فخبر الحياة أكثر، وتعرف أصنافًا مختلفة من البشروفقه الواقع؟
وإن هذا الرجل «المعترض على العلماء الميسرين» ليأتي لنا -بعد اعتراضه على حكم ما- بالآية أو بالحديث ليدعم رأيه وهو يحسب أنه قد جاء بالحجة على الفقيه! وأنه قد غلبه ورده إلى الصواب! وأرشده إلى الحق ومال به عن الباطل! وعجبًا لأمر المعترض هذا، أو هل كان يظن أن الفقيه المتمرس والعالم المتمكن الذي جلس ليفتي قد فاتته آية من كتاب الله أو نسي حديثًا صحيحًا من سنة رسول الله؟! فهو يذكره به ويشرحه له حتى يفيء إلى حكم الله؟ فهل هذا ظنكم بالمفتين من علماء المسلمين: أنهم يصدرون أحكامهم دون تمحيص ودراسة، ودون اطلاع على أقوال غيرهم من العلماء والفقهاء المتقدمين، ودون ورع وتقوى؟!
وإن صنيع المعترض هذا ليذكرني بما رواه مسلم من حديث ابن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تيم لا يفتر: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة، لا أم لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء». قال ابن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته» (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: م٢٤، ص٧٦).
فكم يبدو الأمر غريبًا ومثيرًا للرثاء والشفقة عندما يصر الرجل العادي «أي الذي لم يتفقه» على الأخذ بيد العالم «الذي فقهه الله في الدين وعلمه التأويل» إلى الأصوب والأتقى!
وما أعجب المعترض حين يعتبر الموضوع منتهيًا بعد إفادته تلك، فيتوقع أن ينحاز الفقيه والناس كلهم إلى صفه ويصبحوا على رأي واحد، وينتظر بشغف تعديل الفتوى لتوافق ما يراه هو استنادًا إلى الدليل الذي قدمه! وعجبًا لظنه ذاك، ولو كان الاستدلال واستنباط الأحكام بهذه السهولة ويحفظ آية واحدة أو بالاستدلال من واقعة محددة لتعلم الفقه كل مسلم، ولما كانت ضرورة لدراسة أصول الفقه والفقه المقارن، ولما كانت حاجة لإنشاء دور للفتوى، ولو كانت الأدلة بهذا الوضوح والنصوص بذلك السطوع لاتفق الفقهاء عليها، ولاجتمعوا على حكم واحد لكل أمر، ولكنهم لم يفعلوا، وإنهم وعلى الرغم من إجماعهم على أمور متعددة، قد اختلفوا في أمور أكثر... ارجعوا إلى كتب أصول الفقه تدركوا صعوبة الفتوى، واقرءوا في كتب الفقه تروا مقدار الاختلاف بين الفقهاء.. فإن عجز الفقهاء عن الاتفاق وإقناع بعضهم بعضًا مع ما معهم من العلم والحجة، فهل ستستطيع العامة من الناس حمل الفقهاء ومن بعدهم الناس على حكم واحد؟! وهل ستستطيع العامة من الناس التوصل إلى الحكم الفصل الذي لا يقبل النقض، والذي لا يحتمل المداولة والنقاش؟!
إن لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل على وضع أمتنا.