; المجتمع التربوي (1333) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1333)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1999

مشاهدات 108

نشر في العدد 1333

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 05-يناير-1999

وقفة تربوية:

رمضان إحساس:

رمضان مدرسة كبيرة، وفرصة عظيمة لمن يقدر على استغلالها، والمتخرج في رمضان بتفوق يحصل على خير كثير وخبرات متعددة، يصعب الحصول عليها في غير هذا الشهر الذي يعتبر دورة صيانة شاملة لهذا الإنسان.

ومن أبرز ما يتعلمه الصائم في رمضان تنمية «الإحساس»؛ إذ إن الإنسان لا يشعر بالنعمة إلا إذا فقدها، فهو لا يشعر بنعمة الصحة والعافية إلا إذا أصيب بالمرض، ولا يشعر بنعمة المال إلا إذا أصيب بالفقر، أو الحاجة، ولا يشعر بقيمة الوقت إلا إذا انشغل فلم يجد وقتًا.

ورمضان يأتي بمثابة معهد تدريبي لهذا الإنسان الذي يتبلد عنده الحس طيلة سنة كاملة، بسبب كثرة الانشغال والغرق في معمعة الماديات، فعندما يجوع لا بد من أن يتذكر فئة كبيرة من المجتمع الذي هو فيه، وممن يعيشون على أرضه جائعين.

وهؤلاء أحق الناس بمساعدتنا فالأقربون أولى بالمعروف، ثم يتذكر الجياع من المسلمين في سائر بلاد المسلمين، ثم يغشى بيوت الله التي لم يكن يحافظ على الصلاة فيها، فيشعر بلذة الجلوس في بيوت الله وقراءة كتابه، ويسابق الزمن لختم كتاب الله مرة أو مرتين، فيشعر بأهمية الوقت ومحدودية عمره في هذه الحياة، فلا يضيع وقتًا في غير ما يرفع إلى البارئ، وتتجمع أسرته على الإفطار فيشعر بجمال التجمع الأسري، ليقوده هذا الشعور بتقصيره في الاحتكاك بزوجته وأبنائه ومدى الفرحة التي يخسرها بعدم أو قلة الاحتكاك بهم، وهكذا ينمي الصائم إحساسه ليمارس بعد رمضان إنسانيته كإنسان يسعد في هذه الحياة ولا يشقى بها. 

أبو خلاد

أبواب للجنة مفتحة، وأخرى للنار مغلقة، وشياطين مسلسلة:

إنه رمضان:

بقلم حجازي إبراهيم

  • الصوم بمعناه الروحي هو حبس النفس والفكر والإرادة والشعور عما سوى التفكير في الله.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين» (1).

وفي رواية الترمذي: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ويُنادي مناد يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار كل ليلة» (2). 

قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين.

 ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين.

 ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنة.

وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار.

 وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء، وتزيين الشهوات (3).

 وقال ابن أبي جمرة كثرة فتح أبواب السماء دالة على خير أهل الأرض، وقد أخبر -عز وجل-: بما يدل على ذلك في كتابه، حيث قال: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ (سورة الأعراف: ٤٠). ولا تفتح أبواب السماء إلا لمن يرحم ويدخل الجنة، ومن غلقت دونه فلا يرحم، ولا يدخل الجنة (4).

 فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟

فالجواب: أنها إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أما المصفد فهو بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم ألا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية (5).

يزيد هذا المعنى وضوحًا بقول ابن أبي جمرة الله يقول: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِن (سورة الأنعام: ۱۱۲) فمن هو شيطان في نفسه كيف يمنع منه شيطان؟ ولذلك إذا دخل رمضان فمن كان مثلًا مكاسًا بقي على مكسه، أو ظالمًا بقي على ظلمه، ولم يدخل في هؤلاء، بل هو من جملة الشياطين، أليس قد قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «فإن سبك أحد، أو شتمك فقل إني صائم» وفي ذلك دليل على أن شيطان الإنس ملازم لا يزول لأنه يسلسل (6).

خصال على المسلم أن يحرص عليها:

لهذا الموسم من مواسم طاعات الله -تبارك وتعالى- صنوف من العبادة تختص به، ويختص بها، وتكون جمالًا لأوقاته، وزينة لساعاته، وحلية لأيامه ولياليه، والطاعة جميلة في كل وقت، وهي في هذا الشهر أجمل وثوابها عند الله جزيل، وهو فيه أعظم وأجزل، ومن هذه الطاعات:

الصوم، بمعناه الفقهي من الامتناع عن المفطرات، وهي معلومة، وبمعناه الروحي العالي وهو حبس النفس والفكر والإرادة والشعور والوجدان عما سوى التفكير في الله -تبارك وتعالى- والتقرب إليه بما يرضيه، ورحم الله العارف الذي يقول:

إذا نظرت عيني لغيرك مرة   ***  عددت اختلاس الطرف من أعظم الوزر

وذلك يستتبع حتمًا كف الجوارح عن معصية الله تبارك وتعالى، وإلا فكيف يكون مراقبًا لله -تبارك وتعالى- من لا يخشاه، ولا تزجره المراقبة عما لا يرضاه مولاه؟ وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (7).

 قال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الوزر، وما ذكر معه.

وقال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله: «ليس لله حاجة» مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب، وأراد المسبب والله أعلم (8).

ومنها: الإكثار من تلاوة القرآن الكريم فهذا شهر القرآن، ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينزل عليه جبريل في رمضان فيدارسه الكتاب، ويستعرضه معه عليهما السلام، حتى كانت السنة التي اختار فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرفيق الأعلى، وهي سنة وداع استعرضاه مرتين. 

ومنها: الإكثار من الصدقة، وتفقد الفقراء والمساكين، وتعهدهم بالبر والعطاء، فهو شهر تسمو فيه دائمًا الاعتبارات الروحية على القيم المادية، ويرخص فيه حطام هذه الحياة الدنيا على نفوس نبذته وراءها ظهريًا، وعافته بكرة وعشيًا، والله -تبارك وتعالى- يضاعف فيه مثوبة المتصدقين، ويجزل لهم العطاء بما أجزلوا لعباده المحتاجين.

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جوادًا كريمًا، بل مثال الجود والسخاء، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يعارضه جبريل القرآن، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان النبي الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل -عليه السلام- يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن، فإذا لقيه جبريل -عليه السلام- كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (9).

قال الزين بن المنير: «وجه التشبيه بين أجوديته -صلى الله عليه وسلم- بالخير وبين أجودية الريح المرسلة، أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله -تعالى- لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره، من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية، أكثر مما يعم الغيث الناشئ عن الربح المرسلة -صلى الله عليه وسلم-» (10).

ومنها: الدعاء والاستغفار؛ إذ هو شهر تفتح فيه أبواب الإجابة للسائلين، ويتقبل فيه الله التوبة من التائبين، ويضاعف فيه أجر العاملين المخلصين.

ومنها: الحرص على صلاة القيام من أول ليلة في هذا الشهر، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في رمضان «من قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (11).

وحرص المسلم على قيام ليل رمضان من بدئه يجعله يحظى بليلة القدر، وينال عظيم ثوابها بغفران ذنوبه فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (12).

ومنها: الإكثار من العمل في العشر الأواخر، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله».

ومنها: الاعتكاف في العشر الأواخر، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله يعتكف العشر الأواخر من رمضان».

وكذلك منها صلة الأرحام والتواد والتزاور والتراحم بين الأقارب والجيران، والصلح بين المؤمنين، ونبذ الخلافات والتخلص من العداوات، وتطهير القلوب من الغل والأحقاد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (سورة الحجرات: 10)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (سورة الحشر: 10).

قال الشاعر:

أتى رمضان مزرعة العباد *** لتطهير القلوب من الفساد

فأد حقوقه قولًا وفعلًا  *** وزادك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها *** تأوه نادمًا يوم الحصاد.

الهوامش

(1) فتح الباري ١١٢/٤ / ١٨٩٩

(2) تحفة الأحوذي ٣٥٩/٣/ ٦٧٧

(3) فتح الباري ١١٤/٤

(4) بهجة النفوس ٢٢/٤

(5) فتح الباري ٤ ١١٤

(6) بهجة النفوس ٢٣/٤

(7) فتح الباري ١٩٠٣/١١٦/٤

(8) فتح الباري ١١٧/٤

(9) فتح الباري ١٩٠٢/١١٦/٤

(10) فتح الباري ١١٦/٤

(11) النسائي ١٥٥٤ كتاب الصوم، باب ثواب من قام رمضان

(12) فتح الباري ٤ / ١١٥ / ١٩٠١

(13) فتح الباري ٢٦٩/٤/ ٢٠٢٤ (١٤) فتح الباري ٢٧١٤/ ٢٠٢٥.

 

تعال نؤمن ساعة:

اصبر على الدنيا:

كلمة «الدنيا» تحوي في داخلها من المعاني ما قد يستغرب منه القارئ، ومن ذلك أنها تصغير لما فيها مع شدة إعجاب البعض بزخارفها، وأنها قصيرة لما يوجد من أضعاف مضاعفة في الآخرة، ومن كل ما لم يتخيله البشر.

وأنها دار امتحان واختبار، ومن ثم ينظر كيف يعمل المرء فيها: هل تستهويه هذه الدنيا من متاع زائف وزائل، أم يجعلها دارًا للتزود من الخيرات لتكون له رصيدًا في الآخرة؟

انظر أخي هذا التشبيه والمقارنة بين أمرين، وعليك تحكيم العقل واختيار ما يمليه عليك ضميرك، وضمير كل مسلم غريب، وعابر سبيل.

عن المستورد بن شداد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع» (رواه مسلم)

فكل ما تراه من نعيم في هذه الدنيا وزخارفها من قصور أو سلاطين وعروش، وكل من تعلق بشيء يظن أنه لن يزول، ويتفاخر به أمام الغير، أو يحتفظ به خوفًا عليه، ما هذا كله إلا كنقطة أو نطفة من ماء، إذا وضع أحدنا إصبعه في البحر يرجع بها، ونراه -والله- التشبيه عجيب وغريب لما فيه من خير مدخر لكل عبد زهد في هذه الدنيا، وصبر على البهرج الزائل، وذلك ليجني الخيرات في الآخرة إن شاء الله.

نسأل الله العزيز القدير أن نكون ممن يضعون الدنيا وزخرفها في أيديهم، ولا تكون في قلوبهم، وأن نقنع بما لدينا، ولا نطمع فيما في أيدي الناس.

عبد العزيز الجلاهمة

 

تأملات في غزوة بدر الكبرى:

كانت فارقًا بين العبودية للأشخاص والهوى والرجوع إلى الله وحده:

بقلم: محمد عبد الله الخطيب.

  • أسباب النصر في قوة الإيمان والجهاد، لا في ضخامة الاستعداد والدعاية.

ما أحوج العالم العربي والإسلامي المعاصر إلى وقفات مع أحداث غزوة بدر يتعلم الحقائق التي أرستها والموازين التي قررتها، ففي كل بلد عربي أو إسلامي، أهوال وأحداث جسام، وأوطان مغلوبة على أمرها، إن حمامات الدم في الجزائر والتسلط اليهودي في فلسطين، والإجرام الصليبي في البوسنة والهرسك، والتدمير الكامل للشيشان، وسكوت العالم المتحضر على هذا الإجرام ورضاه بما ينزل بالمسلمين- لهو أمر خطير وخطير جدًا يجب أن ينتبه له المسلمون، ويجب أن يستيقظوا قبل فوات الأوان.

ولا أمل اليوم للمسلمين إن أرادوا النجاة من الهاوية المحتومة إلا أن يعودوا إلى مصدر قوتهم، إلى ماضيهم العظيم، إلى الحق الذي صنع الله به أهل بدر، وهو الطريق الوحيد لإيقاظ ألف مليون مسلم مبعثر على ظهر الأرض، وهو عدد لو استيقظ من نومه العميق، فلا قبل لأهل الأرض بمواجهته.

ومن هنا ندرك سر اللعبة الخطيرة في إقصاء الإسلام عن المعركة، وإبعاده عن المواجهة، وتحطيم الخلافة رمز المسلمين قبل ذلك، وتخدير العالم الإسلامي والعربي -إلا من رحم الله- عن النهوض إلى المعركة، والقيام بدوره، والتعتيم الكامل على فريضة الجهاد في سبيل الله.

أهداف وغايات:

لم يخرج المسلمون إلى بدر لهدف جمع المال أو الثروة من وراء جهادهم، لكن كان الهدف الأكبر كسر شوكة قريش التي اعتبرت نفسها مسؤولة عن تثبيت دعائم الشرك في الجزيرة، فكان لا بد من المواجهة مع قريش التي تحاد الله ورسوله، ولا بد من إزالة المعوقات عن طريق مسيرة الإسلام، مهما كانت قوة قريش وعدتها، وعتادها، ومهما كانت قلة عدد جند الله وعدتهم المادية، ومن ثم نجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقود هذه الغزوة بنفسه لملاقاة عير قريش وهي عائدة، إنها ضربة لقريش في الصميم تقصم ظهرها، وترد كيدها، وتقلم أظفارها، وبخاصة أنها محملة بأرباح تجارتهم ليستنقذ من أيديهم ما نهبوه من أموال المهاجرين، وما غصبوه من دورهم بمكة، كانت في العير ألف بعير تحمل الأموال التي قدروها بثلاثين ألفًا، وقيل بخمسين ألفًا.

وفي الجانب الآخر خرجت قريش يسوقها الغرور ومعها كل ما استطاعت من عدة للقتال، ووسائل الترف والمجون من خمور ومغنيات وخيل معدة، وإبل هادرة يسوق الجميع البطر والغرور والكفر والفجور، يقودهم الفاسق أبو جهل إلى مصارعهم وهم لا يشعرون، لقد أخذ أبو جهل يصيح في القوم: «والله لا ترجع حتى نرد بدرًا فنقيم عليها ثلاثًا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان وتسمع العرب بنا وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا. (كتاب صور من حياة الرسول).

ولقد حدثنا الحق -تبارك وتعالى- عن هذا كله فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (سورة الأنفال: 47).

أقوى أسباب النصر:

هكذا جمع الله الفريقين بوادي بدر: المسلمون بالعدوة الدنيا، مما يلي المدينة، والمشركون بالعدوة القصوى مما يلي مكة، إن الحق -سبحانه- جمع بين الفريقين على غير موعد: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ (سورة الأنفال: 42)، ولقد دبر -سبحانه وتعالى- أسباب اللقاء على قلة المؤمنين وكثرة المشركين، ليكون هذا اللقاء العجيب الدرس الخالد الذي يجب أن يتعلمه المسلمون إلى يوم القيامة، لقد اجتمعت كل عوامل النصر الظاهرية لقريش، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في جانب المؤمنين، ليكون هذا اللقاء فرقانًا بين الحق والباطل، وميزانًا يزن به الناس أسباب النصر والهزيمة في حقيقتها لا في ظواهرها، فليست كثرة العدو، ولا ضخامة الاستعداد، ولا قوة الدعاية، هي السبب الحقيقي في النصر، إنما أسباب النصر في صلاح العقيدة، وقوة الإيمان بها، وطول الصبر عليها، وصدق الجهاد في سبيلها، وإن بلغت القلة المؤمنة ما بلغت من الضعف، وبلغت الكثرة الكافرة ما بلغت من القوة، قال الله -تعالى-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (سورة القصص: 5-6).

لا بد من أن نتأمل التخطيط المنظم للمعركة قبل بدر، فقد عقد النبي -صلى الله عليه وسلم- معاهدات ومصالحات مع اليهود في المدينة، ومع الذين يحيطون بالمدينة من قبائل، ليتمكن من التفرغ لقريش، وسير قبل الغزوة عدة سرايا، ليعلم كل من تسول له نفسه ضرب المسلمين أنهم على استعداد لمواجهته، وإيقافه عند حدوده، وهذا دليل على الوعي الكامل واليقظة التامة، والإعداد الدقيق.

لقد أنهت غزوة بدر وفرقت بين عهدين، عهد الصبر والمصابرة والانتظار، وعهد الإجرام والافتراء والعدوان، وفرقت بين العبودية للأشخاص والهوى، وبين الرجوع إلى الله وحده، الذي لا إله سواه، ولا مشرع إلا هو، فارتفعت الهامات في بدر لا تنحني إلا لله، وتحررت الجزيرة العربية من عباد الأصنام والأزلام والميسر وتجار الخمور والأعراض، وأحلاس الربا والزني، وذهب الجميع إلى غير رجعة.

هناك جوانب في هذه الغزوة لا بد من الاستفادة منها، وهي:

  1. وضع الكفاءات في موضعها الصحيح.

  2. الحرص على إجراء الشورى بين المسلمين، والنزول على ما انتهت إليه. 

  3. أهمية الاستطلاع والحصول على المعلومات حتى تحددت أماكن المشركين وأمدادهم. 

  4. حسن أخلاق المسلمين في معاملة الأسرى، وإيثارهم على أنفسهم مما كان له أعظم الأثر في إسلامهم بعد ذلك.

  5. التخطيط للمعركة والتنفيذ على أحسن وجه.

  6. إيمان الجنود بالله العميق عن فهم صحيح؛ مما قوى روحهم المعنوية واستعدادهم للبذل والعطاء، والجهاد والاستشهاد في سبيل الله، والتنافس في مواجهة أعداء الله.

روى الإمام أحمد أن المشركين لما دنوا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال بخ بخ، قال رسول الله وما يحملك على قول بخ بخ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فأنت من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم وهو يقول:

ركضًا إلى الله بغير زاد  ***   إلا التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد   ***  وكل زاد عرضة النفاد

غير التقى والبر والرشاد

فمازال يقاتل حتى قتل، ما أحوجنا إلى يقين أهل بدر وإلى إيمان أهل بدر، وإلى أخلاق أهل بدر، ما أحوج المسلمين اليوم إلى بدر تخرجهم مما هم فيه، وإلى بدر في فلسطين، وفي البوسنة، وفي الجزائر، وكوسوفا، وفي كل بلد تنمر فيه أعداء البشرية، إن بدر هي التي تعدل الموازين، وتفرق بين الحق والباطل.

أيها المسلمون:

نقف على أعتاب بدر لننظر إلى أنفسنا، وقد بلغنا من الذلة والهوان والضعف درجة لم نصل إليها في تاريخنا كله بسبب بعدنا عن ديننا، والغفلة عنه، والتفريط فيه، وبرغم كل هذا فنحن نحمل المسؤولية تجاه أنفسنا، وتجاه البشرية، لا يعنينا منها أبدًا ما وقعنا2 فيه من تقصير، بل إن ذلك ليضاعف مسؤوليتنا بين يدي الله، يقول الحق -سبحانه- لسيد الدعاة:  ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (سورة الزخرف: 43-44)، فماذا نحن قائلون لربنا غدًا؟ وأي ذنب نحمله حين تحتاج إلينا البشرية اليوم أو غدًا؟ فلم تجدنا في المكان الذي يجب أن نكون فيه، مكان الأمة التي تحمل الهدي الرباني، وتبلغه للناس، لقد حذرنا الله من ترك المكان والتخلي عنه فقال:﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (سورة محمد: 38).

وإنا لنرى أفضال الله -عز وجل- في الصحوة الإسلامية التي تنبعث اليوم من كل مكان في الأرض -برغم الدخان الذي يملأ الأجواء- تسعى إلى تحقيق الإسلام في الواقع، وتعمل في سبيل الله لا تخاف لومة لائم، وتتعرض للكثير من العنت، ثم تظل صامدة ماضية في سعيها، لإقامة هذا الدين في الأرض كما أمر الله، انطلاقًا من كل الحب الذي تكنه للبشرية.

اللهم ارزقنا إيمان أهل بدر، وصدق أهل بدر واحشرنا معهم، ووفقنا لما تحب وترضى، اللهم أمين.

 

صنبور الأفكار:

راحتك في إتعاب جسدك.

عدت إلى غرفتي متعبًا، فقد كان ذلك اليوم مليئًا بالجهد والتعب، وما كانت رجلاي تطأ غرفة نومي إلا وكانت عيناي مقفلتين، حتى كدت أستلقي على الأرض، قرب الباب أخذت أتلمس الطريق بيدي وصلت إلى السرير، واستلقيت عليه، وألقيت رأسي على الوسادة، وإذا بصنبور سعاد الأفكار ينفتح دفاقًا، وإذا عيناي تفتح، وحواسي كلها تستيقظ، ما هذه الخيانة؟ أيجرؤ جسمي على خيانتي، وأنا في أشد الحاجة إلى الراحة؟ فما أن فكرت بذلك حتى بدأ في الدفاع: يا لك من ظالم، تطلب لنفسك الراحة وجسمك لا يعرف الراحة أتعبتنا، وحيرتنا، وأغلى أمنياتنا أن نتركك أو تتركنا.

قلت: مهلًا مهلًا، وكأنك تصورني بالوحش الكاسر اعقل وتمهل (ونسيت أني أخاطب عقلي).

رد عليَّ مسرعًا: إنما أخاطبك لمصلحتك، فأمامك غدًا عمل متعب، وأنت تتعب نفسك وتتعبنا أكثر بالذهاب إلى ذلك المكان (عمل خيري مدارسة قرآن، الوقوف على الأيتام والأرامل) فما هدفك؟ إن كنت تتعب نفسك فأنت حر، لكن أن تتعب أعضاء جسمك فأنا أنوب عنهم وأقول لك: لا وألف لا، فنحن لنا حقوق.

قلت: إذن أنتم ترفضون ذلك؟

العقل: نعم وبشدة.

قلت: حسنًا لدي حل مناسب، لن أذهب إلى هناك بعد اليوم، وسأنعم بالراحة والكسل والخمول، وأعطي جسمي ما يشاء من التمتع والتلذذ.

أجاب العقل فرحًا: نعم، هذا ما نطلبه لتنال سعادتك، وراحتك.

واصلت: صحيح، فسعادتي في أن أريح جسمي، فذلك خير لي من حمر النعم، وأفضل من الجنة ونعيمها، وأفضل من التظلل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، فلأرح جسمي في نار جهنم حيث تشوى أعضاء جسمي مرات ومرات.

إن كان ذلك هو ما يريده جسمي أيها المتحدث الرسمي فأنا مستعد لذلك. 

خيم الصمت فلم أسمع جوابًا، فنظرت إلى سقف الغرفة أخاطب نفسي: قد تكون الراحة رجاء ومبتغى، ولكن الراحة في الآخرة أعظم وأبقى، فلتشتعل الهمة، فقد أصل بهمتي حتى السقف لكنها تأبي إلا مزاحمة النجوم، أه ما أحلى الراحة بعد التعب.

سكنت أعضاء جسمي كأنها اقتنعت بحديثي، اعتدلت على السرير: «باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».   

محمد رضا كابلي - جدة السعودية

 

نفحات الرضا في رمضان:

إن السعيد من أدركته رحمة الله تعالى، ومنح نفحة من نفحات الرضا والقبول في هذا الشهر العظيم، نفحة يمحي بها ذنبه، ويغسل ما ران على قلبه، فيطهر من أدران الأعراض، ويرجع إلى نقاء الفطرة، وشفافية الوجدان، ويستقبل الحياة مستمسكًا بحبال الرجاء، وكله أمل في أن يشمله عفو الله تعالى، وينتظم في سلك التائبين المقبولين.

وإنه لجدير بالمؤمن وهو يرتل القرآن -في هذا الشهر الكريم- أن يخشع قلبه ويلين، ويحس مع هدأة الليل وسكونه أن هذا الوحي الإلهي موجه له بالذات، وأن خالقه العظيم يعاتبه عتاب الودود الشفيق، ويستجيش مشاعره ووجدانه، ليتفكر ويعتبر، ويسقط واقع حاله على ما هو مطلوب منه، وما يجب أن يكون عليه، فيدرك أخطاءه، ويعترف بتقصيره، ويسرع بالعودة إلى سلامة الفطرة، ونقاء العقيدة، ويلج من باب الأمل والرجاء إلى رحمة الرحمن، وظلال الإيمان، ويضع عن كاهله أوزار الانحراف وأثقاله، فقد حق له أن يستريح، وأن له أن يؤوب، فما للعبث خلق، ولا باللهو واللعب تنقضى الأعمار.

محمد الجاهوش

 

صيام الموظفين «متهم بريء» من تعطيل مصالح الجماهير:

  • المواطنون إنهم يعطلونها بدعوى الإرهاق.

  • الموظفون: وسائل الإعلام هي السبب.

  • علماء الشريعة خيانة للأمانة مرتين، ورمضان شهر العمل والجهاد.

  • القصور في العمل سببه الإسراف في الطعام والشراب والسهر أمام أجهزة التلفاز.

بقلم: رجب الدمنهوري

ما أن يجلس إلى مكتبه حتى يغلبه التثاؤب والرغبة في النوم، لكنه يتحامل على نفسه، ويحاول إنجاز ما يمكن إنجازه للمواطنين، وتأخير ما يمكن تأخيره حتى يعطي جسمه حقه من الراحة المهدرة بسبب السهر ليلًا، ولكي ينصرف مبكرًا إلى المنزل من أجل النوم، إنه مشهد مألوف في كثير من الدواوين والمؤسسات الحكومية خلال شهر رمضان المبارك، مما يجعل منه شهرًا لأقل معدلات الإنتاج في العام، نتيجة تعطيل مصالح الجماهير وخيانة الموظف للأمانة مرتين أمانة الصوم، وأمانة العمل، في هذا التحقيق نتناول هذه الظاهرة، ونورد أقوال العلماء بشأنها من أن الصوم عبادة تشحذ الهمم، وتقوي الإرادة، وتفجر طاقات الجهاد والصبر، محذرين من التثاقل في أداء العمل المنوط بكل موظف بسبب السهر أو الإسراف في تعاطي الطعام والشراب وغيرها من الأسباب.

في البداية يقول المواطن السيد محمد شعبان -مفتش أغذية- ذهبت لإحدى المصالح الحكومية لقضاء مصلحة شخصية، وعندما طلبت من الموظف إنجاز مهمتي بادرني بقوله: الدنيا صيام مر علينا بعد العيد، وعندما حاولت إقناعه بأن الصوم لا يعوق قضاء المصالح انفعل، وقال في عصبية: أنا مرهق ولن أستطيع إتمام هذا العمل اليوم، فغادرت المصلحة ضاربًا كفًا بكف متسائلًا: هل الصوم يحول دون تحقيق مصالح العباد؟

ويقطع الحديث علي أحمد إبراهيم -محاسب- قائلًا: دخلت على أحد الموظفين فوجدته واضعًا يديه على رأسه، وقد غلب عليه التثاؤب والنعاس، وعندما استفسرت عما تم في طلبي الذي كنت قد تقدمت به لاعتماده، قال الواحد اليوم ليس فيه دماغ من السهر أمام التليفزيون ومن فضلك يمكنك الاستفسار عن طلبك في وقت آخر، وعندما أصررت على موقفي فما كان منه إلا أن بحث عن طلبي بكل تثاقل وفتور.

جمعة الشرنوبي -مدرس- يروي قصته مع المصالح الحكومية في رمضان فيقول: ذهبت إلى إحدى المؤسسات لاستخراج بعض المستندات، فوجدت المكتب المنوط به إنجاز هذا العمل شبه خال من الموظفين برغم أن وقت الانصراف لم يكن قد حان، ولم أجد سوى عامل واحد بالمكتب فاجأني بقوله: «الشغل انتهى اليوم يا أستاذ يمكنك أن تأتي باكرًا».

ومن جهته يعترف موظف يعتذر عن ذكر اسمه في رمضان لا أستطيع أن أنام مبكرًا، لأن الشاشة الصغيرة لا تتوقف طوال الليل عن عرض البرامج والمسلسلات والأفلام، ومن هنا أعترف أن السهر الطويل يؤثر على قدراتي في العمل، والحقيقة أن الدولة هي المسؤولة عن ذلك، لأنها يجب أن تتدارك هذا الخطر، وتقلل من البث التلفازي في هذا الشهر الكريم حتى لا تتعرض مصالح المواطنين للضياع.

ويرفض هذا السلوك -شكلًا ومضمونًا- الدكتور أحمد الطيب أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، مؤكدًا أن هذا الإهمال يبعد عن روح رمضان وفلسفته العليا التي أرادها الله من الصائمين، فقد شرع الله الصوم لتخليص الجسد من أحماله الزائدة، ولتفجير طاقة الصبر والقدرة على العمل، وهؤلاء النفر الذين يجعلون من رمضان موسمًا للخمول والنوم على المكاتب، يقلبون حكمة رمضان رأسًا على عقب، وكان أجدر بهم أن يستفيدوا من طاقات النشاط التي يبعثها رمضان في كل صائم يدرك معنى الصوم وحقيقته السامية. 

وليست مصادفة أن أول موقعة انتصر فيها المسلمون على جحافل الشرك، وكسروا شوكتهم كانت في رمضان، لقد خاض المسلمون موقعة بدر بكل أهوالها وعنائها، ولقنوا المشركين درسًا بالغ القسوة وهم صائمون، وكانت معركة العاشر من رمضان درسًا آخر وبرهانًا ساطعًا على أن الصائم دائمًا أقوى وأقدر من المفطر، وأن إرادته تزيل الجبال، وأنه أكثر ذكاء وأدق تخطيطًا وأخف حركة من المفطر الممتلئ البطن.

ويؤكد د. الطيب: إن هناك شيئًا يجب أن يتنبه إليه هؤلاء، هو قوة الإرادة في مقاومة هذا الضعف بتنشيط الطاقة وتجديد الحركة، وقبل ذلك يتحتم على الصائم أن يأخذ قسطه من الراحة كاملًا في منزله قبل الذهاب إلى عمله مهما كانت مغريات السهر الذي لا فائدة منه، إن استشعار المسؤولية ويقظة الضمير يحتمان على كل صائم أن يؤدي عمله كاملًا في نشاط، ويقظة تامين، وإلا كان مضيعًا للأمانة مرتين أمانة الصوم، وأمانة العمل.

شهر العمل والجهاد:

متفقًا مع الرؤية السابقة يستشهد الشيخ سعد الفقي -من علماء الأزهر- في حديثه بقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة: 183)، مؤكدًا أن الآية الكريمة تدل على أن الصوم يرجى منه أن يكون طريقًا يحصل به الصائم تقوى الله -عز وجل-، والتقوى معناها أن يراقب العبد ربه في جميع أوامره ونواهيه، وإذا كان الصيام مما أمر الله به فإن ظلم الناس وإهمال مصالحهم من خلال إهمال العمل أو الوظيفة أمر منهي عنه، ولا يجب أن يكون امتثال الأمر بالصيام موصلاً إلى ارتكاب معصية، فالصيام شرع لقهر النفس، وكبح جماحها، وهذا المعنى لن يتحقق إلا من خلال قيامها بالأعمال التي كانت تقوم بها قبل الصوم، وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تؤكد أن رمضان كان من أعظم شهور العمل والجهاد في حياته؛ إذ أثر عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يتخذ هذا الشهر وسيلة لإهمال عمل أسند إليه، بل إنه لم يهمل الجهاد في سبيل الله؛ حيث قام خلال الشهر الكريم بكثير من الأعمال الإسلامية المجيدة، ومنها غزوة بدر الكبرى، وفتح مكة المكرمة، كما كان -صلى الله عليه وسلم- يحث المسلمين على الصوم برغم قسوة الجو وشدة الحرارة.

وحول الحالة الانفعالية والمزاجية للموظفين الصائمين يقول الدكتور سعد ظلام -عميد كلية اللغة العربية بالأزهر-: «إن هذه الحالة تتنافى تمامًا مع الغاية السامية للصوم، وإن الذين ترتفع أصواتهم عند صومهم قد خالفوا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، وإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم».

فالنبي الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن أن يرفع الصائم صوته فلا يصخب، ولا يعتدي على الغير باللفظ ولا يجهل، وإن كان هناك من يدفعه إلى أن يصحب أو يجهل أو تعرض لموقف استفزازي، فعليه أن يذكر نفسه بما هو عليه من صيام.

أما الدكتور جمال ماضي أبو العزايم -أستاذ الطب النفسي- فيقول: إن الصيام عبادة نفسية مجانية تفتح أبوابها خلال شهر رمضان الكريم بدون أن يدفع الصائم ثمن الكشف أو حتى ثمن العلاج، والصائم إذا ما التزم بحقيقة الصيام بأن أمسك عن الطعام والشراب، وعن شهوة الفرج، وكف جوارحه عن الوقوع في المعاصي، وأقلع عن كل ما لا يرضى عنه الله؛ تحقق له الأمن والأمان والطمأنينة، وذلك أن الصائم الحقيقي يجعل نفسه في معية الله -تعالى- فيسعى بكل ما أوتي من قوة ومال إلى أن يتقرب إلى الله -تعالى- ولن يتحقق هذا القرب إلا بتصفية النفس من أكدارها وتهذيبها، والسيطرة عليها.

نمط غربي:

ويؤكد الدكتور عبد الصبور مرزوق -نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- أنه إذا كنا نشهد بعض القصور في بعض المجتمعات المعاصرة فلنبحث عن أسباب أخرى غير الصوم، ولعل أبرزها: سيطرة نمط الحياة الغربية على مجتمعاتنا الإسلامية، والخضوع الكبير لأجهزة الإعلام وفي مقدمتها التلفاز، فهذه الأجهزة تستمر في بث برامجها طوال الليل تقريبًا في زمن الصيام وغيره، بما يؤدي حتمًا إلى عدم تمتع المواطن -صائمًا كان أو غير صائم- بالوقت الكافي للنوم والراحة، ومن ثم يذهب إلى عمله غير متمتع باللياقة المطلوبة فيتأثر الإنتاج.

الصوم يشحذ الفكر:

وحول تأثير الصيام على الذهن والقدرات العقلية يقول الدكتور أحمد شوقي إبراهيم مسؤول الإعجاز العلمي بالمجلس الأعلى للبحوث الإسلامية- إن الصيام لا يؤثر إطلاقًا على الطاقة الذهنية والعقلية إذا كان الصوم صحيحًا؛ بمعنى أن يكون على هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما الصوم الذي يتبعه كثير من الناس الآن فليس على هدي -صلى الله عليه وسلم-، ومن مظاهر ذلك السهر الطويل والإسراف في تناول الطعام والشراب، مما يؤدي إلى تخمة وأمراض الجهاز الهضمي، والإسراف في تناول المنشطات والتدخين.

ومن هنا فإن تعرض المسلم للإرهاق البدني والذهني ليس بسبب الصيام، ولكن بسبب السهر الطويل أمام الجهاز المرئي وبسبب الآثار الانسحابية لمادة النيكوتين في

الرابط المختصر :