; مصر- أمريكا:الحوار الاستراتيجي «يفرمل» تدهور العلاقات | مجلة المجتمع

العنوان مصر- أمريكا:الحوار الاستراتيجي «يفرمل» تدهور العلاقات

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 57

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 21-يوليو-1998

عندما عرض وزير الخارجية المصري عمرو موسى على نظيره الأمريكي السابق وارين كريستوفر فكرة حوار بين البلدين، يتناول يعمق وهدوء العلاقات الاستراتيجية بينهما، بعدما بدأت الخلافات تكبر بين البلدين، لم يتحمس كريستوفر كثيرًا لذلك، كما يؤكد موسى في حوار مع نقيب الصحفيين المصريين- نشرته مجلة المصور المصرية - وكان من الواضح أن كريستوفر يزن الأمور بمعيار هل مصر ندٌّ لنا حتى تدخل معنا في حوار، ولا تنصاع لأمرنا؟

ولذلك عندما توجه الوزير المصري قبل أسابيع من سفره لواشنطن لبدء أولى جلسات هذا الحوار مع أولبرايت، سعى لإبلاغ الأمريكان رسالة قال فيها بوضوح: «لسنا قوة هامشية في هذه المنطقة، ولن تقبل التهميش سواء الآن أو في الأجيال التالية»، و«من المهم أن يفهم الجميع وليس الأمريكان وحدهم المركز المصري بل ويستثمروه».

وبين ما قاله موسى وألمح إليه كريستوفر، وما توحي به طبيعة التحركات الأمريكية تجاه مصر، يبدو بوضوح أن حوار القاهرة واشنطن الاستراتيجي ينطلق من أهداف مختلفة، وأنه وإن وافق الطرفان عليه، فلمصلحة كل طرف التي تتعارض بلا شك مع مصالح الطرف الآخر في كثير من القضايا والمناطق، فواشنطن لها مصلحة في إفريقيا والشرق الأوسط، وهناك حديث عن سعيها لنقل قواتها في الخليج لمركز جديد في القرن الإفريقي خوفًا من عمليات مسلحة جديدة ضد قواتها، وبالتالي تحتاج أمريكا إلى التنسيق مع مصر، خصوصًا أن مصر تعتبر القرن الإفريقي وأعالي النيل أو منطقة البحيرات العظمي عمومًا خطوط حمراء لأمنها القومي، كما أن لأمريكا مصلحة في استمرار التواصل، وليس الصدام مع مصر، حتى تضمن تحييد دورها العربي، سواء في الخليج، أو في مشكلة فلسطين والأهم أن لها مصلحة في أن تكف مصر عن التعاون مع ليبيا والسودان، وألا تستمر في خرق الحصار الأمريكي ضدهما، أما مصر قلها مصلحة في أن تتحاور مع واشنطن، وتنقل لها بالتفصيل وجهات نظرها حتى لا يقع صدام أو انفجار في العلاقات بين البلدين، يعيد المنطقة للتوتر في وقت انتهت فيه تقريبًا أساليب الحرب الباردة القديمة، وجرى استبدالها بأساليب الحوار.

ومع ذلك فقد كانت الأهداف التي انطلق منها كل طرف مختلفة، وأساليب الحوار لا يبدو منها أن هناك تعاونًا أو تنسيقًا، فواشنطن مثلًا خطفت السفير الكوري الشمالي من القاهرة، ونقلته لأمريكا، واستخدمت الفيتو عدة مرات في مجلس الأمن لمنع صدور قرارات ضد إسرائيل، رغم مخالفة الصهاينة للقرارات الدولية، وواشنطن أيضًا هي التي بادرت بخفض المعونة الأمريكية لمصر، كما زادت القيود والجمارك على الصادرات المصرية لأمريكا، وحتى أمن مصر القومي لم تراعه واشنطن، عندما ذهب كلينتون ليزور إفريقيا ودول حوض النيل ويسعى لدعم أعداء السودان، والتحريض على غزو أراضيه، وبالتالي تهديد المناطق السودانية التي تمر عبرها مياه النيل إلى مصر.

رد مصري

ومصر ردت في بعض الأحيان على هذا التصرف الأمريكي بأسلوب يتعارض أيضًا مع لغة الحوار، وكان أبلغ تعبير عن ذلك تدعيم مصر المتواصل لعلاقاتها مع ليبيا، وتحسينها مع السودان وإيران، ورفضت التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية حتى الآن، وحرضت الدول العربية على عدم الالتزام بها، ووجهت انتقادات قاسية لواشنطن بسبب رفض أمريكا تطوير علاقاتها الحقيقية مع مصر بعملية السلام والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فضلًا عن دعم واشنطن لمحور عسكري بين تركيا وإسرائيل ترفضه مصر، وتعتبره معاديًا لها ولسورية والعراق.

وقد اتفق الطرفان بالفعل خلال جلسة الحوار الأولى في واشنطن على بحث ألغام الحوار المختلفة، واستعراضها كأحد آليات تجنب انفجار هذه الألغام، ففيما يتعلق بالعلاقات الثنائية طرحت نقاط مثل توقف أساليب الضغط الأمريكية المعتادة على مصر، سواء بطرح ملف اضطهاد أقباط مصر، أو مسالة المساعدات الاقتصادية، أو مثل اتهام مصر  ضمن دول عربية في تقارير مسربة من المخابرات الأمريكية للصحف الأمريكية بحيازة مواد كيماوية أو بيولوجية، إضافة لوضع واشنطن قيودًا على الصادرات المصرية.

 أيضًا طرحت فيما يتعلق بالتعاون الإقليمي قضايا الخلافات بين الدولتين بشأن السودان وليبيا وإيران، وقالت أولبرايت: إنها ركزت على ليبيا مع موسى فضلًا عن الملف العسكري الإسرائيلي– التركي، أما على الصعيد الدولي فطرحت قضايا أسلحة الدمار الشامل، ومسألة توسيع حلف شمال الأطلنطي وأثرها على أمن منطقة شمال وشرق البحر المتوسط، وكان من الواضح أن هناك تحفزًا مصريًّا لإبلاغ واشنطن أن هدف مصر هو فتح آفاق تعاون أوسع وحقيقي بين البلدين، دون أن تؤثر عوامل جانبية «الكونجرس- اللوبي الصهيوني- الإعلام الأمريكي» على مسيرة هذا الحوار، إذ ابلغ وزير الخارجية المصري عمرو موسى نظيرته الأمريكية أن الحوار والعلاقة بين مصر وأمريكا لا يجب أن تدخل فيها إسرائيل، وأنه من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في الرؤى والأهداف، ولكن المهم هو السيطرة على ذلك الخلاف، ومنع تطوره إلى أزمة بين البلدين، وأن أمريكا يجب أن تتحاور مع مصر، من منطلق المساواة لا التعالي، والتعاون لا الشجار، وكانت فكرة الحوار الجدي قد تولدت إثر تفجر الأزمة الأخيرة بين العراق والأمم المتحدة، إذ اتفق عمرو موسى ومادلين أولبرايت على ضرورة النقاش حول الخلافات المثارة بين الجانبين للسيطرة على الانفجار المتوقع في علاقات البلدين، وبدأ الحديث لأول مرة على جلسات للتمهيد لبدء جلسات هذا الحوار، وخلال شهور مارس وأبريل ومايو ويونيو الماضية، كانت قد تبلورت آليات ونطاق وأهداف هذا الحوار عبر الاتصالات الثنائية بين البلدين، لتبدأ أولى الجلسات بالفعل منذ عشرة أيام، على أن يتبعها اجتماعان دوریان على مستوى كبار المسؤولين الدبلوماسيين في البلدين مرتين سنويًّا لمتابعة الحوار.

الرابط المختصر :